طرابلس عاصمة اقتصادية: انتهى زمن "الصفر عا الشمال"

هل تنجح مغامرة دبوسي بإحياء أسواق الفيحاء؟

 رين بريدي

هل استفاقت طرابلس من غيبوبتها واسترجعت هويتها الاقتصادية؟

انتهت الحرب اللبنانية منذ سنوات، لكنها في طرابلس ما زالت مستمرة بأشكالٍ مختلفة، هذه الحرب التي أسقطت طرابلس عن العرش الاقتصادي الذي كانت تتربع عليه، إلى قعر الإفلاس، وجردتها من هويتها الاقتصادية. أصبحت النظرة لطرابلس أنها خارج الخارطة. لا مشاريع ولا استثمارات مخصصة لعاصمة الشمال، كأنها أصبحت "صفر عا الشمال" في الاقتصاد اللبناني. وُضِعت على هامش الدولة، بالإضافة للمعاناة من الفقر المدقع الذي يعيش فيه حوالي 60% من سكان المدينة.

منذ زمن بعيد، لم تعد مرافق طرابلس ذات أهمية بالنسبة للدولة اللبنانية، وأصبح الاهتمام الأول والأخير مكرساً للعاصمة بيروت. أصبحت رائحة اليأس والفقر تفوح من طرابلس تتفوّق على رائحة زهر الليمون.

من يمر بطرابلس لا يمكنه إلا أن يقرأ، على الوجوه والجدران وفي القلوب، على الطرق العامة وفي الزواريب الضيقة: الحرب مرت من هنا، والفقر مر، والإهمال.. وحدها الدولة لم تمر إلا "مرق طريق"، وكذلك التنمية.

حاولت طرابلس انتشال نفسها من هذا الواقع المرير مرات عديدة، لكن محاولاتها باءت بالفشل، بسبب الإهمال السياسي والإجتماعي. إلا أنها اليوم تخطو خطوة جريئة نحو التقدم والإزدهار، من خلال تفعيل دورها الإقتصادي عبر مشروع أعده رئيس غرفة الصناعة والتجارة والزراعة في طرابلس ولبنان الشمالي توفيق دبوسي، وعرضه على رئيس الحكومة سعد الحريري، الذي بدوره تبنى هذه المبادرة وأدرجها على جدول أعمال مجلس الوزراء.

لبنان بحاجة إلى "كنوز طرابلس"

في الواقع هذه المبادرة ليست وليدة الفراغ، فالوضع الإقليمي والتغيرات الحاصلة، لعبت دوراً كبيراً فيها، بالإضافة إلى أن كل المقومات في طرابلس متوفرة، وقد حان وقت إعطاء طرابلس هوية اقتصادية.

تحمل هذه المبادرة عنوان "طرابلس العاصمة الإقتصادية للبنان"، وقد أوضح رئيس غرفة التجارة توفيق دبوسي أن "هذه المبادرة ترمي إلى إعادة الحركة الإقتصادية في الشمال، من خلال استثمار المرافق العامة في المنطقة، إذ أصبح لبنان اليوم بحاجة لطرابلس، أو بوصف أدق لكنوز طرابلس، وليس العكس. فعلى المستوى الداخلي أصبحت المرافق الموجودة في بيروت غير كافية، ولم تعد قادرة على إستيعاب الخدمات، الأمر الذي يجعل الحاجة إلى تفعيل مرافق طرابلس، ماسة جداَ. على سبيل المثال مطار بيروت الدولي يشهد اليوم أزمة إزدحام لا يمكن إحتمالها، وبناءً على هذه الأزمة أصبح تفعيل مطار الرئيس رينيه معوّض في القليعات في الشمال حاجة ضرورية للدولة. من جهةٍ أخرى وفيما يخص المرفأ، لبنان اليوم بحاجة لتطوير مرفأ طرابلس الذي سيخفف الحمل عن مرفأ بيروت حيث تركن البضائع أحياناً بين الـ 40 والـ 50 يوماً. الأمر نفسه ينطبق على معرض رشيد كرامي الدولي، الذي يعتبر من أهم المعارض، وهو في الواقع ملك للدولة والمواطنين، عكس معرض البيال على سبيل المثال الذي تملكه شركة خاصة".

طرابلس رافعة للاقتصاد الوطني

يعرب دبوسي عن تفاؤله حيال هذه المبادرة، مؤكداً أن "طرابلس والشمال سيعيشان نهضة اقتصادية بمجرد اعتماد طرابلس رسمياً عاصمة لبنان الاقتصادية، إذ في هذه الحالة نكون قد فعّلنا جميع المرافق المتوفرة في عاصمة الشمال، وأصبح لطرابلس استثماراتها الخاصة ومداخيلها، بالتالي هذه الاستثمارات تُحدث حركة في العجلة الاقتصادية مما يؤدي إلى تحسين الوضع الاقتصادي، ليس فقط على الصعيد الطرابلسي بل على مستوى الوطن كاملاً، في هذه الحالة تكون طرابلس قد ارتفعت ورفعت معها الاقتصاد الوطني".

