مرام قبيسي ابنة ال80 في الجامعة: روحي هنا!

بعمرها الذي تقطف له الوردة الثمانين على أبواب أيلول، تجمع مرام قبيسي قطاف عمرها في حقل من زهور ملوّنة تتوزّع جوانب سترتها.

بابتسامة لطيفة تستضيفك في احدى مقاهي المدينة، حيث تضجّ الحياة و ترسم تلاوينها. تطلب كوبا من الشّاي السّاخن في أواخر تمّوز لعلمها على الارجح أن "دواء الحرّ.. بالحرّ".

بالأبيض السّحري على وجهها الملائكيّ وأحمر الشفاه وعقد حول العنق، تكمل المحبوبة من معارفها رسم صورتها. على مشارف العقد التاسع و ما من شيء يدلّ على ذلك، لكأنّها تملك سرّ الوجود.

بذهن حاضر، يذكر كلّ تفاصيل الماضي و الحاضر، ولبقاقة و خبرة في "الاتيكيت " انصهرت في شخصها بفضل أمّها خريجة المدرسة الطّليانية وراهبة مدرستها الاجنبية، تحاورك بحبّ و دماثة خلق.

يحلو لمرام وصف نفسها بالشّاعرة "الرّومنطيقية"، ففي طفولتها و بداية شبابها كتبت الشّعر المنثور عندما كان في بداية رواجه، و لا تخفى هذه الخلفية الرّومانسيّة بين ثنايا كلماتها التي تطلقها بسهولة وتحمل من الوصف أجمله وتلامس قلب السامع بريشة تدغدغ مخيّلته.

تسبح في السّرد القصصي لحكايات مرّت و تركت أثرها في الذاكرة، و تتحدّث عن كتابها الذي تحضّر له لكي يحمل بين صفحاته مسيرتها الطويلة، وهي التي عملت في الصحافة لفترة من الزمن، وأدمنت قراءة الكتب منذ الصغر، "من لا يطالع يواجه أعمال البيت المنزليّة"، هذا قانون نصّه والدها وهي أقرت به، والدها الذي تتحدّث عنه بفخر انتمائها له.

" أنا انسانة من المجتمع، تجاهد طيلة حياتها لتكوين شخصيّتها و لتكون راضية عن نفسها و لتنظّف نفسها من الدّاخل وتكون منسجمة معها وتساعد المحيط الذي هي فيه وتتفاعل معه".

عملا بالاهداف المرسومة من قبلها، وجدت مرام قبيسي ضالتها في جامعة الكبار في الجامعة الاميركية وهي جامعة استحدثتها "الاميركية" لتمنح كبار السنّ ومن يفوق عمره 50 حتى 90 فرصة الاستفادة من برامج تعليمية وتثقيفية وترفيهية.

مرام التي لم تكمل دراسة الحقوق في الجامعة بسبب زواجها وكثرة المسؤوليات، وجدت في جامعة الكبار عودة للحلم ولكن بطعم مختلف، ففي جامعتها الجديدة داخل حرم "الاميركية". لا  امتحانات و لا شهادة بانتظار نيلها ولا مستقبل تخاف عليه حال عدم تخرجها، فالنظام مختلف والمسؤوليات ليست كالسابق.

علاقة مرام بال "AUB" قديمة و جديدة، فهي الجارة لهم منذ الصّغر في بيتهم في عين المريسة الذي لا تفصله عن حديقة الجامعة سوى سور. بيتها الذي يطلّ جانبا على البحر وجانبا على الجامعة التي رغبتها كثيرا ولكن منعها الوضع المادي المتوسط من دخولها في السابق. اليوم مع قسط الفصل الجامعي "الرمزي"، أصبحت كلّ الطرق "لمحبوبتها" سالكة.

الثقافة الفرنسية لم تكن عائقا، فهي تأخذ قسما من المواد باللغة العربية والقسم الآخر بالانكليزية، حيث تلقت دروسا باللغة الانكليزية ما جعلها تفهم ما يقال الى حدّ كبير.

انتسبت  الى الجامعة بعد سنة من افتتاحها وهي مستمرّة فيها حتى اليوم . لاتستطيع وصف لحظاتها الاولى هناك سوى بعبارة "حسيت خلايا جسمي عم تتفتّح".

نكتتها حاضرة، ترميها في المكان والزمان المناسبين وترفقها بضحكة تقدّم قسما منها للنّاس والقسم الاخر تحتفظ به لنفسها دواء لروحها.

محطاتها الصحيّة لم تجعلها تتردّد في المضيّ قدما، حيث تؤكّد أنها ما عادت تتناول حبوب الضّغط بعد دخولها جامعة الكبار. كان دخولها ذلك العالم بمثابة العلاج لها.

هي ممتنة للمحيط الذي ساندها، وغير عاتبة كثيرا على من لم يأخد خطوتها على محمل الجدّ.

للكبار تقول أن الاحلام لا تقف، وبعد التقاعد تبدأ الحياة والشباب ونستطيع فعل ما نتمناه. وللصغار حصة خاصة، فتقول "أنتم بدايتي و انا نهايتكم"، و تدعوهم لعدم الضعف أمام العواصف. تؤكّد أن الرسوب ليس سوى درساً يجب الاستفادة منه. تختصر الحياة  بكلمات استخلصتها من تجربتها: "الحياة سعي، انسانيّة، وتواضع".

تطلق وصيّتها..  اذا توفّيت أدعو الناس الى زيارة روحي في الجامعة. فهي "في صفحات كتاب طالب مجتهد، نسمة تساعد أي كئيب أو حزين ضمن الجامعة"، هي تصرّ أنّها لن تترك أو تتخلى عن الجامعة لان ما أعطتها ايّاه لم يعطها ايّاه أحد في المجتمع كلّه.

جواد حماده

(شارك هذا المقال)

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.