محجبات.. بين "الفرض" و"الفريضة"

الطقس حارّ في الخارج في هذا الفصل من السنة. "الوضع ما عاد ينطاق"، تقولها وهي ترتدي حجابها. تلقي نظرة أخيرة على المرآة، وتخرج من المنزل. في الشارع تترصّد أعين الناس، الجميع يحدّقون بها، أو على الأقل هذا ما تشعرُ به وحدها. لا تحتاج لأن تسأل نفسها عن السبب، فهي "تعلم جيداً أنّ الحجاب هو ما يجذب تلك النظرات اليها".

في الجانب المقابل من الشارع، فتاة تترجّل من "الباص"، وتتَجه نحو المقهى حيث صديقاتها، "تُحدّث، تضحك، تُناقش، وقد تُغنّي أحياناً..". هي أنثى تعيش التزامها بنكهة فردية مفعمة بـ"قبول الذات واحترامها"، ومن دون فرض، أحبّت في نفسها "الحجاب"، وأصبح جزءاً من كيانها.

كلّ من هاتين الفتاتين تمثّل واحدة من بين كثيرات يختبرن الحياة بتقلّباتها من خلال "حجاب". الحجاب واحد، لكنّ الأفكار متعددة، وكذلك التجارب. لكلّ فتاة تجربتها ونظرتها الخاصة للحجاب والالتزام وحتّى الإيمان، الّا أنّ المجتمع اللبناني وألسنة الناس لا تعرف من الخصوصيّة والحريّة سوى الشعارات.

النقاش يحتدم بين المؤيدين للحجاب والمعارضين له. الأخطر أن هذا النقاش قد تجاوز مسألة المجتمع والتقاليد، وقفز إلى نقاش في جوهر وأساس الحجاب في الدين الإسلامي، وهو ما فتح جدالاً لم ينته إلى اليوم، بالرغم من أن عموم الفتاوى تؤكّد على فريضة الحجاب، في حين أن المعترضين هم بمعظمهم من المفكرين والكتّاب وأصحاب الرأي، حتى بدا أن بعضهم يفتعل مشكلة في هذه النقطة تحديداً بهدف تحقيق الشهرة.. ولو على حساب التلاعب بالفقه الديني.

اصطدام مع الواقع

في مجتمع متديّن لا اختلاط فيه، كبُرت حوراء (22 عامًا) مرتديةً الحجاب الذي فُرض عليها منذ كان عمرها ثماني سنوات، ومكافأة والديها لها كانت "المزيد من السكاكر والشوكولا". لكن سرعان ما تبدّل الطّعم، وما عادت السكاكر تُشبع رغبتها بالمعرفة. "بدأتُ التفكير بمعنى الحجاب عندما عاشرتُ أُناساً من توجّهات فكرية مختلفة"، تقول حوراء، "وحينها فقط عرفَت أنّ أهلي مخطئون، فشرف الفتاة لا يٌقيّم بقطعة قماش".

المعرفة وحدها لم تكُن كافية لإقناع والديها بقرار خلع الحجاب، ولاقت حوراء الرّفض التام عندما صارحتهما بما توصّلت إليه، "فحتّى التفكير في قاموسهما ممنوع". ولم يكتفِ أهلها بهذا الردّ، حيث تُفيد بأنّها تعرّضت للضرب باعتبار أنها تحاول "الخروج عن الدين الاسلامي"، والعذاب النفسي الذي مرّت به كان مريراً. وتابعت قائلة "أبي سيتبرّأ مني في حال أقدمت على هذا الفعل الذي يجلب العار بالنسبة إليه". هي تصرّ على أنّ "الحجاب لا يعني بالضرورة الحشمة".

تسأل حوراء "على أي أساس يا ترى يُحدّد مفهوم الحشمة؟ أليست الحشمة بالأفعال؟ وماذا عن حشمة الرجل وحَجب نظره؟ لماذا تُجبَر المرأة على تقديم تنازلات لإرضاء المجتمع؟ وهل السافرة مش منيحة؟! الأخلاق السيئة كما الحسنة، لا تنحصر بفئة دون أخرى".

