أين أصبحت قضية صرف المعلمين والمعلمات من "روضة الفيحاء"؟

خسرت معلّمة روضة الفيحاء المصروفة ميراي محمود معركتها، وخسر معها زملاؤها نظيرة المقدّم وسارة الحسن  وسراج الحسن، وربح بسببهم زملاء كانوا تبلّغوا قرار الصرف لكنهم صمتوا ووقعوا على القرار، إلا أن كشف ما حصل أربك إدارة المدرسة فأعادت القسم الأكبر منهم، وعاقبت الأربعة، وربما آخرين حصلوا على تعويضات أقنعتهم بقبول التسوية مع الإدارة، واقتصرت عملية الصرف على 4 معلمات بعد أن كان المجموع 24 معلماً ومعلمة!

المفارقة التي طرحتها القضية، أن عملية صرف هؤلاء الأساتذة جاءت في وقت قاتل بالنسبة لهم، إذ أن باقي المدارس كانت قد استكملت حاجاتها من المعلمين، وبالتالي فإن توقيت قرار إدارة روضة الفيحاء تسبّب بأضرار جسيمة للمعلمين المصروفين، فضلاً عن أن المعلمة سارة الحسن حامل وقيل لها إن سبب الصرف هو حملها!

طرق المصروفون الأربعة كل الأبواب، فكان التعاطف الكامل في البداية، لكن من دون ترجمة عملية. حتى نقابة معلمي المدارس الخاصة التي ثارت ثائرتها بداية، عادت وهدأت وحاولت إقناع المصروفين بقبول التسوية مع إدارة المدرسة، وهوما يثير الاستغراب والأسئلة حول دور النقابة في هذه الحالة!

وفي هذا السياق تقول ميراي محمود:

تواصلنا مع مركز نقابة المعلمين (التي لنا عليها عتب كبير) في طرابلس وزرناه لثلاث مرات وفي كل مرة كان مسؤول النقابة طوني محفوض يثني على شجاعتنا ويشدّ على أيدينا ويشجّعنا على رفع دعوى ضدّ المدرسة الّتي استنكر تصرّفها وتاريخ صرفها لنا بشدّة وبدا غاضبًا جدًا منهم كما راح يندّد بتصرّف كلّ من وقّع استقالته ويضخّ فينا روح الحماسة والتباهي بتصرّفنا إلى أن زار السيد مرعبي وعاد من مكتبه هادئًا مفاوِضًا إيّانا عارضًا علينا صيغة المرعبي التالية : " الزلمة عرض يدفعولكن تعويض الصرف مقابل انو تمضو استقالتكون ،وكرمال الولاد هو رح يتركون سنة ع كفالته وإذا انسأل من مجلس الأمنا رح يقلون نسينا موضوع الولاد وبتمرق ."
وهذا كان آخر تواصل بيننا وبين النقابة الّتي ننتمي إليها ونسند ظهرنا عليها وللأسف كنّا نتوقّع منها الأكثر .

طرق المصروفون باب الرئيس الفخري لجمعية مكارم الأخلاق المشرفة على روضة الفيحاء الوزير السابق عمر مسقاوي، ورئيس مجلس الإدارة، ثم مجلس الأمناء… بلا نتيجة.

حمل المصروفون أثقال قضيتهم، وتوجهوا نحو وزارة التربية، والتقوا مع الوزير أكرم شهيّب "على الواقف"، فأحالهم إلى مستشاره. ولأنهم كانوا يتحسّبون لـ"ضيق وقت" الوزير، أعدوا مسبقاً كتاباً يشرح ما حصل معهم بالتفصيل، ويطرح قضية القانون 29 الذي تتحصّن به المدرسة، وبقية المدارس، ويهدّد الأساتذة في التعليم الخاص بشكل دائم… لكن وزارة التربية عادت وأدارت ظهرها لهم!

في المحصلة، حصلت عملية الصرف التي بدأت جماعية في روضة الفيحاء لـ 24 مدرساً ومدرّسة، ثم تحوّل إلى صرف تعسّفي لثلاث معلمات لم يقبلوا التسوية، ولآخرين رضخوا لقرار الصرف وقبلوا بالتسوية.

