"منظمة العمل" تعود.. بعباءة غير ماركسية!

رين بريدي

من دون مقدّمات ولا حملات دعائية أو مؤتمرات صحافية، عادت "منظمة العمل الشيوعي" إلى العمل الحزبي بهدوء شديد، ومن دون ضجيج، حتى أن كثيرين من القيادات السابقة والحزبيين السابقين لم يعلموا بعودة "المنظمة" إلى العمل.

عندما جمّدت "المنظمة" عملها في أواخر التسعينات، اعتمدت الأسلوب ذاته. لكن الظروف كانت وحدها كفيلة بشرح انكفاء "المنظمة" وتجميد عملها. آنذاك، تفرّق كوادر "المنظّمة" في كل اتجاه. بعضهم فضّل الاعتزال، وبعضهم فضّل "الارتزاق" عبر الالتحاق بركب الواقع السياسي.. لكن أغلبهم بقي "حزبياً" من دون وجود الحزب، بالرغم من أن أزمة "منظمة العمل الشيوعي" ـ عند تجميد عملها ـ لم تكن مجرّد أزمة واقع سياسي وأزمة إحباط وإنما أيضاً أزمة إيديولوجيا.

صحيح أن الظروف الموضوعية آنذاك فرضت على الأمين العام محسن إبراهيم قرار الانكفاء، وقد كان قراراً جريئاً وينطوي على استشراف ناضج للمرحلة المقبلة، لكن ما أصاب "منظمة العمل" هو جزء مما أصاب قوى سياسية أخرى لم تلتحق بركب الإدارة السياسية للبنان التي كان يتولاها فريق عمل سوري مكوّن ـ  آنذاك ـ من نائب الرئيس عبد الحليم خدام ورئيس جهاز الأمن والاستطلاع غازي كنعان. وبهذا المعنى، تكون "المنظّمة" قد استسلمت للوهن الذي أصاب قوى اليسار.. أو "هربت" من مواجهة الواقع الذي كان يتحكّم بمفاصل البلد، بخلاف أحزاب أخرى خاضت التحدّي بالرغم من الظروف القاهرة التي عاشتها.

اليوم تحاول "منظمة العمل الشيوعي" العودة إلى العمل برموزها ورمزيتها، لكنها تفتّش عن هوية مختلفة عن تلك التي كانت تحملها إلى حين انهيار الاتحاد السوفياتي واتخاذ القرار بتعليق عملها.

ربما اكتشفت خلال فترة "الاستراحة" التي استمرت نحو عشرين عاماً، أن الماركسية لم تعد تتناسب مع عصر العولمة.. وربما اكتشفت أن الإيديولوجيات "الجامدة" لم يعد لديها قدرة على الحياة في زمن يتحرّك بسرعة الضوء.. لكنها مع ذلك لم تتلمّس حتى اليوم ذلك الضوء الذي يمكن أن تسير على هديه نحو مفهوم جديد متكامل، ولذلك فهي "خلعت" عن رأسها "قبعة" السوفيات لكنها احتفظت بالنجمة وفي داخلها المنجل والمطرقة.

يفسّر قياديو المنظمة الجدد أسباب انكفاء المنظمة عن الممارسة السياسية العلنية منذ أواخر تسعينات القرن الماضي "بتحكّم سلطة الوصاية السورية المولجة بتفيذ اتفاق الطائف تبعاً لمصالحها، ووفق معادلة تكريس هيمنتها على مفاصل الحياة السياسية اللبنانية التي فقدت الحد الأدنى من استقلاليتها، في ظل ممارسة سياسات الإلحاق لمختلف قوى الاعتراض الديمقراطي، والتطييف والمحاصصة لكافة المؤسسات النقابية والمجتمعية التي كانت تمثل المساحات المشتركة بين اللبنانيين، مما جعل الحياة السياسية محصورة بالقوى الطائفية المشاركة في الحكم او المعترضة عليه والمتضررة منه. بالإضافة الى تركيز المنظمة على مراجعة تجربتها على صعيدي الهوية الفكرية والتجربة السياسية ودورها القيادي في الحركة الوطنية بهدف التجديد، في ضوء كل مسلسل الازمات والانهيارات الدولية والعربية واللبنانية".

