هكذا تصرف الحص في رحلة نيويورك!

نشر مستشار الرئيس سليم الحص، الأستاذ رفعت البدوي، على صفحته على "فايسبوك"، قصة زيارة الرئيس الحص إلى نيويورك في العام 1999 لإلقاء كلمة لبنان في الأمم المتحدة، متوقفاً تحديداً عند طريقة تعامل الحص مع الأعباء المالية المترتبة على الدولة من تلك الرحلة.

وجاء في مقال رفعت البدوي:

في شهر أيلول/سبتمبر من العام 1999، قرر رئيس الحكومة اللبنانية الرئيس الدكتور سليم الحص ترؤس الوفد اللبناني إلى نيويورك لإلقاء كلمة لبنان أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، لتسليط الضوء على الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على لبنان، والمطالبة بضرورة تنفيذ القرار الأممي رقم 425 كاملاً الذي نص صراحة على انسحاب العدو الإسرائيلي من الأرض اللبنانية إلى داخل حدود فلسطين المحتلة، بما فيها مزارع شبعا.

الرئيس الحص، إضافة إلى كونه رئيساً لمجلس الوزراء، كان في الوقت عينه يحتفظ بمنصب وزير الخارجية وذلك من أجل ضمان انسياب المصلحة الوطنية في المحافل الدولية، والدفاع عن حق لبنان في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي، والحفاظ على توازن سياسة لبنان مع أشقائه العرب، وخصوصاً تلازم وتنسيق المسارات في السياسة الخارجية بين لبنان والشقيقة سوريا.

أزِفَ وقت سفر الرئيس الحص والوفد المرافق إلى نيويورك. ومن مكتبه في السراي الكبير أرسل خطاباً للجهات المالية لصرف المبلغ الذي يغطي مصاريف الرحلة مع الوفد المرافق. وفي اليوم التالي صُرف المبلغ وتم تسليمه للموظف الموكل مهمة إرساله إلى رئاسة الحكومة مزوّداً بسند صرف للتوقيع عليه. وعلى الفور دخل الموظف المخوّل تسليم المبلغ إلى مكتب رئيس الحكومة ومعه سند صرف المبلغ. وفور وقوع نظر الرئيس الحص على سند الصرف بدت على وجهه علامات الدهشة، والتفت صوب الموظف سائلاً باستهجان "ما هذا؟! لمن هذا المبلغ؟!"… حينها بدا الارتباك واضحاً على الموظف، لكنه أجاب قائلاً "دولة الرئيس، هذا المبلغ لتغطية مصاريف سفركم والوفد المرافق إلى الأمم المتحدة، كما هو العُرف لكل رؤساء الحكومة السابقين". عندها رد الرئيس الحص قائلاً "هذا المبلغ كبير جداً، وأنا لا أنوي شراء عقار في نيويورك! هذه أموال اللبنانيين، ونحن مؤتمنون على أموالهم". وأردف الرئيس سليم الحص قائلاً "لن أقبل استلام المبلغ ولن أوقع على سند الصرف هذا. إذهب وعُد بهذا المبلغ وآتني بنصفه فقط، وانا متأكد أن نصف المبلغ الموجود أمامي سيفي بغرض تغطية تكاليف السفر والعودة كاملة".

غادر الموظف مع المبلغ لإعادته إلى خزينة الدولة، وتجهيز سند صرف جديد بنصف المبلغ المرتجع.

في اليوم التالي قبيل موعد السفر بساعات قليلة، جاء الموظف نفسه ومعه نصف المبلغ السابق تنفيذاً لطلب الرئيس الحص. لكن، وقبل توقيعه على سند الصرف، سأل الرئيس الحص عن سند إعادة المبلغ المتبقّي إلى خزينة الدولة فأظهره الموظف واضعاً إياه بين يدي الرئيس الحص. وبعد التدقيق، اطمأن الرئيس الحص إلى أن المبلغ المرتجع أُعيد بالفعل إلى خزينة الدولة، ثم تناول قلمه ووضع توقيعه على سند الإيداع إضافة إلى توقيع آخر على سند الصرف الجديد.

