المشنوق "يُطلّق" الحريري: نعم.. أنا "أبو راس"!

خضر طالب /

شكّلت الانتخابات النيابية في شهر أيار من العام 2018، نقطة التحوّل في مسيرة نهاد المشنوق، ومسار علاقته بتيار "المستقبل" والرئيس سعد الحريري شخصياً.

خاض المشنوق تلك الانتخابات، من موقعه كوزير الداخلية، وهو يمنّي النفس بحصوله على رقم مرتفع من الأصوات يجعله رقماً صعباً في معادلة سعد الحريري وبيروت والتوازنات في الشارع السنّي، لكنه فوجئ بأن النتائج كانت مختلفة عن حساباته، فاتهم الماكينة الانتخابية لتيار "المستقبل"، وسليم دياب تحديداً بأنه عمل جاهداً لخسارته انتخابياً، أو إضعافه في الحد الأدنى.

قبل تلك الانتخابات كانت التباينات تتراكم بين الحريري والمشنوق، وكان من أبرز دلالاتها إعفاء مستشار المشنوق ماهر أبو الخدود من مهامه في تيار "المستقبل"، والطلب من المشنوق إبعاده، إلا أن وزير الداخلية أصر يومها على بقاء أبو الخدود معه في وزارة الداخلية، وهو ما زاد في احمرار الأعين داخل تيار "المستقبل" من المشنوق بأنه يحاول استثمار وجوده على رأس وزارة الداخلية لتعزيز أوضاعه الشخصية، وأنه "فاتح على حسابه".

لكن التباينات والخلافات بقيت مكبوتة، وتزداد نيرانها احتقاناً… إلى حين انتهاء الانتخابات النيابية، وتكليف الحريري تشكيل الحكومة.

كان المشنوق يمنّي النفس بعودته إلى وزارة الداخلية، أو ترؤس "كتلة المستقبل" النيابية بعد أن أصبح الرئيس فؤاد السنيورة خارج العمل النيابي. لكن الرئيس الحريري الذي يطلق على المشنوق لقب "أبو راس"، قطع الطريق عليه إلى رئاسة الكتلة بداية بتعيين عمّته النائب بهية الحريري على رأس الكتلة. ثم جاءت الضربة القاضية من الحريري للمشنوق عندما أعلن فصل النيابة عن الوزارة في تيار "المستقبل". غضب المشنوق وثارت ثورته وشعر باستهداف شخصي له، وحاول ثني الحريري عن قراره من دون نتيجة… فقرّر الابتعاد.

كلما ازدادت المسافة بين الحريري والمشنوق، كلما استحضر وزير الداخلية السابق محطات "الوفاء" التي وقف فيها إلى جانب رئيس الحكومة، ومن بين أهمها وأبرزها محطة استقالة الحريري من السعودية…

وعندما قبل المجلس الدستوري الطعن بنيابة ديما جمالي في طرابلس، كانت الظروف مؤاتية لتفاهم الحريري مع أشرف ريفي الذي يتهم المشنوق بأنه سبب الخلاف مع الحريري.

بعد ذلك أصبح المشنوق في مكان آخر، وسياق آخر، وحسابات أخرى، وقراءة سياسية مختلفة. حتى بالنسبة للتسوية الرئاسية التي كان المشنوق ينظّر لها، أصبحت بالنسبة له "خطيئة".

"هجر" المشنوق "بيت الوسط"، وكان يعتقد أنه سيعود يوماً إليه معزّزاً مكرماً. لكن خطوط التواصل مع صاحب البيت كانت تنقطع تباعاً. فتّش النائب "المهاجر" عن "صحبة" من رفاقه "المهاجرين" و"المبعدين"، فلم يعثر إلا على القليل منهم، خصوصاً أنه كان سبب "هجرة" بعضهم طوعاً أو كرهاً، أو غيرة وحسداً من موقعه المؤثر في دائرة سعد الحريري الضيقة.

حتى الرئيس فؤاد السنيورة الذي أُقصي هو الآخر من دائرة الحريري، لا يبدو أنه راغب بتقارب مع المشنوق، لاعتبارين: الأول، أنه لا توجد حالة "طلاق" بينه وبين الحريري، وبالتالي لا يريد استفزاز رئيس الحكومة. والثاني، أنه لا توجد "علاقة حبّ" مع المشنوق!

أما "المستقبليين" الذين كانوا سنداً للمشنوق، فقد "انكسرت شوكتهم" أو تم إبعادهم، وفي مقدمتهم نادر الحريري.

أما الذين "غازلهم" المشنوق من القوى السياسية، فقد أداروا ظهورهم له… لم يكن يدرك أن لا مكان للعواطف في السياسة، وإن المعيار هو التقاء المصالح. ولذلك صوّب سهامه في اتجاه من كان يفترض أنهم "حلفاء اليوم الأبيض لليوم الأسود"!

بقي وزير الداخلية السابق يفتش طيلة أكثر من سنة عن صيغة لا تدفعه لـ"جلد" نفسه على موقعه السابق، إلى أن قرّر العمل من موقعه كنائب عن بيروت، واعتماد لغة الرسائل للتمايز عن الحريري، والتقرّب من "المستقبليين" السابقين في العاصمة.

قبل أسابيع، حدّد المشنوق هويته السياسية خارج "المستقبل" عندما أعلن أنه لا يتفق سياسياً مع الحريري. وتعمّد إطلاق مواقف تظهر اختلافاً في الأداء والرؤية السياسية عن رئيس الحكومة.

