على طريق الخيبة والخداع

فادي دقناش (*)

هذا ليس عنواناً لأحداث مسلسل مخابراتي، كان بطله أحد ضباط المخابرات الاسرائيلية الذي تمرد على جهازه واصبح ينشر فضائح الموساد، بحيث كانت موضوع حلقات نشرته احدى الصحف اللبنانية على مدى فترة من الزمن، انما التشابه في العنوان هو بالصدفة، بحيث نروي وقائع لحوادث اجتماعية فعلية تحصل مؤخراً مع الكثير من الناس، وهي تتضمن "خداعاً" وتكون نتيجتها مخيبة للآمال.

تدخل انت وعائلتك احدى المراكز التجارية لتشتري اغراض منزلك اليومية، يستقبلك أحد الشبان ويقول لك "نحن نقوم بإعطاء فرص للزبائن بأن يربحوا جوائز هامة، وما عليك الا ان تأخذ بطاقة مجانية وتقوم بحك الرقم المستور فيها".. ليتبين انك ربحت "جائزة مهمة"، فيصرخ اطفالك من الفرح، كما وتصبح ابتسامة زوجتك الى وراء اذنيها، ويطلب منك الموظف الذي اعطاك البطاقة التوجه الى مكتب ضمن المتجر كي تتعرف على "جائزتك"، بينما هو يتولى استقبال زبون جديد…

تتوجه الى الموظف المقصود، بسعادة تنتابك خلالها اسئلة عن مضمون الجائزة، وما ستعود عليك بالفائدة، وما ستوفره لك من استهلاك راتبك… وتكون ايضا هذه الصورة اللامرئية في مخيلة الاولاد والزوجة، وكل منهم يتمنى ان تحقق جزءاً من رغباته، ولو بالحد الادنى. عندما تصل الى الموظف يقوم بالتهنئة ويسلم عليك سلام المنتصر، وكأن "الجائزة" أصبحت في جيبك، من دون ان تدري ما هي، حيث يقوم باخبارك أنه يتوجب عليك دفع 50 الف ليرة لبنانية فوراً لتنال الجائزة قبل أن تخسرها، والتي هي عبارة واحد من ثلاثة عروض:

1 ـ عزيمة في مطعم  لشخص، على أن تكون المقبلات هدية الجائزة وتكون أطباق اللحوم والمشاوي على حسابك الخاص.

2 ـ زيارة الزوجة أحد الصالونات النسائية لتصفيف شعرها.

3 ـ زيارة مطعم من عشرة مطاعم محددة، على ان يقدم اصحابها تخفيضات خاصة لرابح الجائزة.

وانت تسمع تصريح الموظف تنتابك حالة من خيبة الامل واليأس، وتتمنى ان لا تكون قد ربحت هكذا جائزة، لعل الثبات أفضل من الفرحة التي لم تتجاوز اللحظات، والتي ستعقبها خيبة أمل لن تمحوها أيام، الامر الذي يثير غضبك لشعورك أولاً بعدم وجود هدية فعلية، وثانياً لاحساسك بالاستغباء، وثالثاً لضياع وقتك في سبيل منفعة مادية للقائم على هكذا مشروع، يبغي من ورائه استقطاب المال، خاصة عندما يتبين ان كل مشارك في هذه اللعبة من الزبائن هو رابح، ضاربا بعرض الحائط شعور واحساس الآخرين وفرحتهم الزائفة، فتكاد تقدم بسبب ذلك على ردة فعل لا تتوافق مع اخلاقك وتربيتك. فأنت لست بحاجة للمقبلات لترتاد المطعم، وزوجتك لا تدفع أكثر من 20 ألف ليرة لتصفف شعرها، وقصة شعرها متآلفة مع مصففة في الحي الذي تسكن فيه منذ زمن، وانت لست بحاجة للذهاب الى اماكن بعيدة لتناول الطعام وان تدفع 50 ألف ليرة، لتحصل على تخفيضات في مطاعم محددة في الجائزة.

