فرنجية لباسيل: ستؤكَل يوم أؤكَل!

حلف جديد يستعدي العهد ويستبعد بنشعي

نورما أبو زيد ـ

كان يُفترض أن يبقى الوثاق مشدوداً بين العهد وسعد الحريري بعد الانتخابات النيابية، ولكن حالة "التصادم" الداخلية أحدثت ثقباً في "بدن" السفينة اللبنانية، وسمحت لـ "المياه الإقليمية" بالنفاذ إلى داخلها، وأضعفت بالتالي منعة "البدن" اللبناني.

الثقب الذي أحدثته الأقلية المتمثّلة بـ "المستقبل" و"القوات" و"الاشتراكي"، أتاح لها إبطال مفاعيل نتائج الانتخابات النيابية، عبر تعليق تشكيل الحكومة. حجج واهية تذرّع ويتذرّع بها سعد الحريري لتبرير إحجامه عن تشكيل الحكومة، بسبب الحلف الثلاثي المتجدّد الذي نشأ بدفع إقليمي بعد الانتخابات مباشرة، والهدف إغراق العهد.

سيّد العهد، الرئيس ميشال عون، الذي يستهدفه الحلف الثلاثي، يحاول التصدي للسياسات الإغراقية، عبر استخدام "قواطع" وطنية، لا تلغي الثقب، ولكنها تمنع نفاذ المزيد من "المياه الإقليمية"، وتحمي السفينة بالتالي من الغرق. وهنا السؤال الذي يتبادر إلى الأذهان هو: هل ارتكب الرئيس عون خطأ استراتيجياً باعتراضه على نزع عباءة الزعامة السنية و"السراياتية" عن كتفي سعد الحريري؟

لا يختلف اثنان بأنّه لو حصلت "الاستقالة ـ الإقالة" في عهد الرئيس السابق ميشال سليمان، لكان أبلغ الرياض أنّ سعد الحريري أحد رعاياها، وأنّ أهل مكّة أدرى بشعابها. وطنية الرئيس عون وأبويته دفعتاه للتعامل مع تعليق مهام الحريري السياسية من منطلق وطني ـ كراماتي وأبوي. أصرّ على حتمية عودته إلى لبنان، ليبني على الاستقالة مقتضاها. عاد الحريري إلى لبنان، وعاد عن الاستقالة، واعتقدنا جميعاً أن السفينة اللبنانية تشقّ عباب "المياه الإقليمية" بأمان، ليتبيّن بعد ذلك، أنّ حلفاً جديداً قام لتقويض الصفقة الرئاسية وإبطال مفاعيلها.

أن يسعى كلّ من جعجع وجنبلاط إلى تقويض عهد الرئيس عون فهو أمر غير مستغرب. الأوّل انقلب على العهد ما إن اكتشف أنه ليس بمقدوره أن يكون ظلّ العهد، والثاني لم يرفع الأنخاب تبريكاً لسيد العهد إلاّ مرغماً بعدما وجد نفسه وحيداً.

أوساط القصر الجمهوري لا تستغرب مساعي جعجع ـ جنبلاط التقويضية، كما لا تستغرب مساعي الحريري لعلمها بخلفياتها، ولكنها تستنكرها، وهذا الاستنكار يستدعي قراءة متأنيّة للفترة السابقة.

يوم حاولت الرياض فرض بهاء الدين الحريري خلفاً لشقيقه في السياسة والرئاسة، كان يمكن للرئيس عون وحلفائه في "8 آذار" أن يتلقفوا العرض السعودي الذي اتّخذ شكل الفرض. ولو فعلها الرئيس عون في حينها، لكان أحدث ضعضعة في البيتين "المستقبلي" والسني، ولكان "تيار المستقبل" احتاج سنوات لتوحيد الرؤوس تحت أمرة رأس واحد.

لولا صدامية الرئيس عون، لكان "تيار المستقبل" خاض لسنوات حرب "توحيد البندقية"، وهذه "الحرب" كانت كفيلة بجعل فريق "8 آذار" يقود البلد نحو الوجهة التي يرتئيها ويريدها دون اعتراض من أحد، وهذا يعني أنّ الرئيس عون أصاب في وطنيته ووفائه لصداقاته السياسية، ولكنه أخطأ في "التكتكة عاللبناني".

