"الاتحاد".. حزب عبد الرحيم مراد!

نغم أسعد

مع تحوّل الناصرية إلى تيارات متعدّدة ذات أحزاب ضعيفة ومفكّكة، تحوّل حزب "الاتحاد" إلى "حزب عبدالرحيم مراد" الذي سار عكس المزاج السنّي في الكثير من المحطات السياسية ولم تستطع أي شخصية مُقارعته أو تغييبه عن المشهد السياسي، في البقاع تحديداً. وعلى الرغم من الاتهامات بسوء استخدام السلطة، والتي تنسحب على معظم الأحزاب اللبنانية، إلا أنه يُحسب لمراد أنه أنشأ مؤسسات ضخمة من رحم حزبه.. وإن لم تكن ملكيتها للحزب.

حزب من رحم الناصريين

في العام 1948، وبعمر السنوات الست، تعلّم عبدالرحيم مراد درسه السياسي الأول: "القضية الفلسطينية"، بعدما شرحت له والدته أن القافلة التي مرّت أمامهم في البقاع لا تعود للبدو بل لفلسطينيين فرّوا من بطش اليهود. في عمر النضوج، يروي مراد لـ"الرقيب" أنه انتمى بالغريزة العروبية إلى التفكير الناصري بعدما شدّته خطابات الزعيم جمال عبدالناصر عن العروبة وفلسطين. في تموز 1966، يوم أقسم الولاء إلى تنظيم "الطليعة العربية" السرّي الذي يرأسه عبدالناصر، بكى مراد ورفاقه فرحاً بأنه أصبح جزءاً من حزب عبدالناصر وحمل الاسم الحركي "رفعت الشبراوي".

شكّلت وفاة عبد الناصر "الفاجعة" التي أنهت موجة الأحزاب الناصرية في العالم العربي، لكنّها في لبنان، استطاعت أن تجتمع في "الاتحاد الاشتراكي العربي" الذي شكّل النواة للتنظيمات الناصرية اللبنانية لاحقاً. وفي خضم الأزمة الفلسطينية، تشتّتت الأحزاب الناصرية اللبنانية من منطلق أن كل تنظيم "يُريد أن يكون هو القائد"، وفقاً لمراد. وهكذا تشّعب "الاتحاد الاشتراكي العربي، وفشلت محاولات توحيد الناصريين. ويروي مراد أنه خلال احدى اللقاءات مع الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، قال له أبو عمار: "وحّد الناصريين يا أبو حسين"، فأجابه: "كيف أوحّد والشعب الفلسطيني يُنجب والقذافي يمدّ بالحليب؟".

بعد ذلك كان قرار إنشاء "حزب الاتحاد". في العام 1977، أنشأ الحزب مدرسة الشهيد محمد الحسن (مسؤول في الحزب في منطقة المسلخ)، وهي أول مؤسسة تربوية له، وكرّت من بعدها سبحة المؤسسات التي أُنشئت في البقاع بدعم مادي من ليبيا وتبرّعات من المغتربين البقاعيين. وطبعت الحزب الصبغة المناطقية لأن البداية كانت من البقاع، حيث طغت المشاريع التربوية على المشاريع التنظيمية والسياسية للحزب. لكنّ مراد يرفض هذا التوصيف مستشهداً بأن الجامعة اللبنانية – الدولية التابعة للوقف السنّي في "جمعية النهضة التربوية الاجتماعية"، وهي "فخر الصناعة المرادية"، أصبح لها فروع عدة في المحافظات اللبنانية كلّها، فضلاً عن أن الحزب يضمّ ألفي منتسب في كل المناطق اللبنانية. وخلال الشهر الماضي، تحوّل اسم الجامعة، المقامة على العقار 111 في منطقة المصيطبة، إلى "الجامعة الدولية في بيروت" (BIU) لتُعبّر عن طبيعة الجامعة، بعدما حصلت على ترخيص بتحويلها إلى جامعة دولية كونها تابعة لممتلكات شخصية، ناهيك عن عقد اتفاقيات دولية مع جامعات أوروبية وأميركية.

