الدروز نحو عودة "الثنائية".. أم صيغة ثلاثية؟

محمد شرف الدين

يعود التاريخ السياسي للدروز في لبنان إلى نحو ألف سنة، ولطالما اتسم هذا التاريخ بالانقسامات والصراعات بين العائلات في المجتمع الدرزي، ولا يزال هذا الانقسام متحكماً حتى اليوم بأسماء مختلفة، منها القيسي واليمني والشقراوي والصمدي واليزبكي والجنبلاطي… وكل هذه التسميات انبثقت من أسماء العائلات التي كانت تحكم في كل وقت. عندما كان الإنقسام الدرزي عميقاً بين الجنبلاطيين واليزبكيين، وعلى رأسهم آل أرسلان، أحبّت مي أرسلان وتزوجت كمال جنبلاط،  فساهمت من حيث تدري او لا تدري في تغليب كفة الجنبلاطيين على حساب عائلتها. آل ارسلان كانوا اقطاعيين يتحكمون بأراضي الجبل وممتلكاته وعائلاته، التي كانت تتبعهم بمعظمها.

شكّل زواج ابنة الامير شكيب ارسلان من كمال جنبلاط حدثا درزياً مميزاً . فكانت الخطوة الاولى على طريق تقارب العائلتين، ولاحقاً خضوع العائلة الاقطاعية العريقة للشراكة مع نفوذ الزعامة الناشئة التي مثلها كمال جنبلاط. ومن كمال انتقلت "عباءة الزعامة" الى وليد بعد اغتيال والده عام 1977، وقد ساهمت الحرب الاهلية في تعزيز قيادة وليد جنبلاط الحزبية، وكرست زعامته العائلية مستفيداً من تراجع نفوذ الارسلانيين بموت آخر عمالقتهم الامير مجيد، واختلاف نجليه على وراثة زعامة متهالكة.

في الغالب، لا يُورث الارسلانيون الزعامة بالعباءة كما في البيت الجنبلاطي، ولا يضعونها في تقاليدهم. يكتفون بالمناداة، بعبارة الحداد: "مات الامير، عاش الامير". ومع ذلك ألبس فيصل ارسلان عباءة والده في حاصبيا. بعد سنوات كبر الفتى طلال ارسلان وبدأ يطالب بحقه في العباءة. اختلف الشقيقان على السياسة، فأخذ فيصل قصر والده في عاليه، وطلال قصره في خلده. وظلّت العباءة موضع التباس: لبسها فيصل احتفالياً وكفى، فيما آلت الزعامة الفعلية الى طلال، نيابةً وتوزيراً. الا ان طلال أضحى رأس الشجرة "الارسلانية"، لكن ليس الدرزية.

بقي وليد جنبلاط متربعاً على عرش الزعامة الدرزية، ولم تنفع محاولات طلال ارسلان في استعادة "مجد العائلة السياسي" عندما أسس "الحزب اللبناني الديمقراطي" عام 2001، في "زعزعة" هذا العرش.

في الاشهر التي كان فيها القانون الانتخابي "يطبخ على نار هادئة" في مجلس النواب، كان جنبلاط يخوض، من خلال حسابه على "تويتر"، حرباً شرسة ضد النسبية، على اعتبار أنها "خطر على الطائفة"، لكن في الحقيقة ما كان يخيف جنبلاط هو كون النسبية خطر على احتكار "الحزب الاشتراكي" للزعامة الدرزية. فالطائفة، كجماعة ومذهب ومصالح، لا فرق عندها إن ربح نوّاب جنبلاط أو نوّاب غيره مقاعدها، طالما أنهم دروز، وطالما أن حصّتها من نوّاب البرلمان وفي التعيينات مضمونة. لكن من اعتبر أن القانون الانتخابي هو قانون مفصّل على مقاس مشرّعيه لم يكن مخطئاً، فجنبلاط سعى جاهداً لدمج قضاءي الشوف وعاليه ليضمن الكتلة الدرزية الأوسع، وليحافظ على قوته، لكن التحالفات فرضت واقعاً لا مهرب منه: "النسبية قد تكسر آحادية الزعامة الدرزية في الجبل"!

