أعراس لبنان.. ليلة "ديون العُمر"

فرح الحاج دياب ـ

مع انتهاء فصل الصّيف، وعلى مبدأ "بيي أقوى من بيّك"، شهدنا اشتداد حرارة المنافسة في مظاهر البذخ خلال حفلات الزفاف التي تحوّل بعضها إلى مهرجانات فارغة يدفع فيها اللبنانيّون جنى أعمارهم، مقابل ساعات قليلة من "التفشيخ".

رغم تراجع القدرة الاقتصادية للمواطن اللبناني، يستمر الإسراف في حفلات الزّفاف، حتى أنّ أصحاب الدخل المحدود باتوا يتماشون مع الموضة السّائدة بالإعتماد على القرض المصرفي والإستدانة من هنا وهناك، أو حتى بيع قطعة أرض إذا لزم الأمر، فتتحوّل الأعراس إلى حفلاتَ تبذيرٍ بالجملة، تُصرفُ فيها آلاف الدولارات، ربّما للحصول على أكبر عدد من الإعجابات على موقع "فايسبوك" و"إنستغرام" عند نشر الصّور.

هكذا، يبدو أنّ المجتمع اللبناني صرف كنز القناعة، ولجأ إلى الإستدانة من المصارف، فبات الأزواج يسيرون بكل تصميم وإصرار نحو التّجار الذين ينهبونهم ببرودة أعصاب، ثم يقضون السنوات الطويلة في تسديد الديون التي اقترضوها، أمّا من ينفق أقل من 20 ألف دلار أميركي في ليلة العمر، فهو بذلك قد خذل نفسه وعروسه وكلّ من حوله.

إمّا العرس أو الشّقة

"لو كنتُ منظّم أعراس، لنصحتُ العروسين بإلغاء العرس كلّياً". هذا ما يقوله أحمد طه الذي انفصل عن خطيبته رغم أنّهما كانا قد حدّدا تاريخاً مميزاً لزفافهما 8/8/2018، مضيفاً "أكثر من صديق لي أيضاً قاموا بإلغاء أعراسهم التي كانت مقررة هذا الصّيف، إذ أنّ للزواج ثمنٌ باهظ، وحين يعثر الشّاب على فتاة ترضى بعرس متواضع، فأهلها قد لا يرضون بذلك". ويُكمل "إمّا الشّقة أو العُرس، أو لتبحث الفتاة عن فانوس سحري وتطلب منه عريساً على هيئة سوبرمان بالنّسخة اللبنانيّة…". يختم أحمد حديثه متمنياً بأن يجد كنزاً، أو فتاة تقنع وذووها بعرس بسيط ليتزوّج في 9/9/2019.

في المقلب الآخر، هناك فتيات كثيرات يجمعن القرش فوق القرش لإعانة شركائهم في ظلّ الوضع الإقتصادي الصعب. "أصبح على الشّاب أن يبحث عن فتاة تُكمل نصف راتبه قبل نصف دينه"، هذا ما يقوله الشّاب مصطفى دهيني الذي كان يحضّر لعرسه، مضيفاً "لم يعد عمل المرأة جزءاً من البرستيج، بل في الحقيقة جزء من التعتير الذي نعيشه في لبنان لنتمكّن من البقاء مستورين حتى آخر الشّهر".

هكذا، وصلت تكاليف الأعراس في لبنان إلى مستوى غير مسبوق، فمدخول الشاب أو الفتاة يظل محدوداً ـ مهما بلغ الشخص من تقدّم مهني ـ مقارنة بالمصاريف الملقاة على عاتقه، كما أنّ التقاليد تفرض دعوة الكثير من الأشخاص إلى الزّفاف، خصوصاً إذا كان أحد العروسين من منطقة لبنانية ريفية  يلتزم أهلها بالمحافظة على العادات، فيضطرون إلى دعوة أهل القرية بأكملها.

"لو أنّني تزوّجت خطيفة"!

