ملاحظات على هامش "القانون اللقيط"

  

نورما أبو زيد

 

نحن البلد المعجزة، ونحن معجزة البلدان، ولدينا ما يدهش العالم!

لدينا "ديمقراطية" بلا انتخابات وبكل أريحية. ولدينا قانون انتخابي بلا انتخابات وبكل "ديمقراطية". وإذا جرت انتخابات تجري بلا ديمقراطية. و"ديمقراطيتنا التوافقية" لا حاجة بها إلى الانتخابات أصلاً ولا حاجة بها إلى الديمقراطية، فالديمقراطية لم تكن يوماً أكثر من وعاء لتجديد القديم، فبئس الديمقراطية، وبئس القانون الانتخابي، وبئس الانتخابات. نحن بلد يؤيّد التجديد عبر التمديد، ونوابنا باقون إلى ما يشاء الله. لدينا ما يدهش العالم في إصرارنا على التخلّف. فنحن بلد عصي على "الإصلاح والتغيير"، وإن فعل فإلى الوراء، والوقائع التي تفسّر هذا الإعجاز اللبناني الرباني بليغة، وهاكم أدلة تثبت ذلك:

– أقرّت حكومة الرئيس سعد الحريري قانوناً انتخابياً مع تأجيل التنفيذ بعد ثماني سنوات من البحث والتدقيق والتمحيص وحكّ الرأس. بعد انتهاء الجلسة، خرج الجميع مباركاً للجميع بإنجاز قانون احتاج إقراره إلى ثماني سنوات تخللها تمديدان للمجلس النيابي، ورئيسان للجمهورية، وثلاث حكومات. فعلاً هنيئاً لنا بكم، وهنيئاً لكم بهذا القانون. فبعد طول حك لرؤوسكم وقع الفأس في رؤوسنا.

– ما إن أخرجت "الداية" المولود الجديد، خرج علينا سعد الحريري ليخبرنا عن الولادة المتعثّرة، ولكن من باب الدفاع عن الولد الفاقد الهوية في مواجهة "الحاقدين".  ضرب يده على الطاولة الخشبية الموضوعة أمامه بيد من حديد، وقال بكلمات من صدأ إنّ حكومته "الحبلى" بتناقضاتها، "أنجبت" لنا وهي في شهرها الخامس قانوناً انتخابياً، فيما مكث سواه "ثلاث سنوات وأربع سنوات" دون أن يعالج عقم الحكومات الثلاث المتعاقبة خلال السنوات السبع الفائتة. أحسنت شيخ سعد. هيهات أن يكون "نجاح" حكومتك لقمة سائغة يتلذّذ بمضغها الحاقدون. ولكن ألم تكن أنت على رأس واحدة من الحكومات الثلاث خلال الفترة التي تحدّثت عنها؟ وماذا عن الرئيس تمام سلام الذي كان البديل لك أنت الأصيل في حكومة ثانية؟ أمّا الرئيس نجيب ميقاتي الذي تغمز من قناته، فقد أنجبت حكومته قانوناً انتخابياً طبيعياً ولكن حكومتك لم ترد له أن يعيش. بالفعل نحن شعب مدهش يعيش في بلد يدهش.

– بعد "الداية"، خرج علينا "الدكتور" سمير جعجع ليفاخر بنجاح الولادة القيصرية لـ "اللقيط" الذي له أكثر من والد محتمل، وكل والد يستعجل تسجيله باسمه. قال لنا جعجع بلغة الواثق أنّ القانون إنجاز تاريخي، وأخبرنا أنّ هناك إيجابية كبيرة في هذا القانون وهي أنّ "النسبية فيه قضت على المحادل". ولكن مهلك علينا حكيم. ألست أنت من حدّثنا قبل ذلك عن مساوىء النسبية لأنّ "النسبية تساوي عددية" وفي هذا المقام تكون الانتخابات لعبة عددية، و"باي باي" ديمقراطية توافقية؟ حقاً إنّه الإعجاز اللبناني الخارج عن سياق المسارات.

-النائب ابراهيم كنعان كان أكثر واقعية من سعد وسمير، ولم تمنعه مشاعر "الأبوة المحتملة" من القول بأنّ المولود "ليس مثالياً وفيه كثير من الثغرات"، ولكن كيف لمولود غير مثالي أن يكون إنجاز العهد والابن الشرعي للرئيس القوي كما أفهمنا وزير خارجيتنا جبران باسيل؟

في المحصلة، الكل تبنّى هذا القانون، بدءاً من رئيس الجمهورية وصولاً إلى أصغر موظّف في هذه الجمهورية، ولكن عفواً من "فخامتكم" و"دولتكم" و"معاليكم" و"سعادتكم"، هل لنا أن نعرف من هو الوالد الحقيقي لهذا "الطفل المعجزة"؟

خيراً فعل "فتى المعارضة" سامي الجميل، بتفنيده كلّ "التشوّهات" التي يعاني منها "المولود الهجين"، بدءاً من "عقدة الذكورة" التي تتحمّل مسؤولية تغييب المرأة عن برلمان 2018، مروراً بالنسبية العرجاء والكتعاء والعوراء، وبسياسة التخفيضات التجارية الذكية من سنة إلى 11 شهراً، و…، و…، وصولاً إلى طباخي القانون في "الغرف السوداء" الذين "أكلوا البلد وطعمونا الضرب".  ففي الختام لا يمكننا أن نقول إلاّ شكراً لـ"فتى الكتائب" لأنّه لم يبصم على قانون التمديد الجديد.. وأياً كانت دوافعه.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.