"وقف ذرّي"

لكنّ هذا التوسّع التربوي والاجتماعي شابه العديد من الاتهامات بأن مراد "خدع أعضاء حزبه وجمعية التنمية بالتنازل عن ممتلكات الجمعيات التي أنشأها حزب الاتحاد خلال أكثر من 30 سنة، لوقف خيري سُنّي مستثنى من إشراف دار الفتوى. وعندما تنازل أعضاء الحزب عن الممتلكات، عشية الانتخابات النيابية في العام 2005، حوّل مراد التنازل عن الوقف له شخصياً ولعائلته، فبات الوقف الإسلامي الذي تنازل عنه أعضاء الحزب وجمعية التنمية الاجتماعية والثقافية (جمعية حزبية تابعة لحزب الاتحاد الاشتراكي العربي) وقفاً ذرياً مُسجّلاً باسمه وأسماء أولاده وصهره"، وفقاً لاتهامات معارضيه.

ويشرح النائب السابق لرئيس حزب "الإتحاد العربي الإشتراكي" عمر حرب، الذي أعدّ دعوى قضائية ضد عبد الرحيم مراد، لـ"الرقيب" أن الحزب تلقّى الأموال من ليبيا "تقديراً لهذا التنظيم الذي نجح في إقامة مؤسسات ناجحة في كل الحقول، وكان يتمتع بسمعة ممتازة بفضل السلوكيات التي ميّزت قياداته وعناصره، خاصّة في مجال التقديمات للفقراء في لبنان"، مُضيفاً أن مراد "استغلّ" هذه الأموال ليبني جامعة حصل على ترخيص لها باسم "جامعة البقاع"، ثمّ حولها إلى "الجامعة اللبنانية الدولية" (LIU) ثمّ عمد لاحقاً إلى تأسيس شركة "ديبلوماكس" تعود ملكيتها إلى أبنائه وصهره (أبو ناصيف) وضمّها مع "جمعية التنمية" إلى مؤسسة واحدة. وبعدما أُوقفت بقرار من وزارة التربية، عاد عبد الرحيم مراد واستحصل على مرسوم وزاري بتأسيسها استناداً إلى "جمعية النهضة الاجتماعية" وحوّلها "وقفاً شبيهاً بالوقف الذرّي، إذ ورد في أحد بنود النظام أن المتولّي (مراد) على الوقف يحقّ له تعيين الخلف وللأخير حقّ تعيين خلف له من بعده، ناهيك عن تعيين نجله حسن نائباً للمتولي".

الحركة التصحيحية

ويشير حرب إلى أنه إزاء هذا "الاستيلاء" على كل ما يمتّ إلى الحزب بصلة من أصول مالية وعقارية والتي انطلق منها بطبيعة الحال لبناء مخططه والاستيلاء على هذه الأموال وتحويلها لمصلحة الجمعية العائلية التي تمثّلت بشركة "ديبلوماكس"، ظهرت، في العام 2008، الخلافات مع الرعيل الثاني، ما دفع بمجموعة من الرعيل الأول والرعيل الثاني إلى الانتفاضة على مراد، وأعلنوا في بداية العام 2009 تأسيس "الحركة التصحيحية – حزب الاتحاد" برئاسة حسن شلحة والأمين العام محمود حصيد.

واتّهمت "الحركة التصحيحية" مراد بتحويل الحزب "أداة لمنافعه الشخصية وللأقارب والازلام، لاغياً كل الأهداف والمبادئ التي تأسّس عليها الحزب، ليصبح ومؤسساته التربوية والاجتماعية أكبر عملية فساد وإفساد". ورفعوا دعاوى قضائية أمام السلطات الشرعية السنيّة لاستعادة ممتلكات الحزب.