يبدو المدعوّون إلى حفلات الزّفاف كجمهور مجبر على مشاهدة الفيلم اللبناني نفسه للمرّة الألف، والتصفيق بحرارة في كلّ مرّة، إذ أنّ عمليات النّسخ واللصق ما عادت تقتصر على "الزّفة" والحصان الأبيض والأغاني الهابطة، وقطع قالب حلوى عملاق من "الفلّين" بكل جدّية وثقة، والرّقصة الأولى وسط فقاقيع مسحوق الجلي "فيري" التي تدوم وتدوم ولا يمل منها أحد على مرّ السنين… بل تعدّتها إلى العروس التي باتت متطابقة إلى حدّ كبير مع سابقاتها، بفستانها ومكياجها، وشعرها… لا شيء يتغيّر إلّا العريس المسكين الذي لا يرقص طربًا، إنّما  يرقص كالطّير المذبوح من الدّيون التي ستبدأ بنخر رأسه مع حلول "صباحيّة" العرس.

تحضن العشرينيّة منى مراد طفلها، وتقول ساخرة "لو أنّ الأيام تعود بنا، لكنت تزوّجت خطيفة من دون حفل زفاف نهائياً"، وتضيف "25 ألف دولار كان من الأفضل لو دفعناها قسطاً من ثمن الشّقة، وما راكمنا المزيد من الدّيون فوق رؤوسنا". أمّا الشّاب هاني أيوب فليس أفضل حالاً، إذ يبدي إنزعاجه من السؤالين اللذين ينهمران على رأسه أينما حل "متى سنفرح بك؟ ألم تنسَ زوجتك السّابقة بعد؟" مضيفاً "انفصلت عن زوجتي بعد 7 أشهر من ليلة عمرنا التي كلّفتني 40 ألف دولار أميركي. صدقاً لا أعرف كيف أنساها وما زال أمامي الكثير من الأقساط لأسدد القرض المصرفي!".

مواقع التواصل "عرس أكبر.. إعجابات أكثر"

"الجّميع تزوّج إلّا أنا"، هذا ما تقوله ندى طالب ساخرة، وتضيف "لم أعد مضطرة للحضور شخصياً، ولا يهم إن كنت مدعوة أم لا، فأنا أشاهد الأعراس بأدق تفاصيلها "live" عبر الفايسبوك، وأستطيع أن أتأمل فستان العروس وفستان كل فتاة على حدة بينما أنا مستلقية ألبس "بيجامتي".

أمّا فيصل، فيتحدّث عن تجربته آسفاً "انفصلت عن خطيبتي بسبب العرس، فمعظم أفراد عائلتي ملتزمون دينياً، ولا يمكن للأغاني أن تلعلع في وجودهم. ورغم أنّني اقترحت أن نقيم مائدة عشاء في صالة فخمة، ونكتفي بالموسيقى الكلاسيكيّة، إلّا أنّ الأمور اتخذت منحىً سلبياً، فبرأيها "هذه ليلة العمر وعليها أن تفرح وترقص، وهكذا طار العرس وطرتُ معه". ويُكمل "كل ما كانت تريده هو أن تضع مقاطع فيديو من عرسنا وتجمع أكبر عدد من الإعجابات، لعلّها كانت تريد أن تتزوّج لتنشر صورتها بالفستان الأبيض لا أكثر ولا أقل".

الأزواج يدفعون.. والتّجار يحتفلون

لاشك أن فرحة أصحاب الصالات في العرس تضاهي فرحة أم العروس أو ربما أكثر. يقول مدير صالة أعراس معروفة في بيروت "إنّ الصالات سواء الكبيرة أو الصّغيرة، تنتظر موسم الأعراس بلهفة، فهي تعوّل عليه لتحقيق أرباح استثنائية لا تحققها في المواسم الأخرى". ويشير إلى أن بعض الفنادق تضع أسعاراً خياليّة إذ تصل تكلفة الشخص الواحد إلى 200 دولار أميركي، بينما لا يقل عدد المدعوين عن 400 شخص، لافتاً إلى أنّ العروسين في السنوات السّابقة "كانا يكتفيان بأنشطة بسيطة ضمن برنامج الحفل، مع مكسّرات وعصائر وحلوى، أما حالياً فبات الجميع يطلب مائدة عشاء كاملة وتقديمات أغنى وأفكاراً مبتكرة".

الجدير بالذّكر أنّ تكاليف الحفلة بحد ذاتها، إن كانت في فندق أو صالة أو مطعم، فإنّها لا تتعدى نصف التكاليف الإجمالية للزفاف فتطول اللائحة بين الزّفة التي تكلّف 1500 دولار إن كانت متواضعة جداً، وموكب السّيارات، والتصوير والمجوهرات وتنسيق الورود والفرقة الموسيقيّة إن لم يكن برفقتها مطرب من الصف الأول أو الثاني، هذا بغض النّظر عن تكلفة "الباشولر بارتي" التي سقطت على رأس المجتمع اللبناني فجأة، وشهر العسل في جزر المالديف أو "خورفاكان".