انطلق الرئيس سليم الحص متوجهاً إلى صالون الشرف في مطار بيروت الدولي ليستقل رحلة تابعة لشركة طيران الشرق الأوسط، رافضاً استئجار طائرة خاصة أو حجز طائرة من طائرات الشركة تفادياً لزيادة الأعباء على الشركه الوطنية، وتجنباً لدفع مصاريف الطائرة الخاصة الباهظة، مفضلاً توفيرها حتى لا يترتب على الخزينة المزيد من المصاريف المالية.

مع وصول الرئيس الحص إلى صالون الشرف في مطار بيروت، كان الوفد المرافق الذي لم يتعد 15 شخصاً قد اكتمل تحضيراً، ولم يدم الانتظار طويلا حتى جاء موظف التشريفات يبلغ الرئيس بجهوزية طاقم الطائرة لاستقبال الرئيس والوفد على متن الطائرة استعداداً للإقلاع، وفيما همّ الرئيس بالنهوض جاءه أحد أعضاء الوفد المرافق هامساً في أذن الرئيس الحص ليسأل: "دولة الرئيس، لماذا لم تطلب وضع طائرة خاصة بتصرفك أسوة بما يفعله الرؤساء؟". حينها نظر الرئيس الحص نحو السائل وقال "اعلموا جميعاً أننا لسنا بصدد تلبية دعوة سياحية أبداً. نحن ذاهبون إلى نيويورك في مهمة وطنية تُدفع تكاليفها من أموال خزينة الدولة، أي أموال الناس الطيبين، ونحن مؤتمنون على أموال الناس".

المقاعد المخصصة لم تكن تحقق الأماني حسب ما رغب بعض أعضاء الوفد، حيث توزعت مقاعد الوفد المرافق على الدرجة السياحية، أما الرئيس الحص فقد استقل مقعداً بالدرجة الأولى بعد إصرار من قبل إدارة طيران الشرق الأوسط التي قدمت مقعداً بالدرجة الأولى مخصصاً لرئيس الحكومة.

ومع وصوله والوفد المرافق إلى نيو يورك، كان في استقباله مسؤول رفيع في وزارة الخارجية الأميركية، إضافة إلى سفير لبنان في واشنطن والمندوب اللبناني في الأمم المتحدة.

اعتقد أعضاء الوفد أن الإقامة في نيويورك سيكون في فندق Waldorf Astoria، الذائع الصيت والباهظ التكلفة الملاصق لمبنى الأمم المتحدة، حيث يقيم كل رؤساء الدول المشاركة والوفود المرافقة لها، بيد أن الرئيس سليم الحص كان قد أعطى توجيهاته ببرقية مستعجله بعث بها من بيروت لسفير لبنان في نيويورك طالباً منه ضرورة تأمين الإقامة في فندق بالقرب من مبنى الأمم المتحدة واقل كلفة من فندقWaldorf Astoria ، وذلك حفاظاً على المال العام، وكان له ما أراد.

ألقى الرئيس سليم الحص كلمة لبنان على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة، وعقد سلسلة من الاجتماعات مع ملوك ورؤساء عرب ورؤساء دول أوروبا ومسؤولين أميركيين.

انتهت المهمة، وقفل الرئيس الحص والوفد المرافق عائداً إلى لبنان. وفي اليوم التالي لوصوله، أطلع الرئيس الحص رئيس الجمهورية اللبنانية اميل لحود على نتائج زيارته إلى نيويورك والأصداء الإيجابية لكلمة لبنان. ووجه الدعوة لمجلس الوزراء للانعقاد في صبيحة اليوم التالي.

انعقد مجلس الوزراء، وكانت المفاجأة أن الرئيس الحص استهل بداية الجلسة بتوجيه الوزراء إلى ضرورة خفض المصاريف، ثم التفت نحو وزير المالية قائلاً انه تم توفير بعض المال من أصل المبلغ الذي خصص لتغطية مصاريف الرحلة مع الوفد المرافق إلى نيويورك. وبشفافية مطلقة عرض أمام الوزراء ما تبقى من أصل المبلغ الذي تم رصده لتغطية مصاريف الرحلة، طالباً من الوزير المختص اتباع الإجراءات اللازمة والعمل على ضمان إعادة المبلغ المتبقي إلى خزينة المالية اللبنانية، معللاً ذلك أنها "أموال الشعب والناس الطيبين، ونحن مؤتمنون على المال العام".

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.