تواصلت "الرقيب" مع الأمين العام في "الحركة التصحيحية" محمود حصيد للوقوف على آخر التطورات القضائية في هذا الإطار، لكنّه أبى أن يتزامن حديثه مع حديث مراد في التحقيق ذاته.

 

عاتب على "8 آذار"

في السياسة، لم تشفع لـ"أبو حسين"، اللقب الأحب إلى قلبه، مؤسساته التربوية. دفع، ولا يزال، أثماناً باهظة، نتيجة تمسّكه وتشبّثه بمواقفه وخياراته السياسية. وسار وزير التربية والدفاع الأسبق، عكس تيار الشارع السنّي في الكثير من المحطات، خسر في العام 2005 معركة رئاسة الحكومة أمام نجيب ميقاتي، قبل أن يعود ويخسر في العام نفسه عضويته في البرلمان، وهو الذي لم يغب عن ساحة النجمة منذ دخوله إليها أول مرة في العام 1992.

شكّلت لقاءات مراد، خلال الفترة الأخيرة، مع الرئيس سعد الحريري وزيارته إلى السعودية ومصر "مفاجأة" على الصعيد السياسي اللبناني. وسأل مُراقبون للوضع: "هل انقلب عبد الرحيم مراد على قناعاته وعلى تاريخه؟ وهل يتودّد للسعودية في هذه اللحظة الحرجة والمفصلية طمعاً بلعب دور سياسي في المستقبل القريب والبعيد؟".

معارضو مراد اعتبروا أن هذه اللقاءات تأتي من باب "محاولة الوزير السابق دفع هذه الأطراف إلى ممارسة الضغوط على السلطات القضائية الشرعية لعدم إقرارها حكماً لصالح المعترضين".

لكنّ مراد يُشير لـ"الرقيب" إلى أن موقفه واضح، منذ أكثر من أربعين عاماً، لناحية دعم المقاومة "فأنا حليف دائم للمقاومة وهذا ما يغفر لهم خطاياهم بحقّي". ويشرح مراد أن فريق "8 آذار" لم يدعمه سوى في انتخابات العام 2009، أما في العام 2005، فيعتبر أنه خسر الانتخابات النيابية "بعدما دفع ثمن اغتيال الحريري نتيجة التحريض المذهبي والطائفي".

ويُضيف أن لقاءه مع الحريري يأتي من باب "التلاقي في الشارع السنّي الذي كان السبّاق في قضايا العروبة، تمهيداً لحوار وطني شامل"، مضيفاً أنه كان على الدوام يُؤكد ضرورة اتخاذ "خطوات عدة انقاذاً للبلد والتمسّك بالوحدة الوطنية". كما يؤكد أن زيارة السعودية تقتصر على كونها "تلبية لدعوات تربوية ليس أكثر". أما عن زيارته إلى مصر، فيؤكد أنه مقتنع بأن مصر "مُكلّفة من الله بقيادة الأمة العربية. لكن ما تشهده مصر هو مشروع زعيم، ونتمنّى أن تعود لتأخذ دورها القيادي".

 

 

"أبو حسين"

دخل عبد الرحيم مراد البرلمان اللبناني للمرة الأولى في العام 1992. وكان حليفاً "سنّياً" قوياً لسوريا منذ ما بعد الطائف. شارك في أغلب الحكومات الحريرية: عام 1994 وزيراً للتعليم المهني والعالي، ثم وزيراً للتربية والتعليم في حكومة الألفين. عام 2003 كان وزيراً للدولة. وحين اغتيل الرئيس رفيق الحريري في 2005 كان وزيراً للدفاع في حكومة عمر كرامي.

أما نيابياً، فقد احتلّ أحد المقعدين السنيين في دائرة البقاع الغربي – راشيا عن دورات 1992، 1996 و2000. ثم خسر معركتين نيابيتين بعد اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري في العامين 2005 و2009.

 

(شارك هذا المقال)

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.