وجاء في الكتاب المرفوع إلى الوزير شهيّب:

من المسلَّم به، أنّ ملفّ المدارس الخاصّة وهيئات التّعليم والتّلاميذ وأولياء أمورهم في أزمة حقيقيّة متفجّرة وخطيرة جداَ تُتَرجَم بالتّخبّط الكبير وانعدام الثّقة بينهم، كما النّزوح الكبير من هذه المدارس لعدم القدرة على سداد الأقساط، وخاصّةً بعد الزّيادات في السّنوات الماضية، كما تسريح المعلّمين الآمنين من وظائفهم لتخفيض المصاريف، ممّا يجعل مصير الطّلاب والمعلّمين وأصحاب المدارس مجهولاَ وسوداويّاً…

إنّ حقّ أولادنا في التّعليم اللّائق هو حقٌّ مقدّس وحقٌّ دستوريّ يسبق بأولويّته أيّ حقّ آخر، لأنّه إذا صحَّ سيكون الرّافعة الحقيقيّة لوطننا لبنان، ولن يقوم لبلدنا قائمة اذا لم يتمكّن أغلبيّة أبنائنا من نيل العلم والتّربية في مدارس لائقة وبمواصفات جيّدة على الاقلّ، لأنّ الجهل والانفلات سيكونان المصير المحتوم لهذا الوطن الجريح اذا حصل عكس ذلك.

إنّ المدارس الخاصّة وأفراد الهيئة التّعليمية فيها ـ ونحن منهم ـ في ظلّ تعذّر الدّولة عن أداء دورها في تطوير المدارس الرّسمية وقدراتها الاستيعابيّة كما يجب، خرّجت من لبنان والى العالم شخصيّات لامعة في كافّة المجالات ولذلك يجب أن تكمل دورها الرّياديّ مع الأخذ بعين الاعتبار الوضع الاقتصاديّ الضّاغط.

إنّ المطالبة بتطبيق القوانين بشفافيّة واحترافيّة يجب أن تكون مطلباً جامعاً للمعلّمين وإدارات المدارس قبل أولياء الأمور، لأنّهم المعنيّون بتعليم أولادنا احترام القوانين وعدم تجاوزها، وتعليمهم الدّيمقراطيّة الصّحيحة والتّعاضد الاجتماعي، والمطالبة بحقوقهم، ووقوفهم في وجه الظّلم والتّعسّف، وعدم الخضوع للأمر الواقع قبل الموادّ العلميّة والأدبيّة.

ومع إقرارنا بأحقّية قانون سلسلة الرتب والرواتب التي ناضلنا من أجلها، ولكنّ التطبيق الخاطئ للأسف، وخاصة أنّه أصبح من المعروف أنّ معظم المعلّمين يوقّعون على أرقام أكبر من التي ينالونها، أضرّ أشدّ الضّرر بفئات عديدة، وخاصّةً العاملين في القطاع الخاصّ وأهالي الطلاب الذين زادت عليهم الضّرائب وخفّ مدخولهم بسبب عدّة عوامل ومنها الأزمة الاقتصاديّة الخانقة الّتي تمرّ بها البلاد. ولذلك، وفي ظلّ هذه الظّروف، نرى أنّه من الظّلم والإجحاف أن يُطلَب من أولياء الأمور أن يتحمّلوا وحدهم الأعباء النّاتجة عن زيادة الأقساط المدرسيّة التي لم يعد باستطاعتهم الاستمرار فيها، لأنّ كلفة الأقساط لم تعد تتماشى مع الدّخل الفردي للغالبيّة الكبرى من الشّعب اللبناني. ولا حلّ إلّا بفتح حوار وفتح دفاتر وميزانيّات المدارس الخاصّة ليتشارك الجميع بالقرار، وليأخذ كلٌّ حقّه وتتوزّع الخسائر على الجميع بالتّساوي.

