هاربات من تحرش وقح.. و"منعنع"

فرح الحاج دياب

"صباح الخير يا بيروت". همَسَت في أذن المدينة التي لا تنام، فضاع صوتها وسط الضجيج والإزدحام والأدخنة.

تقف على طرف الشّارع تنتظرُ الحافلة. حركة السّير البطيئة تسمح لمعظم الشّبان الذين يمرّون إلى جانبها بفتح نوافذ سيّاراتهم لإلقاء التحية عليها. "صباحو يا قمر"، "يسعدلي صباحك"، "يقبرني هالصّبِاح"… إعتادت الأمر حتى بات صباحها لا يكتمل من دونهم، ولكنّها نادراً ما ابتسمت لأحدهم رغم التعليقات العفويّة "المهضومة" التي تخلو من كلمات مبتذلة أو وسخة.

الأمور ما زالت تحت السّيطرة حتى الآن. تصعد إلى الحافلة، دقائق ويصعد إلى جانبها شاب قد حلق جانبي رأسه، وتركه "مكبّشاً" في المنتصف، "كانت جدتي تقول إنّ رؤية غنمة عند الصّباح يجلب الرّزق". يشعل الشاب "الغنمة" سيجارته، تفتح الشّباك لتتنفس، فلا تجد إلّا مزيداً من الهواء المشبّع برائحة النفايات، تُقرر ألّا تطلب منه إطفاء سيجارته الرّشيقة، "دقائق وتحترق، سأصبر". تُخرج كتاباً يتحدث عن "الجندريّة"، تقرأ السّطر الأول "ما هي الجندريّة"؟ ثم تشعر بـ "التجندر" كلّه إلى جانبها، إذ يحاول الشاب ملامستها، ربّما هي مخطئة – إحساس خاطىء، تقرأ السّطر التالي… الآن ما عادت تفهم شيئاً، تغلق الكتاب السّميك وتضرب رأس الشّاب الغنمة به. "لعنة الجندريّة عليك". يشتمهُ السّائق ويطرده من الحافلة، تشعر هي بإرتجاف في "مخ" عظامها، يهدّىء السّائق من روعها، يسألها عن إسمها، وقبل أن تترجّل، يرفض أخذَ أجرته، يقول لها إنّه لا يلوم ذاك الشّاب الغنمة الذي تحرّش بها لأنّها جميلة جداً، ثم يطلب رقم هاتفها، ترمي له أجرته وتسير نحو مدخل المعهد الذي تدرس فيه، تلقي التحيّة على الحارس، فيجيبها "يسعدلي هالصّباح يا قمر". تبتسم له.. لأنّه "الحارس".

تنتتهي المحاضرة، يطلب منها أستاذها مرافقته إلى مكتبه ليوجه لها ملاحظات حول بحثها! الملاحظة الأولى "أنا كتير حبيتك، رح ساعدك بشو ما بدك لتنجحي المادة". هل يظن أنني غبية، لأحتاج إلى درس خصوصي، "شكراً أستاذ، أنت متل بيّنا وأكيد ما بتقصّر". ينظر إليها ملء عينيه من دون أن يرف له جفن، يضحك ويضيف "متل بيّنا؟ هلقد شايفتيني ختيار؟! بتعرفي كم بنت بيتمنوا يقعدوا محلّك؟! أنا في 100 بنت بيعرضوا حالن عليّ". تحاول أن تستأذن كي لا تتأخر عن عملها، يُخرج 100$ من جيبه ويحاول دسّها في يدها، "شو بدك بالشغل، شو ما بتعوزي طلبي منّي المهم ما تقصري بدرسك"، ترفض أخذها وتشكره، ثم تهمس في سرّها "يا حبيبي، حملت المادة وما حدا سمّى عليّ".

تخرج من المعهد، تصل إلى عملِها متأخرة بضع دقائق، لأنّها كانت في "جلسة غراميّة" مع أستاذها "ختيار النحس"، يرن هاتف مكتبها على الفور، يطلب منها مديرها في العمل الدخول إلى مكتبه. "هذا قرار ترقيتك"، تقفز فرحاً، يعانقها ثم يحاول أن يقبّلها، "رسبت مادة في المعهد منذ نصف ساعة، لن أخسر عملي أيضًا". تخرج مسرعة من المكتب، يبعث لها رسالة غزل قذرة من العيار الثقيل عبر "الواتس آب"، ثم يرفقها برسالة أخرى "آسف آنستي، كنت أبعثها لزوجتي، أعتذر على الخطأ".

تستقل سيّارة أجرة لتعود إلى منزلها، "الراديو" كالبوم عن أخبار الحرب هنا وهناك. "الطقس جيد اليوم"، "هل تعملين هنا؟"، "هل أنتِ مخطوبة؟"، "فتاة مثلك لا يجب ألّا تكون مخطوبة". تجيبه "أجل مخطوبة، بل متزوّجة وعندي 10 أطفال، بس حل عني". يسألها عن خطيبها فتغضب فجأة "أنزلني هنا، تضرب إنت والخطبة".