يفتح مدير شركة معروفة لتنظيم الأعراس دفتر حساباته مؤكّداً "لدينا أكثر من 35 عروساً ستدفع إيجار فستانها بالتقسيط، لمدة تتراوح بين 5 أشهر إلى سنتين"، مضيفاً "كلفة إيجار فستان العرس لليلة واحدة تبدأ من 1000دولار"، ويشير "لاحظت هذا العام نزعة لدى العرسان بإستئجار فساتين بأسعار خياليّة رغم أنّهم من الطّبقة المتوسّطة".

يلفت المدير إلى أنّ أنّ بزّة العريس باتت مكلفة أيضاً، إذ أنّ الشبان المقبلين على الزواج ما عادوا يكتفون بالبزّات التي كانت ترضي ذوق المتزوجين قبلهم، بل يطلبون تصاميم خاصة تصل تكلفتها إلى 500 دولار بالحد الأدنى.

أعراس أولاد الساسة "يلي استحوا ماتوا"

بين الحين والآخر، يتصدر العناوين خبر "العرس الأسطوري لإبن النائب فلان أو الوزير علتان أو الضّابط هذا أو ذاك"… أعراس تصل أقل تكلفة فيها إلى مليوني دولار بينما الدّين العام وصل إلى 100 مليار دولار، وفي نهاية كلّ عام، وبكل وقاحة يتفاخرون بورود أسمائهم على لائحة "الأعراس الأكثر بذخاً في العالم"… ربّما لأنّنا على لائحة الدّول الأكثر فساداً في العالم.

ولعلّ الشّعب اللبناني، وتأسياً بهؤلاء، يقرر البعض منه اختيار قفص معلق بـ"ونش" ينزل العروس من السّماء به لأنّ الأرض ما عادت تتسع لنا، ويقطّع آخرون "الشاورما" بدل قالب الحلوى، ويدخل البعض الآخر على الحمار بدلاً من الحصان… وكثير من الأفكار العجيبة الأخرى التي حولت الأعراس اللبنانية إلى "مهزلة"، وأفقدتها رونقها وعاداتها وتقاليدها، وجعلتنا "علكة" على لسان كل العالم.

لا شكّ أنّ الفرح حقّ مشروع للجميع، ولا شكّ أنّ هناك الكثيرين من أولئك الذين يتزوّجون "عالسّكت"، مراعين أوضاعهم ومقتنعين بحالهم. إلّا أنّه وفي ظلّ إرتفاع نسبة الطلاق بشكل يثير القلق في المجتمع اللبناني، فلا بدّ من الإلتفات نحو جوهر مؤسسة الزّواج واحاطتها بهالة مقدّسة بعيداً عن المظاهر والقشور الفارغة، بهدف بناء أسرة متماسكة.

في الختام، وعملاً بالأسطورة التي تقول أنّ من تلتقط باقة ورد العروس التي ترميها في نهاية الحفل ستكون العروس التالية، وفي ظل إحتلال لبنان المرتبة الأولى بنسب العنوسة عربياً، فإنّه على الرّاغبات بالزّواج  إنتعال حذاء بكعب عالٍ جداً لتتمكّن من إلتقاط الباقة، المهم ألّا يتحمّسن كثيراً… فهناك فتيات كثيرات إلتقطن أكثر من باقة ورد خلال حياتهن، وها هنّ "عانسات".

أصل الفستان الأبيض

كانت الملكة فكتوريا أوّل من ارتدت الفستان الأبيض عام 1840، وقد اختارته دلالة على الطهارة والنقاء الداخلي والإستسلام لعريسها تأسّياً بالرّايات البيضاء التي ترفعها الجيوش المهزومة في الحروب، ليتحوّل اللون الأبيض إلى خيار اجتماعي جماعي  في كلّ العالم رغم محاولة بعض المصممين إدخال عدة ألوان عليه.

 

(شارك هذا المقال)

One thought on “أعراس لبنان.. ليلة "ديون العُمر"

  • 29 أيلول، 2018 at 8:45 ص
    Permalink

    بلا العرس لمين للشماتين والحسودين سفرة بتكالف العرس اشرف وافضل

    Reply

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.