عندما "يعتدي" المجلس الدستوري على صلاحيات مجلس النواب

البرفسور خالد خضر الخير (*)

في خضم الازمة القائمة حول القرار رقم 5، الصادر عن المجلس الدستوري بتاريخ 22/9/2017 والقاضي بإبطال القانون رقم 45، الصادر بتاريخ 21/8/2017، المتعلق باقرار الضرائب، كان لا بد من التعليق على ما جاء في بعض حيثياته، وخاصة في السبب الثاني منه الذي استند عليه في الابطال، وهذا ما أجبر دولة الرئيس نبيه بري على التصدي للمغالطة التي وقع فيها المجلس الدستوري باعتبار انه ليس من حق المجلس النيابي فرض الضرائب الا من خلال الموازنة العامة.

ولقد جاء ضمن السبب الثاني الذي استند عليه المجلس الدستوري في ابطال القرار رقم 45\2017 التالي:

"وبما انه لا يوجد فرض ضرائب ظرفياً انما في اطار موازنة سنوية تشكل برنامجاً اصلاحياً وانمائياً واقتصادياً واجتماعياً، بحيث تأتي الضرائب والرسوم وفق متطلبات الخطة الموضوعة، وبما ان القانون المطعون فيه صدر في غياب الموازنة وخارجها فقد خالف مبدأ الشمول الذي نصت عليه المادة 83 من الدستور، وكان ينبغي ان يأتي في اطار الموازنة العامة السنوية، وفقاً للقواعد التي نص عليها الدستور، لذلك هو مخالف للدستور".

بدايةً لا بد من التذكير ان المادة 16 من الدستور اللبناني نصت على ان "تتولى السلطة المشترعة هيئة واحدة هي مجلس النواب".

كما أكد الدستور ان فرض الضريبة هي حصراً من صلاحيات المجلس، اذ نصت المادة 81، منه على ان "تفرض الضرائب العمومية ولا يجوز احداث ضريبة ما وجبايتها في الجمهورية اللبنانية الا بموجب قانون شامل تطبق احكامه على جميع الاراضي اللبنانية دون استثناء".

ويتضح جلياً من مضمون المادة 81، انها لم تضع قيداً على المجلس بمنعه من وضع وفرض واحداث قوانين الضرائب في الجمهورية اللبنانية خارج اطار الموازنة العامة، بل على العكس، هي ألزمته فقط ان تكون الضريبة بموجب قانون، وان تكون شاملة ومطبقه من دون استثناء.

كذلك فان تعديل الضريبة، هي صلاحية منوطة ومحصورة بالمجلس النيابي سنداً لنص المادة 82، التي نصت على "لا يجوز تعديل ضريبة او الغاؤها الا بقانون". وهذا ما يؤكد ان المجلس له الصلاحية المطلقة والمحصوره به، وله في اي وقت ان يفرض الضريبة كما له ان يعدلها. وليس صحيحاً ما ذهب اليه قرار المجلس الدستوري انه ليس للمجلس الحق بفرض الضريبة الا من خلال الموازنة، سيما ان الدستور قد حدد دوراً تشريعياً مخصصاً لدرس الموازنة واقرارها.

من هنا يتضح جلياً ان المجلس الدستوري اخطأ في استناده واعتماده وركونه للمادة 83، لان هذه المادة تتحدث عن الموازنة العامة وكيفية الاقتراع عليها، وهي مكملة لاحكام المواد 81، 82، 84، من الدستور، مع العلم ان الصلاحية المالية للمجلس النيابي، هي الجانب الاهم في صلاحياته التشريعية، وهذا ما كان عليه الامر في البرلمان البريطاني مهد النظام البرلماني، حيث انتزع هذا الاخير هذه الصلاحية  من الملك إعمالاً للمبدأ القانوني المتجذر  "لا ضريبة دون قانون"،  وهذا مرده بالطبع الى الدور المهم الذي تلعبه القضايا المالية ولما لها من أهمية في حياة الدولة والامة.

وبما ان مجلس النواب يمثل الأمة، فكان لا بد من اعطاء وتخصيص هذه الصلاحية الى من يمثلها، اي مجلس النواب، الذي يتوجب علية السهر ومراقبة ومحاسبة واقرار القوانين المالية، وعليه ان يعمل على جعلها مصانة من الهدر والتبديد.

كما ان المبدأ هو سيادة البرلمان في الانظمة الديمقراطية، والاستثناء هو تقييد هذه السيادة بموجب نص دستوري يجيز الرقابة على اعماله في حال كانت مخالفة للدستور، وهنا يأتي دور المجلس الدستوري الذي له صلاحية الرقابة على دستورية القوانين وسائر النصوص التي لها قوة القانون وفقاً للمادة 18 من قانون انشائه، واذا ما توفرت شروط  اعمال المادة 19 من الدستور اللبناني، ولكن ليس للمجلس الدستوري ان ينزع أو يحجب عن المجلس النيابي ممارسة صلاحياته المنوطه به، او ان يحدها بحدود تناقض صلاحياته المحددة في الدستور، كما جاء في قراره رقم 5، بأن منع عليه صلاحية التشريع المالي واقرار وفرض قوانين ضريبية، الا من خلال الموازنة. وهذا يعتبر مخالفة جسيمة ارتكبها المجلس الدستوري وتدخلاً باعمال السلطة التشريعية، وعدم احترامه لمبدأ الفصل بين السلطات الذي يعتبر الاهم في النظم البرلمانية.

برأينا أن المجلس الدستوري أخطأ فيما ذهب اليه في قراره لناحية إعلانه عدم حق المجلس النيابي بفرض الضرائب الا من خلال الموازنة، لأن صلاحية البرلمان التشريعية في لبنان مطلقة من اي قيد دستوري، فهي صلاحية خاصة بالمجلس، كما انها صلاحية ذاتية، اي بتوجب على البرلمان ممارستها مباشرة وبنفسه، وهذا ما اعتاد عليه المجلس حيث كانت آخر اعماله في اقرار القوانين الضريبية، قانون الضرائب على النفط.

(*) باحث دستوري

أستاذ القانون الدستوري في كلية الحقوق – الجامعة اللبنانية

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.