تدخل إلى مطعم في أحد الأسواق الشعبيّة لتشتري ما تأكله، يقول لها الشّيف سوريّ الجنسيّة إنّه دعم وجبتها، ويضيف "الوجبة طيبة متلك، بس أكيد انت أطيب". المكان مكتظ بالنّاس، هل تصرخ وتخبر ربّ عمله؟ ما الذي يُثبت أنّه قال لها ذلك؟ إنّها جائعة ومتعبة، تأخذ طعامها وترحل.

تخرج من المطعم، تحاول خرق كتلة بشريّة تمشي على الرّصيف ببطء، "ابتعدوا قبل أن أفجّركم بحزام ناسف من أفكاري"، يلامس أحدهم جسدها، تصرخ بصمت "شعب مهووس بالمؤخرات"، تكمل طريقها من دون أن تلتفت إلى الوراء.

تصل إلى مدخل البناية حيث يجلس عدد من الشبّان وإلى جانب كلّ منهم نرجيلته، "اللعنة على هذا المدخل". تمر مسرعة أمامهم، "اللهم صلّي عروح النعنع"، ويردف آخر "يسلملي المنعنع". تصل إلى الشّقة، تغلق الباب، تلتقط أنفاسها، تزيل دخان سيجارة الشّاب "الغنمة" عن ثيابها، تخلع عطر مديرها الفاخر عن جسدها، وتبصق عليه، تغرس أقلام الرّصاص في عيون أستاذها، تشتم سائق الحافلة، تنهال بالضرب على الشّيف، تكسر نرجيلة الشّاب "النعنوع المنعنع" على رأسه…

أصبحت بمأمن الآن، تهدأ، تتنفّس بعمق، تحمل هاتفها، تجد رسالةً من أحدهم على موقع "فيس بوك": "بونجور يا عسل، عطيني بوسة". تقفل هاتفها، تقفل باب منزلها… تصرخ، تبكي، ثمّ تنام.

هذه الفتاة ليست "ملكة إغراء"، وهي ليست فتاة واحدة محددة، إنما هي جسد مركّب من أشلاء كل فتيات لبنان اللواتي تعرّضن للتحرّش، هي كيان تكوّن من مشاهد ململمة من يوميّاتهن، إجتمعن في جسد هذه الفتاة "الحبريّة" وذاكرتها التي اختصرت حوادثهن، لأن ما من فتاة لبنانيّة لم تتعرّض خلال حياتها للتحرّش.

 

رأي علم النّفس بالمتحرّش

"التحرّش هو محاولة قهر أكثر من محاولة التعبيرعن رغبة جنسية، لأنه تعبيرعن نظرة دونيّة للمرأة، ويعود إلى تركيبة المجتمع الذكوريّة التي تعطي الحق للرجل في السيطرة على المرأة"، كما يؤكّد المتخصّص في علم النّفس والطبيب رشاد حرب، والذي يرى أنّ المتحرّش هو شخص غير سوي من النّاحية النّفسيّة، وهو من الشخصيات التي يُطلق عليها "شخصيّة ضد المجتمع". ويضيف حرب أنّ "ﺍﻟﻤﺘﺤﺮﺵ يجد ﺇﺷﺒﺎﻋﺎ مؤقتا بما ﻳﻔﻌﻠﻪ، ﺇﺫ أﻧﻪ بمجرد ما يقدم على فعل تحرشي كلاماً أو لمساً ﻳﺸﻌﺮ ﺑﻠﺬﺓ ﻣﺆﻗﺘﺔ غير آبه للعواقب ﺍﻟﺘﻲ ﻗﺪ ﺗﻨﺘﺞ ﻋﻦ ﻓﻌﻠﺘﻪ ﺗﻠﻚ، ﻓﻬﻮ ﻣﺴﺘﻌﺪ ﻟﺘﺤﻤﻞ ﺃﻱ ﺇﻫﺎﻧﺔ ﻳﺘﻌﺮﺽ ﻟﻬﺎ ﺑﻌﺪ ﺍﺭﺗﻜﺎﺑﻪ ﻓﻌﻞ ﺍﻟﺘﺤﺮﺵ، ﻭﻫﺬﻩ ﺍﻟﻨﻮﻋﻴﺔ ﻣﻦ ﺍﻷﺷﺨﺎﺹ تعاني ﻣﻦ نهم جنسي".

