عندما يتحوّل الواقع إلى خيال في جوار "أبو علي"!

الدكتورة وفاء شعراني (*)

هل تعرف النهر؟ هل تعرف كيف يجمع "أبو علي" على ضفتيه تاريخاً ممتداً من الوادي المقدس إلى ناحية سوق الأحد؟ في طريقك، لا تَسَل عن البرتقال.. لا تَسَل عن الأيام. وددتُ، أيتها الطريق، لو تسعفني الكتابة فأحكي لماذا لا يتذكر هذا النهر… حتى الماء!

هل تعرف أن تمشي وتمشي من مدرسة السلطانية إلى ساحة الكورة حاملاً الغذاء لأبيك قبل عودتك إلى المدرسة في دوام بعد الظهر، كما كان سائداً، ثم تعود لتنام قرب النهر؟ يحدثُ أحيانا أن يتحول الواقع إلى خيال. ثمّة حبٌّ يطوي لك جسدك، وليلٌ يسهر، ينتظر أن ينطلق في المدينة عاشقٌ للذين ماتوا والذين لم يولدوا بعد!

إذا كنت لا تفهم ماذا تعني تلك الأزقة، فلن يستيقظ الطفل الذي في داخلك. وإن لم تصعد سلالم العوينات لتصل إلى القلعة المستطيلة المتعددة الأضلاع ذات الأبراج والحجب والخندق المحفور في الصخر، لن تدرك كيف تبني للمهرجان السياحي وضوحاً في مجيئك. وإن لم تتابع رحلتك بين العصور، فينيقية وفاطمية ومملوكية، لن تصل إلى صورة طرابلس لدى انتهاء قرن وبداية آخر؛ لن ترى الحياة على بساط تنسجه أشعة الشمس للفن والرقص والمسرح والغناء.

ماذا تريد من مدينةٍ لا يصل إليها أحد؟! تلك الدمى الكئيبة بوجهها المبرهج تستسلم لها مهرجانات المدينة.. كيف؟ ولا أحد يرفض؟ وهي بلا اشتهاء، بلا حلم، بلا حب.

المهرجان هو للسماء المرصَّعة، لأقواس قزح. المهرجان طقس جمال. هكذا أقول لنفسي، إنه الحب ينعشني. المهرجان ليس للأنقاض.

تستعيد ذكريات أيامك في استعادة الطريق من القاهرة الى حلب وصور… بين الأقصى والجامع الأموي ثمّة لحظات عصيَّة على الاستراحة بين مساجد وكنائس، طرابلس. تكلَّم وأنت نائمٌ في سبيل أن تفهم معنىً واحداً: إن هذه المدينة هي للساحات والآفاق تستحق أن تضاهي العواصم لأنها عربيةٌ متوسطيّة، ولأنها عندما تفقد نبضها، تغضب، وأن الأزقة جديرةٌ بالحب… هنا، كان العدل يوماً!

لن ينفعك مجدٌ صنعته لك طبقة بورجوازية تتدهور كل يوم تحت سياط الاهمال وجبروت الزعماء. في طريقك داخل الأسواق آتيا من الزاهرية أو حارة النصارى تُواكِبك أصوات، كل صوتٍ يتمتم لك أن انتبه، فمطرقة السياسة تدخل على الأحياء فاترةً غير مبالية برجالٍ يجوبون الشوارع وقد تحطمت أشرعتهم. غير بعيدٍ، يغوص في جسد المدينة أصل رائحة زهر البرتقال، أقول في نفسي أيضاً ـ أقول وأقول ـ كل مرة أزور القلعة وأتوقف عند معالمها الأكثر أهمية بأن تلك النوافذ الصغيرة تطل على بساتين قديمة تحملك بعيداً إلى أقصى ساحل طرابلس الشام. من بين الخانات والجوامع والمدارس والخانات، تتماثل لي المقرنصات على باب الجامع الكبير. عندما تحاول الإمساك بالأفكار قبل أن تهرب من رأسك، قل: سأرى ما لا يُرى وتستيقظ على انعكاس مهرجانات الضوء فلا يكسر القمر مراياه. اصغِ، سأنتظر أن تصطادَ صدفةً تنغلق على  لؤلؤة برية تمتزج بصورةٍ تضيئ تريبوليس من باب القلعة الكبير في البرج الأول إلى أسواقها العجيبة ومدارسها وحماماتها وخاناتها، فأمتزجُ بالصورة والضوء والغناء…

هل لكل كلمةٍ ينقلها إليك الحبر أن يتسع لتلك المحيطات؟

(*) الرئيسة السابقة لجمعية طرابلس السياحية

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.