يشرح دبوسي أن طرابلس "ستستفيد بالدرجة الأولى بفضل تأمين فرص عمل لليد العاملة الطرابلسية، حتى وإن كانت هذه اليد العاملة غير مؤهلة، فهنا يكمن دور الغرفة الحاضرة لمد يد العون للراغبين بإجراء دورات تدريبية وتأهيلية ضمن الاختصاصات التي يحتاجها سوق العمل". مضيفاً "هذه الخطوة تحمل منفعة للطرابلسيين وللبلد بشكل عام، إذ إن الوطن اليوم بحاجة لهذه النهضة الاقتصادية. نحن مؤمنون بذاتنا، ونشعر أن الجميع مؤمن بنا.. حتى المجتمع الدولي".

سيلعب المجتمع الدولي دوراً كبيراً في إعادة إعمار المنطقة، بالتالي وبفضل موقع طرابلس الجغرافي الاستراتيجي، ستستفيد طرابلس من الاستثمارات كثيراً، خصوصاً إذا أصبحت رسمياً العاصمة الاقتصادية. يشير دبوسي إلى أنه "خلال اللقاءات التي تقوم بها الغرفة مع البعثات الديبلوماسية سواء العربية أو الأجنبية، لمسنا الدعم المقدم من قبلهم للمبادرة التي قمنا بها، حتى أن مجموعة منهم أعلنت استعدادها لفتح قنصليات داخل طرابلس، وقد نسعى في المستقبل لتخصيص شارع محدد للقنصليات".

مبادرة الغرفة اقتصادية بامتياز

حمل دبوسي هذه المبادرة على رأس وفد اقتصادي شمالي، وسلمها لرئيس مجلس الوزراء سعد الحريري، الذي بدوره أعجب بهذه المبادرة ووعد بالسعي لتحقيقها. رجح البعض أن يكون هدف الحريري من تبني هذه المبادرة هدفاً سياسياً بهدف استرجاع قوته الانتخابية في الساحة الطرابلسية، إلا أن دبوسي ينفي هذه الفكرة، مؤكداً أن "هذه المبادرة التي قدمتها الغرفة لا تحمل أي بعد أو طابع سياسي، بل إنها مبادرة اقتصادية بامتياز، ولا يمكننا أبداَ الحكم على النوايا، نحن نهتم بالأفعال، ولم يظهر من الرئيس الحريري غير كل خير فيما يخص هذه المبادرة"، مضيفاً "في النهاية لا يمكننا الازدهار والاستمرار بدون وجود الدولة ودعمها، فهي المرجعية الوحيدة".

استناداً إلى كل المعايير والمقاييس، لبنان بحاجة لطرابلس عاصمة الشمال، لمقوماتها ومرافقها، كما أنه بحاجة لنقاط ضعفها التي يمكن استغلالها لتصبح فيما بعد ورقة رابحة للوطن. لن يكون "طرابلس عاصمة اقتصادية للبنان" مجرد لقب، كما أن دور طرابلس لن يكون على المستوى الداخلي فقط، بل سيتوسع ليصبح على مستوى المنطقة ككل، لأنها قادرة بالرغم من كل شيء أن تلعب هذا الدور الحيوي والأساسي في المنطقة.

 

مرافق مدينة طرابلس:
  • المنطقة الاقتصادية الخاصة: هدف إنشاء المنطقة الاقتصادية في طرابلس، إقامة مشاريع استثمارية في المنطقة الاقتصادية تتعاطى أعمال التجارة والصناعة والخدمات والتخزين وغيرها من النشاطات والمشاريع الاستثمارية.
  • معرض رشيد كرامي الدولي وهو من أكبر المعارض اللبنانية مساحةً.
  • مطار الرئيس الشهيد رينيه معوض (القليعات): الذي يمكن تحويله إلى مطار مدني للمساهمة في تخفيف الضغط عن مطار بيروت الدولي.
  • -المصفاة، وهي ميزة مهمة في طرابلس خصوصاً أن لبنان أصبح قريباً من خطوة استخراج النفط والغاز.
  • سكة الحديد، بالرغم من الإهمال وبالرغم من انها غير فاعلة.
  • المدينة القديمة والتي تحتوي على العديد من المعالم الأثرية التي تشكل عامل جذب للسياح إلى المدينة.
  • الجزر السياحية في الميناء، وهي الجززر الوحيدة على طول الشاطئ اللبناني.

 

مقومات عاصمة

تمتلك مدينة طرابلس مخزوناً ضخماً من الآثار هو الأغنى في كل المنطقة العربية من حيث مساحته وتنوّعه وتعدّد أنواعه، وهي ثاني مدينة من حيث حجم وتعداد الآثار المملوكية بعد القاهرة في مصر.

وتمتد آثار مدينة طرابلس على مساحة كبيرة جداً، حيث أن المدينة القديمة عبارة عن متحف حقيقي وطبيعي من الآثار المتنوعة من القلاع والخانات والأسواق التراثية والمتخصّصة والحرفية والحمامات التراثية. لكن اللآثار الأكثر عدداً وانتشاراً وتنوعا هي المساجد والمدارس القديمة والتكايا. وتمتلك طرابلس أكبر عدد من المساجد الأثرية والمدارس من حيث نسبة عدد السكان والمساحة.

كما أن طرابلس هي عاصمة صناعية بامتياز للمفروشات والنحاسيات والصابون العطري والزيوت والحرف اليدوية… لكنها العاصمة المطلقة لصناعة الحلويات في كل منطقة الشرق الأوسط والعالم العربي.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.