يشير الطبيب حرب إلى وجود عدّة أنواع من المتحرّشين، منهم ﺍﻟﻤﺘﺤﺮﺷوﻦ الخجولون الذين ﻳﻨﺘﻬﺰون ﺍلإزدحام للتحرش ﺑﺎﻟﻔﺘﻴﺎﺕ ﻷنهم ﻳﻌﺘﺒﺮونها ﻭﺳﻴﻠﺔ ﺗﺴﺘﻄﻴﻊ ﻓﻴﻬﺎ شخصيتهم ﺃﻥ ﺗﺬﻭﺏ ﻭﺳﻂ ﺍﻟﺸﺨﺼﻴﺎﺕ ﺍﻷﺧﺮى، وﻫﻨﺎﻙ المتحرشون "السيكوباتيين" العدوانيين ﺇلى ﺃقصى ﺣﺪ، ﻭﻫﺆﻻﺀ ﻗﺪ ﻳﺘﻤﺎﺩﻭﻥ ﻓﻲ ﺟﺮﻳﻤﺘﻬﻢ إلى ﺣﺪ ﺍلإﺧﺘﻄﺎﻑ ﺃﻭ ﺍﻟﻘﺘﻞ. ﺃﻣﺎ ﺍﻟﻨﻮﻉ ﺍﻷﺧﻴﺮ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺘﺤﺮﺷﻴﻦ ﻓﻬو ﺍﻷﻗﻞ ﺧﻄﻮﺭﺓ، ﺣﻴﺚ يكون صاحبه في الغالب شخصاً ودوداً ولكنّه يميل إلى تقليد أقرانه في السلوك والتصرفات.

ﻭﻓﻲ ﻇﻞ ﺛﻮﺭﺓ ﺍﻻﺗﺼﺎﻻﺕ ﺍﻟﺘﻲ ﻳﺸﻬﺪﻫﺎ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ ﺑﺎﺕ ﻣﻦ ﺍﻟﺴﻬﻞ ﺍﻟﻮﺻﻮﻝ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺒﻴﺎﻧﺎﺕ ﺍﻟﺸﺨﺼﻴﺔ ﻟﻤﺴﺘﺨﺪﻣﻲ ﺍﻹﻧﺘﺮﻧﺖ بأقل جهد ممكن، فالكثير ﻣﻦ ﻣﺴﺘﺨﺪﻣﻲ ﻣﻮﺍﻗﻊ ﺍﻟﺘﻮﺍﺻﻞ ﺍﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻲ – ﺧﺎﺻﺔ الإناث – ﻳﺘﻠﻘﻮﻥ ﺭﺳﺎﺋﻞ "ﻏﻴﺮ ﻻﺋﻘﺔ"، تبلغ ﻣﺴﺘﻮىً ﻣﺘﺪﻧﻴﺎً يصل ﻟﻠﺪﻋﻮﺓ ﺍﻟﻤﺒﺎﺷﺮﺓ ﻟﻤﻤﺎﺭﺳﺔ ﺃﻓﻌﺎﻝ ﺫﺍﺕ ﻃﺎﺑﻊ ﻏﻴﺮ ﺃﺧﻼﻗﻲ، وهذا ما يُعرف بالتحرّش ﺍﻹﻟﻜﺘﺮﻭﻧﻲ. يؤكد الطبيب حرب في هذا الشأن أنّ العالم الإلكتروني وفّر بيئة مناسبة للكثير من الأشخاص "غير الأسوياء" لكي يُترجموا ما يعانونه من كبت في أفعال عدوانية ومن أهمها التحرش، إذ بات بإمكان أيّ كان وبسهولة بالغة الولوج باسم مستعار إلى أحد مواقع التواصل والتحدث مع من يشاء من دون أي رقابة.

ويربط الطبيب التزايد المطرد لحالات التحرش الإلكتروني بعدد من العوامل من أهمها: ﺗﺄﺧﺮ ﺳﻦ ﺍﻟﺰﻭﺍﺝ، ﻭﺷﻌﻮﺭ الشباب ﺑﺎﻟﺤﺮﻣﺎﻥ، وﺳﻬﻮﻟﺔ ﺍﻻﻧﻀﻤﺎﻡ ﺇﻟﻰ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻤﻮﺍﻗﻊ ﻣﻤﺎ ﻳﺴﻬﻞ ﻣﻬﻤﺔ ﺍﻟﻤﺘﺤﺮﺵ ﻓﻲ ﺍﻟﻮﺻﻮﻝ إلى ضحيّته.

 

التحرّش في القانون

تخضع قضايا التحرّش الجنسي في لبنان لنصوص قانون العقوبات الخاص، أمّا بالنسبة للتحرّش الإلكتروني فما زال العمل جارياً في مجلس النّواب لإقرار مشروع قانون يحاسب عليه، ويتولّى الأمر مبدئياً "مكتب مكافحة الجرائم الإلكترونيّة" وهو شرطة قضائيّة لا جهة قضائيّة تلاحق المتحرّشين، كما تؤكّد المحامية حلا كبّارة.

لكن، بقانون أو بلا قانون، هل لدى الفتاة اللبنانيّة الجرأة لرفع دعوى تحرّش ضد أحدهم؟

 

 

 

 

 

 

 

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.