"سينودوس" الكاثوليك: يوسف الأول يواجه "أزمة الهوية"

شكّلت الظروف التي تمرّ بها كنيسة الروم الملكيين الكاثوليكيين، وسائر مسيحيي المشرق، وتحديداً في سوريا والعراق ومصر، عنصراً ضاغطاً في انتخاب النائب العام البطريركي في دمشق المطران جوزف العبسي، بطريركاً لكنيسة أنطاكيا وسائر المشرق والإسكندرية وأورشليم للروم الكاثوليك، خلفاً للبطريرك غريغوريس الثالث لحام.

كما ستُساهم خبرة البطريرك الجديد، الذي اختار لنفسه اسم "يوسف الأول"، في استيعاب وحلّ أزمات الطائفة في لبنان وسوريا، وفي امتصاص "التجاذب اللبناني – السوري" حول هوية البطريرك والذي يتردّد صداه مع كل "سينودوس" جديد، وتحديداً لجهة تعاقب السوريين على هذا المنصب.

يرث "يوسف الأول" أزمة إدارية وسياسية جغرافية طبعت عهد البطريرك لحام الذي انتُخب بطريركاً في العام 2000 خلفاً للبطريرك مكسيموس الخامس حكيم.

تتمتّع طائفة الروم الملكيين الكاثوليك بخصوصية تُميّزها عن باقي الطوائف المسيحية في لبنان. فهي تُعدّ الطائفة المسيحية الثالثة لناحية الرعية بعد الموارنة والأرثوذكس، ومقرّها الرئيسي موجود في دمشق. وتتميّز بأن قيادييها هم من المسيحيين العرب.

ما الذي جرى خلف أبواب السينودوس المقفلة؟

في "السينودوس"، الذي بدأ الاثنين الماضي واختتم الأربعاء بانتخاب عبسي بأكثرية 22 صوتاً من أصل 29 مطراناً حضروا السينودوس، طُبّق، للمرة الأولى، نصّ "الشرع الخاص" للكنيسة الكاثوليكية بتعديلات جديدة أقرّها "سينودس الأساقفة" في حزيران العام 2003، برئاسة البطريرك لحام، ونُشِر في العام 2004.

وشهدت الانتخابات منافسة حادّة نظراً لوجود مُطالبات بأن يكون البطريرك الجديد لبنانياً "لأنّ هذا المقام ليس حكراً على السوريين". وعَكَسَ الحضور شبه المكتمل للمطارنة الكاثوليك (29 من أصل 33)، "ضراوة" المعركة.

وممّا رشح عن مجريات عملية الانتخاب، فقد برزت أسماء أربعة مطارنة، هم: مطران صيدا ودير القمر وتوابعهما إيلي حداد (من الرهبنة المخلصية)، النائب العام البطريركي في دمشق المطران جوزف العبسي (من الرهبنة البولسية)، مطران حلب وسلوقية وقورش وتوابعهما جان جانبارت (أبرشي)، ومطران الفرزل وزحلة والبقاع عصام درويش (الرهبنة المخلصية). كما دخل مطران حمص ويبرود وتوابعهما عبدو عربش (من الرهبنة الشويرية) على خطّ التنافس. قبل أن تُحسم القضية لمصلحة عبسي.

وهكذا أصبح للكنيسة الملكية الكاثوليكية "بطريركاً سورياً لديه الخبرة في الواقع السوري وتداعياته على أبناء الرعية، وبطريركاً ملماً بالواقع اللبناني كونه عاش معظم حياته في لبنان"، كما شرح مطران صيدا ودير القمر وتوابعهما إيلي حداد لـ"الرقيب"، داعياً المسيحيين إلى أن يستبشروا خيراً في البطريرك "يوسف الأول".

وكانت معلومات أشارت إلى تسوية بين الفاتيكان والدولة السورية لاختيار بطريرك يلعب دوراً أساسياً في حماية المسيحيين المشرقيين، ويُحافظ على علاقة "متوازنة" مع القوى السياسية في سوريا ولبنان للمّ شمل الكنيسة.

غير أن حداد نفى لـ"الرقيب" أن تكون عملية الانتخاب قد حملت "طابعاً سياسياً سورياً أو لبنانياً"، أو دخلت "النزعة اللبنانية – السورية" في مجرياتها، أو خضعت لـ"ضغوط خارجية من الفاتيكان أو النظام السوري".

"عهد لحام"

شكّل عهد البطريرك السابق لحام، الذي قدّم استقالته ليؤكد أن المنصب أكبر من "المُحاصصة" وأن خدمة أبناء الرعية "لا تحكمها الهوية"، وفقاً لنائب مطران بيروت للطائفة الروم الكاثوليك أنطوان نصر، محطة "شائكة" في تاريخ الطائفة الكاثوليكية. إذ فرضت الحرب السورية المستمرّة منذ ست سنوات وتداعياتها المدمّرة على الشعب السوري، نفسها على عهد لحام. ومن منطلق أن "الطائفة الملكية الكاثوليكية تمتدّ على مساحة الوطن العربي واهتماماتها عربية في لبنان وسوريا ومصر وفلسطين"، أولى لحام الأهمية لمعالجة القضايا السورية، ولذلك سيقت الاتهامات له بـ"إغفال شؤون الرعية اللبنانية".

