الحريري – الجميل: "جدار الفصل".. يرتفع

 في كل متر من المسافة الفاصلة بين الصيفي وبيت الوسط، ثمة "جدار فصل" تصاعدي يحجب الود بينهما. كلّ التاريخ المشترك منذ عام 2005 صار محاصراً في ساحة النجمة. صارت ساحة الشهداء ونضالها خلف الرجلين، ونامت مؤتمرات بيت الوسط قريرة العين. علاقة مختلفة بين سعد الحريري "الجديد" وبين الوريث سامي الجميل. "المستقبل" و"الكتائب" افترقا على زعل بلغ حدود المواجهة والتحدي. هذا ما آلت إليه العلاقة بين "الحليفين" .

للخلافات بُعد مسيحي دخل عليه الحريري طرفاً فأحرق أصابعه مع "الكتائب"، وربح في المقابل حلفاء جدداً يمسكون بمفاصل السلطة من قمة هرمها. يدرك "المستقبليون" أنّ إعادة ترتيب الحريري لأوراقه "كلّ القصة"، ويذهبون أبعد من ذلك في تحليلهم للأسباب.

عضو المكتب السياسي في "تيار المستقبل"، النائب السابق مصطفى علوش، يرى أنّ مشاكسات "فتى الكتائب" سببها "علاقة الرئيس سعد الحريري المستجدة مع رئيس الجمهورية العماد ميشال عون". ينتقد علوش ردة فعل الجميل لأنّ "من حق كل زعيم أن يعيد ترتيب أوراقه وفق متطلّبات المرحلة" على ما يقول. فبرأيه "لا خلاف دائم في السياسة، ولا صداقة دائمة.. وفي السياسة لا شيء يموت حتى لو دُفن". إذن حالة الوئام "الحريرية ـ العونية" هي القصة. يقولها علوش بثقة ولكنه لا يضع نقطة على سطر التلميح إلى الحلم الرئاسي المسلوب من الرئيس السابق أمين الجميل. بل يضع فاصلة، ويذهب إلى حدّ تسليط الضوء على مخاوف "الكتائب" التاريخية من "القوات اللبنانية"، ويقول في هذا الإطار إنّ المشكلة الحالية لها جذور ضاربة في الأرض وعمرها من عمر علاقة "تيار المستقبل" بحزب "القوات اللبنانية".

كلام علوش الذي يحكّ على "جرب القوات"، يطرح أكثر من علامة استفهام حول ما إذا كانت هناك رغبة متبادلة من "الكتائب اللبنانية" و"تيار المستقبل" باستمرار المناوشات بينهما. ينفي علوش وجود هكذا رغبة لدى سؤاله حول الهدف من التصعيد المضاد، ويقول إنّ "المستقبل" لم يكن يوماً مبادراً في زعزعة العلاقات مع أي طرف لبناني، فكيف إذا كان هذا الطرف حليف سابق، وما يجري اليوم هو "قصف من طرف واحد"، برأيه، والدليل هو انسحاب رئيس الحكومة سعد الحريري من المجلس النيابي أثناء الهجوم الذي شنّه عليه النائب الجميل "لأنّ هناك رغبة بتفادي أي جدل عقيم".

كثر في "التيار الأزرق" يتوقفون، كعلوش، عند التأثير السلبي لشدّ الوثاق بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة على العلاقة بين "تيار المستقبل" و"الكتائب"، ويعتبرون أنّ هذا الوثاق هو المسؤول عن شدّ الخناق على حزب "الله ـ الوطن ـ العائلة"، وكثر يذهبون في الوقت عينه إلى ما قبل الوفاق بين رئيسي الجمهورية والحكومة، ويعتبرون أنّ السبب الثاني لـ"الانحراف الكتائبي" هو الانزعاج المكبوت من العلاقة الاستراتيجية التي جمعت "المستقبل" بـ"القوات اللبنانية" التي بين "الكتائب" وبينها هواجس ومخاوف تمتدّ جذورها إلى عقود مضت "عمرها من عمر  زمن محاولات الإلغاء".

