"المستقبل" بين "الشيخ زنكي".. و"أكل الكتف"ّ!

 

من كان ينتظر أن يصفّق "تيار المستقبل" للعملية العسكرية التي يخوضها "حزب الله" في جرود عرسال، يكون قد وقع في محظور سياسي كبير، ويكون قد كشف ضعف قراءته السياسية والواقعية للمعطيات التي تتحكّم بمواقف "المستقبل" والظروف التي تفرض نفسها عليه.

أساساً، تأخّر موقف "تيار المستقبل" كثيراً عن مواكبة معركة جرود عرسال. حتى وسائل إعلام "التيار"، جريدة وتلفزيون "المستقبل"، تعاملت مع الوقائع العسكرية كما هي من دون تدخّل، وهي وجدت في الاعتداءات التي نفّذها الاحتلال الاسرائيلي على المسجد الأقصى فرصة ذهبية لتبرير "إدارة الظهر" لمعارك جرود عرسال.

كان رئيس الحكومة سعد الحريري يدخل البيت الأبيض هذه المرّة، وهو واثق من أنه لن يتعرّض للإقصاء ليصبح رئيساً سابقاً أثناء لقائه الرئيس الأميركي دونالد ترامب. بينما كانت "كتلة المستقبل" تعلن موقفاً يمثّل "الحدّ الأدنى" من خطابها السياسي الذي اعتمدته في مراحل سابقة ضد "حزب الله". وصّفت "جبهة النصرة" بأنها تنظيم إرهابي، لكنها اعتبرت أن "لاشرعية سياسية أو وطنية للقتال الذي يخوضه حزب الله تحت أية حجةٍ كانت". وتمسّكت في المقابل بتمركز الجيش اللبناني في جرود عرسال، لكنها استعادت مطلب نشر قوات الأمم المتحدة على الحدود الشرقية والشمالية مع سوريا.

هل كانت "كتلة المستقبل" قادرة على موقف بسقف أعلى أو تأييد الحملة العسكرية لـ"حزب الله" في جرود عرسال؟

الواقع أن هذا الأمر كان سيكلّف "تيار المستقبل" والرئيس سعد الحريري، ما تبقّى له من رصيد في الشارع السني الذي صار ينظر إلى "تيار المستقبل" على أنه في "غربة" عن "بيئته".

واهمٌ من يعتقد أن الشارع السني ينظر إلى معركة "حزب الله" في جرود عرسال على أنها "لتحرير أرض محتلة". صحيح أن المزاج العام في الشارع السني ليس مؤيداً لا لـ"جبهة النصرة" ولا لـ"داعش".. لكنه لن يكون مؤيداً لـ"حزب الله".

يعرف "تيار المستقبل" أن بيئته تنظر إلى معركة جرود عرسال على أنها بين "السنّة والشيعة" وأنها "امتداد للمواجهة السنية ـ الشيعية بين السعودية وإيران من اليمن إلى العراق وسوريا.. إلى لبنان".

حجم الحرج الذي أصاب الرئيس سعد الحريري كبير جداً في التعامل مع هذا الوضع: كيف يوازن بين الموقف السعودي المعادي كلياً لـ"حزب الله" وبين عدم اتخاذ موقف من معركة جرود عرسال؟ كيف سيدخل البيت البيض من دون موقف علني واضح من "حزب الله" بينما سيّد البيت الأبيض يرى في "حزب الله" صورة العدو الذي يجب القضاء عليه؟ كيف سيلتقي المسؤولين عن العقوبات للتضييق على "حزب الله" بينما لا يعترض على الحملة العسكرية لـ"حزب الله" في جرود عرسال؟ كيف يوازن بين مواجهة "حزب الله" بأنه "خارج عن سلطة الدولة" وبين شراكته معه في الحكومة؟

تأخّر موقف "تيار المستقبل" وأدار الرئيس سعد الحريري محركات طائرته ليقلع نحو واشنطن، لكن الشارع السني كانت نبرة احتجاجاته تتصاعد ضد الحريري و"المستقبل" منذ العملية التي نفّذها الجيش اللبناني في "مخيم النور" للنازحين السوريين في عرسال، والالتباس الذي حصل في وفاة 4 موقوفين لدى الجيش قبل أن يحسم التحقيق أسباب الوفاة بأنه لا علاقة للجيش بها.