حرية شخصية

الناشطة في المجتمع المدني داليا المقداد اختبرت تجربة خاصة ومميّزة، فقرارها لم ينتُج عن علاقة عدائية مع الحجاب، فهي ارتدته سابقاً "بملء ارادتها"، وتعتبر أنّ الموضوع لا يرتبط بالإيمان أو عدمه بل "بكيفيّة الإيمان"، وهو يمثّل "حرية شخصية". بدورها مريم (21 عاماً) تؤكّد على أنّ "الموضوع مرتبط بحريّة شخصية"، وتضيف "لكن أحياناً المحيط والظروف يفرضان على الفرد خياراً ما في سنّ صغير، الّا أن الأمر يختلف تمامًا عندما ينضج الفرد".

رغم الصعوبات التي تواجه المرأة عند خلع الحجاب والضغوطات الاجتماعية التي تمارس عليها، ترى داليا أنّ "الموضوع بات أسهل، ففئة كبيرة من الشباب أصبحت أقل تبعية للخطاب الديني التقليدي"، وتفسّر أنّ القرار هذا قد يأتي نتيجة "نضج في تفسير العلاقة مع الله والآخر والجسد"، لافتةً الانتباه الى أنّه "عند اختلاف طريقة التفسير عن خطاب العامّة السائد قد يتخيّل المجتمع أنّ هذا الموقف مضادّ له، وليس فقط مختلف عنه".

"أُؤمن بأولويّة مناصرة المرأة للمرأة بحقوقها"، تقول داليا، مبديةً أسفها لأنّه "في كثير من الأحيان تكون المرأة في مجتمعنا أكثر حدّة من الرجل في طريقة مواجهة موضوع خلع امرأة أخرى للحجاب".

يختلف مفهوم ساعة الصفر في ما يتعلّق بمسألة الحجاب، اذ هناك من تنتظر أحياناً الوقت والمكان المناسبَين لتُقدم على خطوة ارتداء الحجاب بشغفٍ كليّ. ضحى هريش (20 عاماً) وجدت في الحجاب "حقيقتها"، وهي التي ارتدته منذ ما يقارب ثمانية أشهر، تقول لـ"الرقيب" "اكتشفت أنّ الحجاب هو ما كان ينقصني لكي أكتمل".

قرار ارتداء ضحى للحجاب سبقه خوفٌ يشبه ذلك الذي تشعر به من تريد خلع الحجاب، وتشرح قائلة "تردّدت سابقاً جرّاء خوفي من ردّة فعل المجتمع، ولكنني فكّرت بشكل منطقي ووجدت أنّ هذا ما يناسبني".

ضحى "لن تتراجع عن حجابها"، حتى وإن كان الثمن "ضيق فرص العمل"، وتعلّق "ما لازم نبقى عايشين على أساس المجتمع شو بدّو، بل نحنا شو بدنا".

أما حوراء فإن جُلّ ما تنتظره هو السّفر عن طريق الزواج، فهو اللحظة المناسبة لتنفيذ قرارها بخلع الحجاب "الذي يضع حدوداً بيني وبين الآخرين ويؤثّرعلى امكانية حصولي على عمل، في مجتمع يدّعي الحرية وتستشري فيه الطائفية من الزواريب الضيقة الى الإدارات والطبقة السياسية".

"التفكير بنظرة الناس" هو ما دفع حوراء الى اعتبار السفر "الخطوة المبرّرة الأنسب" في مجتمع يُقيّد قراراتها، لتدّعي لاحقاً أن "قانون البلد الذي سافرت اليه لا يسمح بالحجاب".

يوم الحجاب العالمي

في الأول من شباط يُقام يوم الحجاب العالمي في ما يقارب 116 دولة، وتدور فعاليات هذا اليوم حول محاولة رفع الوعي حول الحجاب وتعميق فهم الآخرين عنه.
وقد تمّ الاحتفال لأول مرة باليوم العالمي للحجاب في عام 2013، حيث جاءت بالفكرة "ناظمة خان" التي تقيم في ولاية نيويورك الأميركية، وفي هذا اليوم تكون الدعوة لجميع الفتيات المسلمات وغير المسلمات لوضع الحجاب ومعرفة انطباعاتهم عن هذه التجربة.

 مروى بلوط
(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.