"صهر الجمهورية": ذكي كتير.. أو عميل كبير!

نورما ابو زيد

* هو الوزير "السوبر"، أو الـ "سوبر" وزير، الذي شبّهه عمرو موسى بـ"عزرائيل"، واحتار "عماد" الجمهورية بأمره ذات مرّة، فقال إنّه "ذكي كتير أو عميل كبير".

* الوزير الذي "يشغل" منصب "صهر الجمهورية" حتى نهاية عهد رئيس الجمهورية، هو ظلّ الرئيس وشريك في "صناعة" رئاسته.. فالرجل الذي يبدو "مسكوناً" بمسيحيّته، خطاباً وممارسةً وصلباناً على رؤوس الجبال، اتّهم "تيار المستقبل" ذات يوم بأنّه "داعشي" مع ربطة عنق، ولكن رغم "مسيحيّته" ورغم "داعشيتهم"، لم يفوّت مناسبة التواصل معهم، والتوصّل تالياً إلى تسوية رئاسية تاريخية "تريبل"، حقّقت حلم عمّه في رئاسة الجمهورية، وحلم الحريري بالعودة إلى السرايا، ووصلت حبل الودّ المقطوع بين "البرتقاليين" و"الزرق".

* باسيل الذي تبارى الخصوم على مقته طيلة 11 عاماً من عمره السياسي، عادوا وخطبوا ودّه، وقد نجح في العام الأخير بـ"تصفير" المشاكل معهم، وكانت البداية مع "معراب"، واستُكملت بـ"بيت الوسط". ولكن الزعيم الشمالي سليمان فرنجية الذي عانى من "الكيمياء المفقودة" مع "صهر العهد" منذ "عهد" تحالفهما، لم يشمله "العفو الباسيلي"، ووصل الأمر بينهما مؤخراً إلى حدّ "المودة المفقودة".

* عن "الرجل الخارق" الذي يُدعى جبران باسيل، كُتب الكثير وقيل أكثر. فاسم جبران باسيل لا ينزل برداً وسلاماً على صدور كثيرين، والرجل بدوره لا يبخل على كارهيه بما يغذّي كرههم، وكثيراً ما يضحك في سرّه مغتبطاً ويمدّ لسانه لكلّ الكارهين متلذذاً بإغاظتهم.

* باسيل الوافد حديثاً إلى عالم السياسة، مقارنة مع سياسيين آخرين مخضرمين عمرهم من عمر الحرب اللبنانية، تنطبق عليه مقولة "ما في بالميدان غير .. جبران". فلقد فعلت علاقة المصاهرة فعلها من دون أدنى شكّ، ولكن ربط الثقة التي يمحّضها الرئيس لباسيل بـ“Bonus” المصاهرة فقط، فيه الكثير من التجنّي، فللعماد عون صهرين آخرين، وابن أخ وابن أخت يعملون جميعهم في الشأن العام، ولكن يبدو أنّ متابعة جبران لملفاته على أكمل وجه، جعلته الأقرب إلى قلب "العمّ" الذي يحبّ الكمال.

* الوزير الذي اعتبره الحلفاء قبل الخصوم شخصية منفّرة حتى الاستفزاز، أكّدوا مراراً وتكراراً  أنّ علاقة عمّه بكافة الأفرقاء السياسيين كانت لتكون أفضل لولا تنصيبه وسيطاً وحيداً. ولكنه رغم ما قيل وما يقال وما سيقال، كان ولا يزال رجل المهمات السرية والمحادثات الثنائية والشروط التعجيزية، وقد نجح في كلّ "المواد" التي امتُحن فيها، ولم يرسب إلاّ في امتحان الانتخابات.. والحق على الدوائر الانتخابية!

* أوّل اختبار خضع له باسيل كان على خطّ الرابية ـ الضاحية، وقد أثمر تواصله مع الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصر الله، "ورقة تفاهم" قلبت المعادلات السياسية على الساحة اللبنانية، وأهّلت المسيحيين لدخول "جنة السلطة". أمّا تجواله على خطّ الرابية ـ معراب، فقد أنجب تفاهماً ثانياً، خلط كلّ الأوراق السياسية، ونزع حياةً من "14 آذار" وزرع أخرى في "8 آذار"، وقد أهّل هذا التفاهم العماد عون لأن يصبح مرشحاً رئاسياً بلا منافس، بينما تجواله على خطّ الرابية ـ بيت الوسط، أنجب تفاهماً رئاسياً، حمل العماد ميشال عون إلى القصر الجمهوري.

* المفاوض المحنّك والصعب جبران باسيل، دفع الأمين العام السابق للجامعة العربية عمرو موسى بعد يومين من البحث المضني معه في القانون الانتخابي، إلى مخاطبة عون على هامش مفاوضات الدوحة في العام 2008، قائلاً: "ده اسمو جبران باسيل أو عزرائيل؟ ده طلّع روحي".

* عون الذي يطرب لدى سماعه كلمات الإطراء عن صهره، سبق غيره في القول عن باسيل عندما زاره لأول مرة في منفاه الفرنسي: "هيدا ذكي كتير أو عميل كبير!".