منذ فترة ليست ببعيدة، كان الجميل الأب "الصديق" الأكثر وفاء لسعد الحريري من بين "أصدقائه" في "14 آذار"، خاصة وأنّ الرجل لم يذهب إلى حدّ تبنّي ترشيح العماد عون لرئاسة الجمهورية كما فعل سمير جعجع، ومشهدية ذكرى "14 شباط" 2016 ما تزال ماثلة في أذهان الجميع. وقف رئيس "حزب الكتائب" الشيخ سامي الجميل ووالده الرئيس السابق أمين الجميل إلى يمين الحريري ويساره في حفاوة مفرطة من قبل الحريري الذي خصّهما بقبلات حارة نابعة من القلب، وكانت هذه اللفتة الاستثنائية بمثابة رسالة تقول إن "حزب الكتائب" هو الحليف المسيحي الأول لـ"تيار المستقبل"، ولكن "شو عدا ما بدا"؟

المناوشات بين "المستقبل" و"الكتائب" تجد مرحبين بها في الساحتين "العونية" و"القواتية". ففي الأوساط العونية، كثر يلاقون علوش في نظرية الرئاسة التي فرّقت العشاق. يقول قيادي في "التيار الوطني الحر" تعقيباً على أزمة "المستقبل ـ الكتائب":  "عاش الطرفان شهر عسل خلال فترة اليسر المالي، وفي عصر اليسر الرئاسي انفخت الدف وتفرّق العشاق". ويضيف من باب السخرية: "حظو قليل أمين".

أمّا في مقلب "القوات اللبنانية"، التي كانت في ما مضى "الابن العاق" لـ"الكتائب اللبنانية" قبل أن تنضج بعيداً عنها ثم يتعايشان بالإكراه حيناً وبالأمر الواقع أحياناً، هناك من يسرّ أنّ "القصة مش رمانة وإنما قلوب مليانة"، مع الجزم بأنّ "المواجهة بين "تيار المستقبل" و"حزب الكتائب" أمام مرحلة جديدة من الاحتدام المفتوح على كلّ الاحتمالات، لأنّ الشيخ سامي "أعلنها حرب على ما يبدو".

رغم حجم الانتقادات التي يكيلها رئيس حزب "الكتائب" النائب سامي الجميل لحليفه السابق، لا يوجد في "الكتائب" مسؤول يرغب بالحديث عن العلاقة المتوترة بين الطرفين، ولكن يمكن أن الاستخلاص عبر جولة على موقع الحزب الإلكتروني أنّ قانون الانتخاب الهجين هو العنوان العريض للأزمة وسببها، كون القانون الوليد أشبه بخارطة طريق لإنتاج سلطة معينة ومحددة سلفاً في مداها كما في أشخاصها وأغراضها. فهذا القانون في كلّ وجوهه هو "عملية سطو" على إرادات الناس، بنظر "الكتائب".

"حزب الوطنيين الأحرار" الذي يقف وقفة محايد بين حليفيه، يستغرب أمينه العام الدكتور الياس بو عاصي البلبلة المثارة حول العلاقة بين "المستقبل" و"الكتائب"، ويقول إنّ "هناك شيئاً من الصحة في الاتهامات المساقة لحزب الكتائب إذا أخذنا الأمور بسطحيتها، ولكن إذا غصنا في الجوهر سنكتشف أنّ ما جرى ليس أكثر من غيمة صيف وتمر".

"التوتر في العلاقة بين ركنين وطنيين على مستوى الصيفي وبيت الوسط، هو خسارة للجميع" بنظر أبو عاصي، وبرأيه أن الأمور يجب أن تأخذ طابعاً أكثر انفتاحاً، "لأننا لا نمتلك شرف ترك الأمور الصغيرة تتحكم بالأمور الاستراتيجية في ظلّ الأوضاع الإقليمية المتفاقمة وانعكاسها السلبي على البلد".

في مقابل نظرة "الأحرار"، لا يجد "التيار الأزرق" حرجاً في معارضة الجميل له ولا يجد ضرراً، وإن كانت قيادته لا تحبّذ العداوات في الوسط السياسي، بحسب ما يشرح علوش، لاسيما مع "رفاق النضال". يوضح علوش أنّ من حق الشيخ سامي الجميل لعب دور المعارض، ويعتبر أنّ من واجبه أن يكون في صفوف المعارضة طالما أنّه خارج مدارس السلطة، ولكنه يميز ما بين "معارضة بنّاءة وأخرى هدّامة".

يتّهم علوش النائب سامي الجميل صراحة بـ"لعب دور المعارضة التي فيها بعض الشعبوية"، ويقول "إنها لعبة لبنانية تقليدية. فكلّ سياسيّ لا تناسبه حصّته من الحكم، يتّهم الباقين بالفساد"، ويذهب علوش إلى حدّ تحدّي الجميل بالقول: "سامي نائب ويعرف الأصول، فليطلب استجواباً، لأنّ الاتّهام من دون إجراء قضائي هو نوع من اللعب السياسي".

مروى بلوط

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.