فما هي الأفكار التي ستتبناها المنظمة؟

الماركسية من جديد؟

يشير مسؤول العلاقات السياسية في المنظمة زكي طه إلى أن نتيجة "إعادة التقييم" كان إصدار كتاب تحت عنوان "أزمة الإشتراكية"، وهو مراجعة نقدية للتجربة الإشتراكية على الصعيدين العالمي واللبناني.

في المراجعة النقدية على صعيد الهوية الفكرية "قمنا بنقد ذاتي لكل مقولات الإلتزام بالماركسية واللينينية، وختمنا هذه المراجعة بجملة من الثوابت، أبرزها أننا لن نجدّد التزامنا الماركسية اللينينية، التي تحكم لمصلحتها بحسب التجارب التاريخية الفاشلة التي قامت باسم الماركسية. ولكننا لن نتنكّر لما هو علمي وأثبتت صحته من هذه الماركسية الفكرية".

ويشدّد طه على أن كل هذه "العملية التغييرية" على الأصعدة السياسية والفكرية والنضالية والتنظيمية هي بإشراف ورعاية الأمين العام للمنظمة محسن ابراهيم.

يبين طه أن "التجارب الشيوعية السابقة لم تحكم لصالح الماركسية، حتى في البلدان التي نشأت فيها. كما أننا نعتبر أن تجديد الخيار الإشتراكي اليوم لا يمكن أن يتم إلا عبر أمرين أساسيين: الأول هو قراءة ونقد وتحليل الرأسمالية بنسختها الراهنة، لأن الماركسية نقدت الرأسمالية بنسخة 1850 وليس بعد أن تجددت وتطورت، مما يستدعي قراءتها نقدياً من جديد. والثاني هو نقل الديموقراطية المتحققة على الصعيد العالمي بما فيها مجتمعاتنا المتخلّفة، لأن من هذين المصدرين يتجدّد البرنامج والهوية الفكرية للإشتراكية. هذا يعني أننا ما زلنا نحتفظ بالإسم فقط من باب الأمانة والنزاهة السياسية لتجربتنا السابقة كي لا نقول أننا غادرناها بشكلٍ ملتبس، فنحن لسنا بصدد العداء مع الماركسية، ولا التنكر لها، لأنها تشكل حقلاً معرفياً ضخماً ينبغي الانفتاح عليه والاستفادة منه، ولكن من جهة أخرى لسنا بصدد تبنيها بالكامل من جديد".

يكشف طه أن "اشتراكيتنا التي نحن بصدد تجديد الالتزام بها، تتجاوز إعلان المبادىء والأهداف العامة إلى دق باب محاولة تجديد فهم أزمة الرأسمالية في واقعها الراهن أولاً، وثانياً رؤية حدود الديمقراطية المتحققة في عالم اليوم واستكشاف أزمتها من جديد، لأنه في أزمة الرأسمالية كنظام اقتصادي وأزمة الديمقراطية كنظام سياسي يكمن الأصل المستمر لكل مشروع اشتراكي".

 "ما زلنا هنا"

"المنظمة تدفع اليوم ثمن غيابها الإضطراري عن الساحة السياسية في السنوات الماضية، لأن انكفاء حضورها أدى إلى غياب اسمها عن الوسائل الإعلامية، وهو ما شكل خسارة كبيرة للمنظمة"، بحسب طه. ولكنه ينفي غياب المنظمة بشكلٍ كليّ، لافتاً إلى أنها لعبت دوراً في الإنتخابات البلدية الأخيرة وفي الحراك المدني الذي حصل حول العديد من الملفات والقضايا. يكشف أنه "منذ سنتين تحديداً أعدنا بشكل متدرج تجديد حضور المنظمة السياسي من خلال عدة أشكال، بدءاً بعودة صدور مجلة بيروت المساء بشكل منتظم شهرياً.. وصولاً إلى المشاركة في انتخابات البلديات والمشاركة السياسية والنقابية والإجتماعية عامةً، بدءاً من الحراك حول كل من قضايا السلسلة والضرائب والسكن ولجنة الدفاع عن حقوق المستأجرين، وكان دور المنظمة كبيراً جداً، ولم ينقطع".