نحن كأفراد من الهيئات التعليميّة، وكأهالي طلّاب أولاً، عايشنا هذا الواقع المرير حتى وصلت الأمور بعد سنوات طويلة من الخدمة أن نُصرف في منتصف العمر. وبعيداً عن مظلوميّتنا الحاليّة، نودّ أن نطرح ـ بعد استشارات معمّقة للحالة الواقعيّة والقانونيّة التي أرخت بظلالها، وبعد مراقبة وتجارب كثيرة مع إدارات المدارس ولجان أهل وأولياء أمور على مدى سنوات ـ رؤيتنا لما يمكن أن يكون حلّاً سريعا ً وعادلا ً وعمليّاً يجنّب الأهالي والتّلاميذ والمدارس النتائج الكارثيّة التي ستلحق بهم إذا استمرّ الوضع في الانحدار الحاصل، ولكي نجنّب غيرنا الكأس المرّة الّتي نشربها:

الرؤية العامة:

ـ منع ايّ زيادات أخرى على الأقساط المدرسيّة قبل التّدقيق الحقيقي والحوار، لأنّ الأزمة لا يجوز تحميل أعبائها حصراً لأولياء أمور الطلاب، خاصّةً أنّ الوضع وصل إلى حائط مسدود، ممّا سينعكس سلباً على المعلّمين والمدارس كما هو حاصل حاليّاً.

ـ إصدار تعميم من وزارة التّربية يجبر المدارس على تعديل تاريخ ٥ تمّوز لإبلاغ المعلّم قرار إنهاء خدماته، ليكون ضمن مهلة أقصاها تاريخ تقديم الموازنات في بداية العام الدّراسي، أي قبل ٣١ كانون الثاني ليكون له الوقت الكافي لترتيب أموره وأمور أولاده، والأخذ بالاعتبار أنّ قرار طرد آبائهم أو أمّهاتهم هو قرار غير مباشر بطرد أولادهم، لذلك المطلوب صيغة عادلة لعدم إلحاق الأذى المعنويّ لهؤلاء التّلاميذ بسلخهم عن المدرسة التي أمضوا حياتهم فيها.

تفعيل المجالس التحكيميّة التربويّة لفضّ الخلافات بين أولياء الأمور والإدارة، كما إنشاء مجالس مماثلة بين الإدارات والمعلّمين في حال نشوء خلاف.

ـ تفعيل القوانين المعنيّة بعلاقة المدارس مع أولياء الامور ولجان الاهل، والمتعلّقة بالحقوق الماليّة والمراقبة والشّفافية على أساس الميزانيّات وقطع الحساب الذي يتضمّن كلّ المداخيل الملحوظة وغير الملحوظة في الموازنات، وإشراك المعلّمين فيها، وفتح حوارات حقيقيّة وشفّافة بينهم وفي كلّ مدرسة برعاية الوزارة، للخروج من الأزمة الّتي تطال الجميع، وليتبيّن ما حقيقة العجز المالي للمدارس، وكيف يجب أن يشترك أطراف الحوار في إيجاد مخرج مُرْضٍ للجميع.

ـ عدم السّماح لأعضاء الهيئات التّعليميّة، ونحن منهم، والإداريّة، وكلّ من هو معفى من دفع الأقساط المدرسيّة كلّيًّا أو جزئيًّا، وأزواجهم، من المشاركة في العمليّة الإنتخابيّة للجان الأهل، لا ترشيحًا ولا انتخابًا، لأنّ المعلّمين، للأسف، يخضعون في بعض الأحيان لضغوط لانتخاب لجنة أهل منتقاة من قبل الإدارة.

ـ الطلب من وزارة التّربية العمل على سقوف معيّنة لبعض أرقام الموازنة، ووضع نماذج أو برنامج الكتروني متطوّر يلزم المدارس بتقديم موازناتها السنويّة على أساسه، ويكشف التّوازن ـ كما هو حاصل حاليّاً ـ بين العناصر التالية: الأقساط والمداخيل الأخرى، الرّواتب، والمصاريف والمدفوعات وبيانات صندوق التعويضات، مما يحافظ على حقوق الجميع ويرسّخ الشّفافيّة.