جنّب رئيس الجمهورية التيار "الأزرق" معارك "توحيد البندقية"، دون أن يعتبر ولو للحظة، أنّ الحريري قد يرفع متاريسه بوجهه في المستقبل. حالة التماهي التي كانت سائدة بين الرجلين قبل "الاستقالة ـ الإقالة" جعلت "البرتقاليين" يتحدّثون في حينها عن حلف أبدي. ولكن في ظلّ حالة "التوحّد" التي تظهر عوارضها اليوم على الحريري وجعجع وجنبلاط، بات لزاماً على الرئيس عون وتياره السياسي العودة إلى "الخندق" القديم.

جعجع الذي منّى النفس لدى انتخاب عون بوظيفة "رئيس الظلّ" للتمرّس على وظيفة الرئيس الأصيل، يجهد لتعويض ما فاته، عبر خوض معركة رئاسة 2022 من الآن. يفترض جعجع أنّ حلفه الداخلي مع "المستقبل" و"الاشتراكي" معطوفاً على الدعم السعودي اللامحدود له، كفيل بانتقال مفاتيح بعبدا إليه بعد أربع سنوات.

بدوره، رئيس "التيار الوطني الحرّ" الوزير جبران باسيل، ليس أقلّ طموحاً من جعجع، ولكن رغم حسن إمساكه بملفاته، لا يدرس ملفّه الرئاسي باحترافه المعتاد. لا يجابه باسيل مخططات جعجع الرئاسية على طريقة "توحيد البندقية" التي انتهجها كل من عون وجعجع سنة 1988، يوم حاول الأميركيون فرض مخايل الضاهر رئيساً للجمهورية. يطلق باسيل رصاصه في كلّ الاتجاهات، ولا يميّز بين حليف طبيعي وخصم، ورصاصه هذا يصيب أبناء خطه، أكثر ممّا يصيب الخصوم.

يغفل رئيس "الوطني الحر"، أنّ موقعه الطبيعي في الظروف الطبيعية، هو في حلف طبيعي مع تيار "المردة"، فكيف إذا كانت الظروف غير طبيعية كما هي اليوم؟

لقد أثبتت تجربة التحالف مع جعجع، أنّه لا يمكن إدخال عضو غريب إلى الجسد "البرتقالي"، و"التخاوي" معه على طريقة زرع الأعضاء. بينما على مقلب "المردة"، يشعر "البرتقاليون"، لا سيّما القدامى منهم، أنّهم جزء لا يتجزأ من حلف شديد الوثاق كان قائماً بين عون وفرنجية. ورغم حالة الشقاق الراهنة، لا يزال فرنجية الأقرب إلى قلوبهم وعقولهم.

قلّة من "العونيين" هي التي تستسيغ الحروب الكلامية والقضائية التي تشنّ على وزير الأشغال يوسف فنيانوس الذي يمثّل فرنجية عند أبواب بعبدا. الكلّ يعلم أنّ مطار بيروت "يحلّق" بجناحين مكسورين منذ زمن بعيد، جراء تراكمات لا علاقة بها لفنيانيوس وطاقمه الاستشاري الذي يجيد نمق خططه، وأنّ "إطارات" النقل العام "مثقوبة" منذ تسلّم "المردة" للأشغال، أسوة بخطوط الكهرباء "المعلّقة" منذ تسلّم "الوطني الحرّ" للطاقة.

بنظر كثيرين، يطلق الوزير باسيل رصاصة على نفسه عندما يطلق رصاصة "طائشة" على "المردة". يستسهل تسمية فنياوس بـ "الطش" و"الطشين"، وخصومه يفرحون بحفلة الشتائم هذه، ويحتفون ببطاقات التهنئة التي يغدقها منظرو "8 آذار" على وزراء "القوات". إنّه الحَوَل السياسي بعينه الذي ينال عليه فريق "8 آذار" لقب "طش الطش" عن استحقاق وجدارة.

في حمأة هذه الكوميديا السوداء، يبدو فرنجية اللاعب الأقل اهتماماً بمعركة الرئاسة التي أطلقها "فرسان" الموارنة باكراً. يدرك أنّ ثمّة من تقمّص عن وعي دور الفيل من رواية علي بن أبي طالب حول الخلافة التي تُطلب بالسيوف، وثمّة من تقمّص عن غير وعي دور الثور الأسود، ولسان حاله يقول لباسيل: ستؤكل يوم أؤكل أنا.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.