من هنا، كانت المُطالبات بأن يكون البطريرك الجديد "لبنانياً" لأن غالبية البطاركة السابقين كانوا سوريين، وبالتالي حان الوقت لانتخاب بطريرك لبناني "يكون مطلعاً على الوضعية اللبنانية، وقادراً على بلورة موقف واضح منها"، خصوصاً وأن لبنان هو البلد الوحيد في الشرق الذي يترأسه مسيحي، وأن عدد المواطنين الكاثوليك فيه يكاد يُوازي بقية البلدان نظراً للهجرة المسيحية في دول الجوار.

حسابات خاطئة

في الأرقام، يبلغ عدد المطارنة الكاثوليك اللبنانيين 17 من أصل 33، والسوريين 11، في طليعتهم البطريرك لحام، والأربعة البقية من الجنسيات المصرية (2) والأردنية (1) والأميركية (1).

أما في الحسابات، يُشكّل المطارنة اللبنانيون أكثر من نصف أعضاء السينودس (51,5 في المئة). وإذا تغيّب ثلاثة منهم، كما حصل، فيشكلون بالتالي نسبة 42,4 في المئة. في المقابل، تبلغ نسبة المطارنة السوريين 33,3 في المئة. وهذا ينفي أي اعتقاد سائد أن المطارنة السوريين هم الأكثر عدداً، وبالتالي القرار بيدهم. هذا التوزيع يعكس إلى حد ما أن انتخاب البطريرك الجديد "ليس مسألة سوري أو لبناني، بل انتخاب الرجل الأفضل للمنصب"، وهو ما أجمع عليه حداد ونصر.

أزمة هوية

عزت الأصوات المُعارضة للحام، وعلى رأسهم متروبوليت بيروت وجبيل وتوابعهما للروم الملكيين الكاثوليك كيريلس سليم بسترس الذي شكّل "رأس الحربة" في معارضة لحام، مُطالباتها إلى أن الطائفة الكاثوليكية في لبنان "تشعر اليوم بأزمة هوية وانتماء، إذ أنّ رأيها السياسي غير معبّر عنه بالقدر الكافي، طالما أنّ البطريرك لحّام مهتمّ بالشأن السوري أكثر منه بالوضع اللبناني، وهو لذلك يُراعي في مواقفه الحساسية السورية تجاه لبنان".

رفض المونسنيور نصر اتهام لحام باتباع "سياسة سورية"، وأكد أن "لا أحد يُمكنه إنكار لبنانيته وسوريته وعروبته عليه". وأشار نصر إلى وجود "حسابات شخصية سياسية سلطوية" وراء أزمة البطريركية، في إشارة إلى طموح بعض المرشّحين لتولّي السدّة البطريركية.

الشقّ الإداري

ساهمت عمليات بيع الأراضي التابعة للبطريركية خصوصاً في بيروت والجنوب (تحديداً عبرا)، في عهد البطريرك لحام، في تعاظم "النقمة" في أوساط الطائفة الكاثوليكية في لبنان. يُضاف إلى ذلك، "العجز" المالي في البطريركية الذي ترده بعض الأوساط المطلعة على أزمة الطائفة، إلى "الصفقات المالية والعقارية التي تورّط فيها بعض المُحيطين بلحام".

واعتبر حداد أن ما حصل في عهد لحام ليس "اختلاساً لأموال الطائفة" بل "سوء إدارة"، و"سوء توقّع لإنتاج المشاريع"، الأمر الذي ظهر في التحقيقات التي أُجريت.

كما رأى نصر أن البطريرك لحام "ربما أخطأ في مكان ما"، لكنّ "المحيطين به استخدموا طيبته ليقوموا بتجاوزات دفعت المعارضين لاتهامه بها".

وبما أن العرف الكنسي يقوم على أن "الكنيسة هي التي تختار من هو البطريرك الجديد، وليست الحسابات السياسية والشخصية هي التي تلعب الدور الرئيس في تحديد وانتخاب البطريرك"، فإن الأمل معقود على أن يكون يوسف الأول "على مستوى القيادة والحكمة والإتزان، ليقود مسيرة الكنيسة ويتحمّل صلبانها، لا سيما في هذا الظرف الحرج".

من هو جوزيف العبسي؟

وُلِد المطران جوزيف العبسي في دمشق في العام 1946، تابع دراسته في جمعية مرسلي القدّيس بولس (الآباء البولسيين) في حريصا في لبنان، وسيم كاهناً في كنيسة سيّدة الانتقال في دمشق في العام 1973 بوضع يد البطريرك مكسيموس الخامس.

حصل على ماجستير في اللاهوت وآخر في الفلسفة وعلى دكتوراه في العلوم الموسيقية.

درّس وعمل معاوناً في الإكليريكية الكبرى في الجمعية البولسية، وتولّى عدّة وظائف رعوية وتعليمية، لا سيما في مجال الموسيقى الليتورجية. تسلّم إدارة مجلة "المسرّة"، التي تُصدرها الجمعية، وإدارة المكتبة البولسية ومدبّراً لها، وقيّماً عاماً للجمعية، كما تولّى رئاستها العامة في العام 1999.

انتخب أسقفًا في الدائرة البطريركية كنائب بطريركي ورئيس أساقفة طرطوس شرفاً في العام 2001، نال السيامة الأسقفية من البطريرك غريغوريوس الثالث بمعاونة المطران يوحنا منصور والمتروبوليت جوزيف كلاّس في كنيسة القديس بولس في حريصا. عُيّن نائباً بطريركياً في دمشق في العام 2006.

وضع العديد من الأناشيد الدينية الليتورجية الكنسية وغير الكنسية، وكتب العديد من المقالات، وله مجموعة من الكتب الروحية، وثلاث مسرحيّات.

 

نغم أسعد

 

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.