ـ البدء بورشة تشريعيّة تربويّة لتعديل وتطوير القوانين المتعلّقة بالمدارس الخاصّة، وعلاقتها مع الأهل والموظّفين، وماليّتها، لمزيد من الشفافية ولحفظ حقوق الجميع وإتاحة المجال لكلّ فرد اختيار المدرسة المناسبة له وحفظ حقوقه فيها.

إن القيام بعملية تسريح ناجحة لبعض أعضاء الهيئة التعليمية هو أمر صعب للغاية. ومع ذلك، عندما يكون التسريح أمرًا لا مفرّ منه، سيتعيّن على إدارة المدارس أن تفعل ذلك بكرامة وتخطيط مسبق لأنّ قراراتها لا علاقة لها بمستقبل المدرسة فحسب بل بمستقبل المعلمين المسرَّحين وعائلاتهم.

إنّ الهدف الأساس من هذه المطالب هو التمسك بالحصول على أعلى مستوى تعليم للتلاميذ مقابل أقساط عادلة تناسب الأهل والمدرسة والمعلمين المجتهدين مع وجوب التشديد على حقوق المعلمين الذين يستحقّون البقاء والتقدّم، كما إنّ إلصاق صفة "مؤسّسات خاصّة" بالمدارس الخاصّة لا يمتّ إلى الحقيقة بصلة، فهي قبل أيّ شيء يجب أن تكون مؤسّسات إنسانيّة تُعنى بإنشاء الأجيال للمستقبل وتحضيرهم لنهضة بلدهم وتقدّمها، وهذا هو جوهر عمل المعلم الذي يجب ألّا ينساه.

وفي الختام نشدّد أنّ التّعليم بالنسبة للمواطن اللبناني يوازي بأهميته الدواء والطعام، فهو أحد أساسيات الحياة. فكما تقوم الدولة بمراقبة الدواء وأسعاره وجودته وتضبط أرباحه، فالحريّ أيضًا أن تقوم بنفس الأسلوب بوضع ضوابط للمدارس ونوعيّة التعليم.

قد يتحمل اللبناني الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والفساد والرشاوى والنفايات والتلوث وانقطاع الكهرباء والمياه وغيرها من المشاكل المعروفة، لكنه لن يتحمل أن يرى أولاده خارج المدرسة التي تربوا فيها ويطمح أن يتخرجوا منها لمجرد أنهم لم يعودوا يستطيعون إيفاء أقساط فاقت بكثير توقعاتهم المشروعة، أو بسبب طرد تعسّفي لمعلمين أمضوا حياتهم يضحّون ويتعبون لنهضة مدرستهم، وكلّ ذلك للأسف بسبب نأي الدولة بنفسها عن معالجة المشاكل الحاصلة وتراكمها والتقاعس عن ضبطها ووضع حلول جذريّة لها.

إن همّ الأهالي الأوّل أن يؤمّنوا لأولادهم أفضل الظروف وأجدر المعلمين لدراستهم، ولن يكون ذلك بوجود معلمين غير مرتاحين لوضعهم، وغير مطمئنين إلى مستقبلهم.

لم يعد نافعاً إنكار الحقيقة المرة، إنّ الثقة بين الثلاثي المسؤول عن تنشئة الأجيال قد فُقدت، والوضع أصبح كحال بيت ينشأ فيه الأولاد بينما الأم والأب يتعاركون وفي مشاكل دائمة، فالمعلم يدخل الصف خائفاً على مستقبله ووظيفته، والإدارة متوترة بسبب الوضع المالي الضاغط، وأولياء الأمور تحت ضغط الأقساط وتأمينها، وكلٌّ أصبح لديه شعور أنّ الآخر يستغلّه ولا يشعر به، أو أنّ عليه أن يخاف من الفريق الآخر إذا انتقده أو خالفه، مما ينعكس على الأولاد ويدخلهم في تناقضات وعدم استقرار سينعكس على كل حياتهم ويفقدهم الأمان والراحة.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.