* صهر الجمهورية، فتح له الحظ أبوابه عندما دخل عتبة منزل "عماد الجمهورية" عام 1999، إذ لم يفز بقلب ابنة الجنرال فقط، وإنما فاز أيضاً بقلب الجنرال، وقد يكون العماد عون أشد إعجاباً بجبران من ابنته الصغرى شانتال، وحبّ الجنرال له وثقته به، جعلاه يُغلق أبواب الجمهوريّة لأجله، وقد تعطّلت حكومات عن التشكيل لأنّ عمّه رفض البحث عن اسم بديل.

* وزير الأرقام القياسية في العمل، الذي يعمل 18 ساعة في اليوم من أصل 24، تنطبق عليه مقولة "لا يرتاح ولا يريح". ديناميكية الرجل تجعله يبدأ نهاره في وزارة الخارجية باحثاً في خليط متشعّب ومتشابك ومتضارب من ملفات النفط والغاز، والقوانين الانتخابية، والانتخابات النيابية والحزبية، والتعيينات العسكرية والدبلوماسية، أضف إلى ترميم البيوت الأثرية، ومن ثمّ الانتقال إلى الضاحية للقاء وفيق صفا قبل وجبة الغذاء، وبعدها التعريج على "بيت الوسط" لإلقاء تحية على شريكه في التسوية الرئاسية نادر الحريري، وما بينهما تناول الغذاء، والتواصل خلال تناوله لوجبته مع سفير روسيا ألكسندر زاسبكين لبحث كيفية تنمية العلاقات اللبنانية ـ الروسية،  والقيام في فترة بعد الظهر بجولة مناطقية، والمشاركة مساءً في احتفالية "بترونية".

* الجنرال الذي "سحر" مئات آلاف اللبنانيين منذ العام 1983 حتى اليوم، استطاع الوزير باسيل أن يمارس "السحر" عليه، فانسحر به، وميّزه بشكل فاقع عن صهريه الآخرين، بتجيير إرثه الشعبي والسياسي له، علماً أنّ غريمه كان من أهل البيت أيضاً، وهو كما باسيل صهر، وله حقّ الوراثة. وهكذا نام "التياريون" على رئاسة العماد عون لـ"التيار الوطني الحرّ"، واستفاقوا على رئاسة الوزير باسيل له، مضيفاً إلى سجلات أحزاب الوراثة اسماً جديداً كان في طليعة الشاكين من الوراثة السياسية.

* بعد تولّي الوزير باسيل لقيادة "التيار الوطني الحر"، تأكّد الناس بأنّه الابن الذكر الذي لم يلده "الجنرال"، إذ فضّل على رأس تياره السياسي الصهر المدني عوضاً عن الصهر العسكري، رغم أنّ صفات القتال والإقدام والشجاعة التي يتمتع شامل بها، لها رواجها في الأوساط الشعبية المسيحية، وتحديداً في أوساط مناصري "التيار".

* بالرغم من معارضة "تياريين" لتولّي الوزير جبران باسيل قيادة "التيار الوطني الحر"، التاريخ يشهد بأنّ الرجل كتب ـ بالتكافل والتضامن من عمّه ـ سياسات "التيار" حرفاً حرفاً. كان في زمن فقر الحال السياسي والمالي الذي سبق جيش المستشارين والمموّلين، يغنّي على نفس موجة "الجنرال"، وهو يكتب الردود على التهجّمات السياسية. كان يكتب جملة و"الجنرال" يكتب الجملة التي تليها في تناغم لا مثيل له بين عمّ وصهره.

* في ولع الرئيس عون بالوزير باسيل، "بيّ الكلّ" يصبح لدى الحديث عنه "بيّ جبران"، ولطالما ردّد أمام زائريه: "جبران نشيط وذكي ومتمكّن من ملفاته.. وما حدا بيغبّر عليه…".

*على سيرة حذاء باسيل، من المعروف أنّ الوزير "السوبر مان" في النشاط والديناميكية، لا يجد وقتاً للتسوّق، ولذلك بدل أن يذهب هو إلى محال الأحذية، تأتي المحال إليه، في الوزارة التي يكون على رأسها، وما ينطبق على الأحذية ينطبق على الملابس.

* عام 2008، عيّن جبران باسيل وزيراً للاتصالات، فمنع "بخششة" الأرقام المميّزة، وأودع مداخيلها الخيالية في خزينة الدولة، وعندما عيّن وزيراً في وزارة "الطاقة وكلّ الطاقات" وضع حداً للسوق السوداء في بيع المحروقات وشرائها، وشركات استيراد المحروقات شهدت له بأنّه أوّل وزير طاقة لا يفرض عليها "الخوات"، كما وضع حداً لجشع أصحاب المولدات في تسعيرة تحددها وزارته كلّ شهر، وعندما عيّن وزيراً للخارجية أطلق برنامج استعادة الجنسية اللبنانية.

*كاد أن يكون جبران باسيل سياسياً بأوصاف مكتملة، لولا ارتكابه لخطيئة سياسيي "جهاد المال"، ويتناقل مناصرو "التيار الوطني الحرّ" صورة تجمع عدداً من رجال المال والأعمال الذين انتموا "زوراً" إلى "التيار"، والذين لا يمتّون إلى تاريخه النضالي بصلة، ولا إلى الأخلاقيات التي قام عليها، وأُرفقت الصورة بالكلمات التالية: "تحية من مناضلي التيار الوطني الحرّ الجدد، أمّا الذين ناضلوا حقيقة فقد باتوا خارج الصورة.. والله يرحم يللي راحوا".

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.