أطلق "حزب الله" العملية العسكرية في جرود عرسال، وقد بذل جهوداً كبيراً لعزل هذه العملية عن أي بعد مذهبي وإعطائها بعداً وطنياً كاملاً، إلا أن ذلك لم ينفع في إقناع بعض المزاج السني المحتقن أصلاً ضد "حزب الله" حتى ولو كانت العملية العسكرية ضد إسرائيل!

صمتُ "تيار المستقبل" وتجنّبه اتخاذ أي موقف مباشر، زاد من الحملة على الرئيس سعد الحريري وعلى تياره. استعاد الشارع السنّي مراحل سابقة عندما كان الحريري خارج الحكم: كيف حصل "يوم الغضب" ولماذا؟ كيف نظّم "المستقبل" حملات "التكفير" ضد كل من يلتقي أي مسؤول من "حزب الله"؟ كيف قاد "المستقبل" التظاهرات ضد حكومة الرئيس نجيب ميقاتي بسبب وجود "حزب الله" في تلك الحكومة؟ كيف نُصبت الخيم ونفّذت الاعتصامات على مدى سنوات؟

المفارقة أن الحملة المضادة على "تيار المستقبل" لم تأتِ من جمهور الرئيس نجيب ميقاتي "ثأراً" من "المستقبل" وأفعاله أيام حكومته، إنما الحملة جاءت ممن كان شريكاً في تنظيم حملات "المستقبل" وإدارتها، ولذلك فإن هذا "الشريك" يعرف جيداً هذه الأساليب التحريضية، وهو اليوم "قلَبَ السحر على الساحر"، فالطرفان كانا طرفاً واحداً في مواجهة حكومة ميقاتي، ولذلك فهما "دافنين الشيخ زنكي سوا".

استثمر وزير "المستقبل" السابق اللواء أشرف ريفي في معركة جرود "عرسال" ليصوّب على "المستقبل" في شارعه، ويصيبه في ما بقي له من تعاطف في الشارع السني.

أدرك تيار "المستقبل" أن ريفي "يعرف من أين تؤكل الكتف"، ووجد أنه في مأزق بين نارين:

إما مسايرة بيئته ومعاكسة المسار الجاري في كل المنطقة، وبالتالي خسارة موقعه في الحكم وخروجه من المعادلة السياسية.. ربما نهائياً.

وإما معاكسة بيئته والرهان على تعويض بعض الخسائر لاحقاً، ومسايرة الوقائع في المنطقة وحماية موقعه في تركيبة الحكم الحالية.. وربما في المستقبل.

كانت "الوصفة" قد حضرت لوحدها: الرئيس الحريري يغادر إلى واشنطن للاجتماع إلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب في البيت الأبيض، والرئيس السنيورة يرأس اجتماع "كتلة المستقبل" في بيت الوسط وإصدار موقف "لا يموت فيه الديب ولا يفنى الغنم".. وهذا ما حصل.

هجوم "منسّق"!

يعتقد خصوم "تيار المستقبل" الجدد أن الوزير السابق وئام وهاب قدّم "خدمة مجانية" للرئيس سعد الحريري بحملته العنيفة على الرئيس السنيورة و"تيار المستقبل".

ويعتبر هؤلاء الخارجون من تحت مظلّة "المستقبل" أن رئيس "حزب التوحيد العربي" ساهم في تخفيف الاحتقان في الشارع السني ضد "تيار المستقبل" عندما هاجم الرئيس فؤاد السنيورة بسبب موقف "كتلة المستقبل" الذي اتخذته ضد العملية العسكرية لـ"حزب الله"، مع العلم، وفقاً لهؤلاء "المتمرّدين"، أن الموقف الذي اتخذته "الكتلة" هو "موقف ضعيف جداً حاول تدوير الزوايا لحماية موقع الرئيس الحريري في رئاسة الحكومة".

ولم يستبعد بعض هؤلاء أن يكون موقف وهّاب "منسّقاً" لتخفيف خسائر الرئيس سعد الحريري في الشارع السني، بل وفي رفع رصيده في هذا الشارع تمهيداً لمرحلة لاحقة يؤدي فيها الحريري دوراً في تخفيف احتقان هذا الشارع.

 خضر طالب

 

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.