لقد انتابتني نفس الخيبة من فترة عندما اتصل بي احدهم ليقول لي بأن ابنتي، عندما كانت في الصف الرابع أساسي، ترتيبها الاول في احدى المسابقات التي أجرتها احدى دور النشر ضمن المدرسة أو بالتنسيق معها. طبعاً لم اكن على علم بان ابنتي خضعت لاي امتحان. وأخبرني المتصل ان ابنتي ـ لكفاءتها ـ ربحت جائزة عبارة عن سلسلة كتب علمية ثمنها 300 دولار اميركي، ومطلوب مني التوجه خلال يومين الى مركز دار النشر لاستلام "الجائزة". ولكن 'الخيبة" كانت ان "الجائزة" هي حسم 30 % من سعر هذه السلسلة. يعني أن الذي يجب ان ادفعه 210 دولار وهي لزوم ما لا يلزم لطفلة في صف الرابع. الا ان الخداع ظهر عندما علمت ان جميع تلاميذ الصف تم الاتصال بأهلهم وأُخبروا الرواية نفسها، حيث كان احدهم في اجتماعات الاهل يتفاخر بفوز ابنته في المرتبة الاولى ايضاً وبادر الى شراء السلسلة، لكنه أصيب بخيبة عندما علم أن جميع تلاميذ الصف كانوا "أوائل".
هذا الاسلوب أصبح منتشراً على شبكات التواصل الاجتماعي، بحيث تطلعك بصورة دائمة ومتكررة بعض المواقع على فوزك بجهاز خليوي، وما عليك الا اتباع اجراءات معينة تتمثل الدخول الى سلسلة متتابعة من المواقع، او ارسال مضمون المسابقة الى عدد كبير من الاصدقاء، ليتبين أخيرا انك وقعت في "خداع" وانك استهلكت وقتا ومصروفاً بغير داع او نتيجة. والامثلة كثيرة جداً، والهدف واحد هو استقطاب المال، سواء بطريقة مباشرة اوغير مباشرة، والنتيجة الاهم هي إصابة من يقع فيها بخيبة تتمثل بضياع شيء هام من صاحبه يوازي الجائزة أحياناً.

لست استاذاً محاضراً، ولكننا اصيلون وخلوقون، ولا ننتظر جوائز أو منّة من أحد، فنحن اصحاب احساس مرهف بالفطرة، ولا نرضى باستصغار عقولنا.

السؤال الذي يطرح نفسه: هل نحن في زمن "الشطار والعيارين"؟ هل وصلت السرقة في هذا الزمن الى الرمق الاخير في حياتنا لتنال حتى الحلم المفترض وتهريب الفرحة من قلوبنا؟

أية حضارة أو رقي أو تواصل لا اجتماعي، أصبحت فيه العين حتى على الشهيق والزفير للسرقة من قبل عفاريت برتبة مجهول، محكومون بالتعامل معهم عند كل مفترق، يشحذون السكاكين.. اذا تعطلوا، هدروا كل القيم والمبادئ والاخلاق؟!

(*) باحث في علم الاجتماع

(شارك هذا المقال)

8 thoughts on “على طريق الخيبة والخداع

  • 28 أيلول، 2018 at 7:05 ص
    Permalink

    المضحك المبكي الله يستر ما تتحول الناس من اجل المال الى مفترسين …….

    Reply
  • 28 أيلول، 2018 at 1:43 م
    Permalink

    الكاتب الاستاذ الكريم
    اما بعد اريد ان اخبرك ان دينامية الحركة في لبنان ومجتمعه وللاسف مبنية على الخداع وشبابه هم في خيبة من امرهم نظرا لعدم تآلف مع ما تربوا عليه وما وجدوه في الواقع لا عمل ولا حتى الاحسان يريدون عليه ومنه مقابل.
    سلمت افكارك وللمرة الاولى اتشوق لمتابعة مقال للاخير شكرا.
    سامي حراش.

    Reply
  • 28 أيلول، 2018 at 3:46 م
    Permalink

    ما تزعل انا اسافر كثيرا بالرغم من ان بلاد فيها فقر كثير وحرمان على قد ما في ناس وبشر في بلدنا واكثر ولكن كانت نفسيتي مرتاحة اكثر بكثير من وجودي في بلدي لان النصب والعربدة هنا لا يوجد لها مقياس ولا مثيل، المهم هو المال كيف يأتي وعلى حساب من لا يهم.
    لا قيم ولا مبادئ ولا ورع وخوف من الله.

    Reply
  • 28 أيلول، 2018 at 4:02 م
    Permalink

    مع احترامي وتقديري للكاتب عرضت المشكلة ولكن ما هي الحلول؟؟؟؟؟

    Reply
  • 28 أيلول، 2018 at 4:09 م
    Permalink

    كانك تروي ما حصل معي شخصيا في متجر بطرابلس كنت نازلة لشراء غرض والسلامة ابقيت ساعة بحجة انني ربحت جائزة وطلعت فالصووووو يا عيب عليهم.

    Reply
  • 28 أيلول، 2018 at 9:26 م
    Permalink

    لازم يكون في قوانين تفرض عقوبات على النصب بطريقة ملتوية والتي يسمونها شطارة .
    شطارة بمولدات الكهرباء شطارة بفرض ضرائب على كل شيء شطارة برفع سعر المحروقات شطارة بوضع سعر على سلعة( مثلا ٢٩٩٠ل.ل)لاستغباء الناس ان سعرها اقل من ٣٠٠٠ل.ل شطارة بالتوظيف شطارة باعطاء امتيازات للبعض (نمرة مميزة هاتف او سيارة زجاج مفيم ….) وشطارات كثيرة…..

    Reply
  • 29 أيلول، 2018 at 2:37 م
    Permalink

    انا صار معي هيك سوبر ماركت بطرابلس

    Reply
  • 29 أيلول، 2018 at 2:45 م
    Permalink

    معلمي استاذ فادي الله يخليلك اناملك مقال جميل .

    Reply

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.