بازار الرشاوى.. "وين الدولة"!

ناتالي عواد

إستيقظت السيدة نينا باكراً، إرتدت ثوبها الأنيق، إرتشفت وزوجها قهوتهما الصباحية، وودعت إبنتها اليافعة بقبلة حارة على الجبين، ثم همست بصوت خافت وهي تهمّ بالذهاب "شكلا ها المعاملة رح تشنطتني كتير".

إنها الساعة التاسعة صباحاً، تقلها سيارة الأجرة إلى وجهتها المقصودة ببطء شديد، يتصدع رأسها من كثرة النظر إلى دوران عقارب الساعة العجولة، يمازحها السائق العجوز "شو بك يا بنتي طول الطريق داوختينا معك".. تبتسم له وتقول "الحمدلله عمّ اللي وصلنا عخير!".

لأول مرة، تدخل السيدة نينا مبنى الدائرة الحكومية المرمم والجديد، تشعر وكأنها تتواجد في إحدى الإدارات الخاصة التابعة لشركة أجنبية. حالة من الفوضى تعم المكان، تقترب من موظف أشيب، يرتدي نظارة، يحمل في يديه المرتجفتين صندوق شطرنج، يتريث بخطواته لكي يضعه جانباً. تستفسر منه، عن أية طريقة سريعة قد تسهل عملية إنجاز معاملتها، فيجيبها بتلعثم "مش هون.. بدك تنزلي عالمبنى القديم" تحاول قدر المستطاع إطلاعه على المستندات الموجودة في حوزتها، لكن لا جدوى من المحاولة. يتجاهلها، يدير ظهره ويبتعد.

تهرع السيدة نينا لاهثة، لإيقاف سيارة أجرة من جديد، تصل متأففة إلى المبنى العتيق في بيروت، وهي على دراية مسبقة بما قد ينتظرها. تصعد السلم المهترئ، تنظر عيناها الناعستان إلى لافتة معلقة على واجهة غرفة محطمة "كافيتيريا للإيجار أو للبيع".. ثم تتهادى في الصعود من شدة الحر. تمر بجانبها نزولاً سيدة متعرقة، تواسيها "بيعينك الله، عتبتين وبتوصلي".

قاعة الإنتظار هنا، أشبه بمعسكر، تعج بكل من هب ودب، وتجسد بتفاصيلها المأساوية  المثل الشعبي الأكثر شيوعا في لبنان "ناس بسمنة وناس بزيت". جدار زجاجي شفاف، يفصل مكاتب ثلاثة من الموظفين الرسميين عن المواطنين. يجلس موظفو الدولة "المدلّلين" في غرفة مكيفة، وسط جدران مشققة، وخلفهم الأوراق والمستندات المبعثرة، والملفات المكدسة بدون أي ترتيب أو تنظيم. يتولى هؤلاء تخليص المعاملات يدوياً لعشرات المواطنين المتذمرين من البيروقراطية والتلكؤ، والمتململين في الطوابير التي تعج بالثرثرات والضوضاء، وتفوح منها روائح التعرق الكريهة، جراء الزحمة وبسبب عزلها عن التكييف.

"شو أخبار السلسلة؟".. "بدن يقروها وإلا منشل البلد".. هكذا يعبر أحد الموظفين الحكوميين عن إحتقانه اللا مبرر من الدولة اللبنانية، أمام مواطن "معتر" وفقير، يسايره آملا في كسب الود بدل تسديد رشوة آخر النهار من أجل تسريع معاملته والتخلص من المماطلة فيها. وفجأة، يصدح صوت إمرأة أربعينية مكتنزة "معقول يعني، بس تلاتة علينا؟ فطسنا"، فيعلو صوت موظف "بدك تنطري دورك متلك متل غيرك، وإذا مش عاجبك فلّي"، فيحاول موظف آخر تلطيف الأجواء بعبارة "الحق عالدولة، وينييه الدولة؟". تتدارك السيدة نينا حينها، إقتراب إنتهاء الدوام الرسمي، فتلجأ إلى أحد المكاتب الجانبية الهادئة، فإذا بها تجد شخصين متقابلين وبينهما طاولة محايدة من المكتب "يتسليان" عليها بورق اللعب ويحتسيان القهوة. "تفضلي مدام.. كيف فيني ساعدك؟". يقوم الموظف بمساعدتها تلقائيا، ويخبرها بأن إختصاصه "هيك معاملات" ويدوّن لها الأوراق والخرائط المطلوب جلبها من مبنى الدائرة الرسمية التي أتت منه لكي تنجز معاملتها خلال عشرة أيام. "يارب صبرك".. تتنهد وترحل.

في ظهيرة اليوم التالي، تحضر السيدة نينا مجدداً إلى مبنى الدائرة الرسمية القديم، نشطة ومطمئنة إلى إمكانية إنجاز معاملتها. يتمتم لها الموظف ذاته "جاية مأخرة، أنا عادة بفلّ قبل ما يخلص الدوام".. تمازحه قائلة "وعلى عينك يا دولة؟" يجيبها بوقاحة "ما زال هيك ارجعي الشهر الجاي".. تتعامل مع كلامه كمزحة، وكعادة كل مواطن لبناني، تضع على مكتبه رشوة خمسين ألف ليرة، وتردد في نفسها "يا رب، يارب"، فيغمزها قائلا "خلص تكرم عينك بتخلص بعد يومين".

هذا النموذج ما زال قائماً في الإدارات العامة، بالرغم من "السلسلة"، بسبب غياب أجهزة الرقابة، ولولا بعض الموظفين الشرفاء الذين ما زالوا يقاومون الرشوة ويحتفظون بأخلاقهم ونظافة أكفهمن لكانت دوائر الدولة صارت بازاراً مفتوحاً للرشوة.. و"مين بيزيد"!

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.