ما يجري باسم المقاومة هو إساءة لها

لطالما كانت "جبهة المقاومة الوطنية" ركيزة العلاقة التي تربط "منظمة العمل الشيوعي" بـ"الحزب الشيوعي اللبناني"، لكنها باتت اليوم مجرد مناسبة لكل منهما للتذكير بأمجاد الماضي. واستغلت المنظمة مناسبة ذكرى انطلاقة "الجبهة" لإعادة جلاء دورها داخل المقاومة الوطنية، وذكّرت بالتضحيات التي قدمتها، خصوصاً أن هذا الدور تعرض للتجاهل "من قبل الطرف المستمر تحت إسم المقاومة بعد انكفاء اليسار، كما تعرض دورها للتهميش من قبل شريكها في الجبهة وهو الحزب الشيوعي اللبناني الذي أظهر أن جمول اقتصرت عليه فقط، في حين أن حقيقة الأمر هي أن جمول نتيجة شراكة بين الحزب الشيوعي والمنظمة في التحضير والإعداد والمسار. ولم يقتصر دورها على النداء المشترك فقط بين الأمينين العامين في تلك الفترة جورج حاوي ومحسن ابراهيم، بل كان لها دور أساسي في كافة مناطق الوجود عبر العمليات القتالية، ويسجل أن الشهيد الأول هو الرفيق في المنظمة مهدي مكاوي، والشهيد الأول للجبهة في الجنوب وتحديداَ صيدا، هو فضل سرور، بالإضافة إلى عشرات الشهداء ومئات المعتقلين في معتقلات العدو الإسرائيلي"، كما يقول طه الذي يشير إلى أن هذه المناسبة "كانت بالنسبة لنا فرصة لإعادة جلاء دورنا كمنظمة، وتقديمه بالشكل اللائق، خصوصاً أن ما يجري حالياً باسم المقاومة هو إساءة للمقاومة من وجهة نظرنا، لأنها فعلياً وجدت لمواجهة العدو الصهيوني وليس لحماية أو دعم الأنظمة الإستبدادية".

"المنظمة" و"الحزب": انقطاع لا قطيعة

يشرح طه، أن "العلاقة بين الحزب الشيوعي والمنظمة ليست مبنية على الخلاف وإن كان يشوبها بعض الاختلاف في الرأي، لكن الاختلاف لا يفسد في الودّ قضية"، موضحاً أنه "لا مشكلة لدى المنظمة بالمشاركة في القضايا التي قد تكون مشتركة بيننا وبين الحزب، ونجد نفسنا مع الحزب بعمل مشترك فيها، ولكن هناك حالياً بعض الخلافات السياسية معه. إذاً علاقتنا مع الشيوعي ليست مستقيمة، فيها: إنقطاع ـ تقاطع ـ تواصل، على أمل أن يلعب تطور الأحداث الذي يفرض نفسه على لبنان والمحيط دوراً في تقليص المسافة بين المنظمة والحزب إلى حد التواصل الدائم والمستمر، لأن تجديد دور اليسار في لبنان هو حاجة ضرورية".

تبدي "المنظمة" أسفها "كون القوى السياسية الحاكمة حالياً هي قوى طائفية، وقوى محاصصة في ظل نظام قائم على المحاصصة وفي ظلّ الإنقسام اللبناني بين المحاور الإقليمية. فجميع هذه القوى تعمل تحت توجيه الأميركي، علماً أنها في علاقاتها الإقليمية غير قادرة على تقديم حلول للأزمات السياسية والإقتصادية والإجتماعية التي يعاني منها الوطن، لأن هذا النظام لا يقدّم مشروعاً وطنياً بقدر ما يقدّم مشاريع قتال ونزاع والمحاصصة على الغنائم وعلى مواقع النفوذ والسلطة".

تأسست "منظمة العمل الشيوعي" سنة 1970 من رحم "حركة القوميين العرب"، بعد اندماج حركة "منظمة الاشتراكيين اللبنانيين "و"حركة لبنان الاشتراكي" اللتين يرجع انتماء أغلب قادتهما إلى التيار القومي اليساري.  واعتنقت الفكر الماركسي، ولعبت دوراً هاماً في تأسيس "الحركة الوطنية اللبنانية" ثم في دور "الحركة" بحكم تولّي أمينها العام محسن إبراهيم منصب الأمين العام فيها.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.