وبالتزامن، بدأ المشنوق بتجهيز "بيت تلّة السراي" الذي كان أهداه إياه الرئيس الشهيد رفيق الحريري، على بعد أمتار قليلة من مقرّ رئاسة الحكومة، وفي المقلب الآخر من "بيت الوسط"، وذلك تمهيداً للانتقال إليه كمقرّ و"هوية" جديدة له.

كل هذا المسار كان يتقدّم ببطء، ويأخذ وقته، إلى أن نشرت صحيفة "نيويورك تايمز"، قبل أيام، مقالاً مثيراً عن علاقة الحريري بعارضة أزياء من جنوب أفريقيا وأنه دفع لها 16 مليون دولار. وبما أن القضية ليست جديدة، وكانت أثيرت في العام 2013، إلا أن توقيت نشرها بدا كأنه مفتعل. بسرعة قياسية، وجه أنصار تيار "المستقبل" أصابع الاتهام للمشنوق بالوقوف خلف المقال، مستندين إلى علاقة المشنوق مع كاتب المقال، وإلى السرعة القياسية التي قام فيها المقربون من المشنوق بنشر المقال في وسائل التواصل الاجتماعي وكأنهم كانوا يعلمون مسبقاً بموعد نشره ومضمونه.

الحملة على المشنوق كانت قاسية، وهو ليس جاهزاً بعد لمواجهة واسعة مع جمهور "المستقبل"، خصوصاً أنه لا يملك العدّة لهذه المواجهة.

وجد المشنوق نفسه مضطراً لـ"كسر الجرّة" مع رئيس الحكومة سعد الحريري، وإعلان "طلاقه" بـ"الثلاثة" من تيار "المستقبل".

وعلى الرغم من محاولة المشنوق إعلان براءته من "توظيف الحياة الشخصية في الصراع السياسي"، إلا أنه عاد وتحدّث عن "مداراة الفضائح عبر نقل النقاش إلى مكان آخر"، داعياً إلى "الانشغال بمضمون المقال ومعانيه" و"البحث في دلالاته وأبعاده".

لكن المشنوق ذهب أبعد من ذلك بمواجهة الحريري، في رده على توصيفه بأنه "أبو راس"، متوجهاً إلى الحريري بالقول: "أنا فخور أن أكون "أبو راس"، سيظل دائماً مرفوعاً بلا تكبر، حاراً بالهم الوطني لا حامياً بهواجس الطعن والتآمر، مفكراً بالوقائع والحيثيات لا مشغولاً بانفعالات تستند إلى أوهام".

وجاء في نصّ ردّ المشنوق:

فاجأني كثيراً ربط إسمي بمقال نشرته صحيفة "نيويورك تايمز"، ويتناول جانباً شخصياً من حياة الرئيس سعد الحريري، واتهامي بالوقوف خلفه، شاكراً الذين يبالغون في قدراتي الاعلامية الدولية، ومَوْنتي على مؤسسات مرموقة كالصحيفة الاميركية المذكورة.

الحقيقة التي يعرفها كل الناس، أنني لم ألجأ يوماً لتوظيف الحياة الشخصية في الصراع السياسي مع أحد، لا حين كنت وزيراً للداخلية، يتسنى لي بحكم موقعي الاطلاع على ما أريد وما لا أريد أن أعرف، ولا قبلها كمستشار للرئيس رفيق الحريري، ولا في موقعي كصحافي مفتوحة أمامه أكثر المنابر تأثيراً وإقناعاً ومصداقية. ومن لديه وقائع خلاف ذلك فليضعها في تصرف الرأي العام.
وإذ لم أتصرف على هذا النحو مع خصوم وأنصاف أعداء، فحريّ بي أن لا أفعلها مع الرئيس الحريري الذي عرفته منذ 30 عاماً، على الرغم من الخلاف السياسي المعلن لأسباب تتصل بقراءتي السياسية، منذ أكثر من سنتين، للدور والاداء والموقع الوطني لرئاسة الحكومة، والاختلالات العميقة التي باتت تصيب نظام الشراكة السياسية في البلاد.
مع ذلك، أتفهّم حاجة البعض لمداراة الفضائح، عبر تشتيت الانتباه ونقل النقاش من موضوع الى آخر، وإحلال كذبة وقوفي خلف المقال، مكان الانشغال بالمقال نفسه ومضمونه ومعانيه، التي تتجاوز القصة المحددة في المقال، إلى البحث في دلالاته وأبعاده.
كنت أود أن يعفيني الرئيس الحريري من مشقّة هذا البيان، لو أنه أوقف سفاهات بعض الرؤوس الحامية والأخرى الفارغة الا من الحقد والاسفاف، لوقف حملة قديمة جديدة، يعاد نفض الغبار عنها لمهاجمتي بالاكاذيب والاختراعات نفسها.
وبمناسبة الحديث عن الرؤوس، نعم يا دولة الرئيس، أنا فخور أن أكون "أبو راس"، سيظل دائماً مرفوعاً بلا تكبر، حاراً بالهم الوطني لا حامياً بهواجس الطعن والتآمر، مفكراً بالوقائع والحيثيات لا مشغولاً بانفعالات تستند إلى أوهام.
أخيراً، يعرف الرئيس الحريري وغيره أنّ من يسعى للترشّح إلى رئاسة الحكومة عليه أن يستحوذ أوّلاً على موافقته، ومن يعارضه سياسياً لا يكون طالباً للموافقة ولا مرشّحاً للمنصب.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.