"تفعيل الإدارة".. بزيادة ساعات العمل فقط؟!

فيصل طالب (*)

ماذا تعني زيادة ساعات العمل في الإدارات العامة من ٣٢ ساعة إلى ٣٥ ساعة، بموجب المادة ٢٣ من القانون ٤٦/٢٠١٧ (سلسلة الرتب والرواتب الجديدة)؟ وهل تكفي هذه الساعات الثلاث لتفعيل الإدارة اللبنانية ورفع مستوى إنتاجيتها، بمعزل عن رؤية شاملة وبناءة  لإدارة تتفاعل مع التطورات والمتغيرات في المجالات العلمية والتقنية والثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية…؟ إدارة تعمل على تلافي الوقوع في الفساد، وليس فقط إدارة تعمل على قمع الفساد… إدارة تتوافر لها الأسباب الموضوعية للخروج من العقم وعدم القدرة على تحقيق المطلوب منها، بقرار وطني كبير يقضي بإخراج أدبيات خطابنا الإداري من موسمية "الإصلاح الإداري" إلى رحاب "التنمية الإدارية" المستدامة.

لا يتسع المجال ههنا للخوض في الموضوع من جميع جوانبه، وسأكتفي بالتطرّق إلى مستوى واحد من مستويات إصلاح الإدارة اللبنانية، عنيت بذلك تقييم أداء الموظفين، في نطاق إدارة الموارد البشرية، الذي صار موجباً على الحكومة أن تضع له "نظاماً حديثاً، في ضوء التوصيف الوظيفي في مختلف الملاكات الإدارية، يأخذ بعين الاعتبار معايير الإنتاجية والكفاءة" (المادة ٣٥ من القانون ٤٦/ ٢٠١٧).

ينقسم تقييم الأداء الوظيفي إلى ثلاثة أنواع:

١- التقييم السنوي لأداء الموظفين

اعتباراً من العام ٢٠٠٠ أطلقت الدولة نظام التقييم السنوي لأداء الموظفين، وهي خطوة نُظر إليها في حينها على أنها قفزة مباركة في مجال الوظيفة العامة التي أغفلت نصوصها القانونية ـ حتى ذاك التاريخ ـ أية إشارة إلى تقييم الأداء. غير أنّ هذا الأمر ما لبث أن دخل في نطاق التقليد الإداري والروتين الإجرائي، ليتواتر تنفيذه سنة بعد أخرى، من دون أن يشكّل مؤشّراً أو معياراً، ما يؤثّر سلباً أو إيجاباً في أية قضية تطاول الموظف، إن في نطاق المكافأة أو المساءلة، أو على صعيد الترقية (تقديم التدرّج) أوالترفيع (من فئة إلى أخرى)…

٢- التقييم المستمر لأداء الموظفين

تغيب عن النصوص القانونية والتنظيمية الإدارية أيضاً آليات التقييم المستمر لأدائهم التي من شأنها، لو اعتمدت، أن توفّر للوظيفة العامة إمكانيات التوسّع في الإنتاجية وضمان جودتها؛ على قاعدة أنّ هذا النوع من التقييم يهدف إلى تقليل الخسائر الناتجة من تعثّر الأداء أو قصوره عن تحقيق الأهداف المرحليّة، فيعمل على تدارك الأمور قبل استفحالها، ويسدّد مسارها قبل الوصول إلى نهاية الطريق؛ وذلك بالاستناد إلى تكثيف سبيل المتابعة وتقدير النتائج المحقّقة، في نطاق التغييرات أو التعديلات المطلوب إحداثها.

٣- تقييم الوحدة الإدارية

لم تدخل الإدارة اللبنانية بعد مفاهيم وآليات تقييم الإدارات والمؤسسات العامة بحسب نظام ال "Audit"، وهو عملية استقصاء وتحقّق وتقييم منهجية تهدف إلى دراسة مشكلة محدّدة في إدارة معيّنة، بالاستناد إلى معايير ذات دلالات للحصول على أدلّة وقرائن إثبات تتعلّق بحقائق وأحداث، للتحقّق من ارتباطها الموضوعي بالنتائج المحقّقة؛ بحيث يتمّ تحديد نقاط القوّة والضعف في الوحدة الإدارية موضوع الدراسة، واقتراح التوصيات التي تمكّنها من إيجاد الحلول المناسبة للمشكلة، وتحسين شروط العمل؛ على قاعدة تزويد العاملين في هذه الوحدة بمنهجية عمل تساعدهم على مواجهة وضعيّات معقّدة، بإدارة داخلية فاعلة يشارك فيها الجميع.

نخلص ممّا تقدّم إلى أنّ من بين الأسباب الآيلة إلى رفع مستوى القدرة الإنتاجية للإدارة اللبنانية ليس فقط زيادة ساعات عمل الموظفين، بل الأهم زيادة قدرة الموظفين على ممارسة مسؤولياتهم الوظيفية، وكيفية قيامهم بواجباتهم  بصورة فعالة ومجدية، من خلال عمليات التدريب والتقييم والتحفيز المتنوعة، ورفد مساراتها بالمستلزمات الضرورية للوصول إلى إدارة شفّافة وحديثة ومنتجة تستطيع أن تلبّي الاحتياجات المتسارعة للمواطنين، وتظهّر بإيجابية كبرى وجهها الجميل الذي هو وجه الدولة الأقرب إلى مواطنيها، وترسّخ قاعدة متينة للعلاقة الطردية بين تحصيل حقوق المواطن وعمق انتمائه لمجتمعه ووطنه.

(*) المدير العام السابق للثقافة

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.