نجح نائب "القوات اللبنانية" جورج عدوان في اقناع النائب وليد جنبلاط بأن حماية المصالحة في الجبل أهم بكثير من"إنجاز" احتفاظه بكتلته النيابية "المنفوخة"، فوُلِد التحالف الثلاثي بين "القوات" و"الاشتراكي" و"المستقبل". قد يخسر جنبلاط قدرته على ايصال مرشحيه المسيحيين في هذه الدائرة، لكن التحدي الحقيقي أمامه يكمن في عدم السماح لمنافسيه في إيصال نواب دروز في باقي الدوائر. وللمرة الأولى يجد جنبلاط نفسه أمام منافسة درزية حقيقية، إن لجهة طلال إرسلان الذي يتمتع بشعبية لا يستهان بها، أو لجهة وئام وهاب الذي أعلنها صراحة بأنه "طامح لزعامة ليس فقط دروز لبنان بل دروز المنطقة".

لا يخفي جنبلاط، منذ انطلاق السباق الانتخابي، شعوره بأنه "مستهدف"، نتيجة سلسلة احداث لم تبدأ بالرسالة التي وجهها وزير الخارجية والمغتربين جبران باسيل، عند زيارته النائب أرسلان بعد تأليف لائحة "ضمانة الجبل"، لناحية تشكيل لائحة من النواب الفائزين عن هذه اللائحة في الجبل تكون برئاسة رئيس "الديمقراطي اللبناني"، ما يعني أن رئيس "اللقاء الديمقراطي" سيكون أمام زعامة درزية تملك كتلة نيابية منافسة له في الجبل، وهي أيضاً على علاقة قوية مع كل من "المستقبل" و"التيار الوطني الحر"، ولا تنتهي بزيارة الحريري الى الجنوب لـ"تعميد" تحالفه مع إرسلان في دائرة الجنوب الثالثة من دون تنسيق مع جنبلاط.

في السنوات السابقة، جرت العادة أن "يترك" رئيس "اللقاء الديمقراطي" المقعد الدرزي في عاليه شاغراً لمصلحة إرسلان، في المقابل يحصل جنبلاط على المقاعد الدرزية في باقي الدوائر، إلا أن رئيس "الحزب الديمقراطي اللبناني" قرر عدم الإلتزام بهذا الواقع، والدخول في مواجهة على المقعد الدرزي في دائرة الجنوب الثالثة، بالتفاهم مع "المستقبل" و"الوطني الحر"، عبر ترشيح وسام شروف، حيث يدعم جنبلاط النائب أنور الخليل. وعلى المقعد الدرزي في بعبدا، بالتفاهم مع "الثنائي الشيعي" و"الوطني الحر"، عبر ترشيح سهيل الأعور، حيث يرشح جنبلاط هناك هادي أبو الحسن. يحصل ذلك في وقت يحظى فيه أرسلان بدعم من قبل حلفائه، بينما جنبلاط يعاني على هذا المستوى، خصوصاً بالنسبة إلى علاقاته مع رئيس الحكومة سعد الحريري.

أما الوزير السابق وئام وهاب، فقد استثمر كثيراً في المواقف إلى جانب سوريا، ويريد الآن أن يقطف ثمار استثماراته. والمقصود بهذا الكلام أنه يريد أن يكرس نفسه "زعيماً درزياً". يكفي أن يفوز وهاب بالمقعد الدرزي الثاني في الشوف كي يشكل أول تحد من نوعه للزعامة الجنبلاطية، وتحديداً لزعامة تيمور جنبلاط ومن أول الطريق. وهذه معركة ليست سهلة بالنسبة لوهاب الذي يتنافس على هذا المقعد مع النائب مروان حمادة. ولكن إذا كان حمادة يستطيع أن "يغرف" من الخزان البشري لجنبلاط وكتلته التصويتية التجييرية في معقله الأساسي التي تقدر بنحو 35 ألف صوت درزي، فإن هذا الأمر لا يكفي لجعل حمادة مطمئنا الى النتيجة وضامنا للفوز، فجنبلاط لا يمكنه أن يجير له أكثر من عشرة آلاف صوت لأن الكتلة الأضخم ستكون لـ "تيمور" لتأكيد زعامته. في المقابل، يواجه وهاب صعوبة في بلوغ الحاصل الانتخابي بسبب خلافه المزمن مع الوزير طلال أرسلان وتحالف الاخير مع "التيار الوطني الحر"، وهذا يحرم وهاب ليس فقط أصوات أرسلان في الشوف، انما ايضاً من الحليف المسيحي القوي.

أسبوع واحد  يفصل لبنان عن الاستحقاق الانتخابي، والترقب سيد الموقف، فالجميع متفق أن البلاد تمر بـ"مرحلة انتقالية" على صعد مختلفة، من جهة هي مرحلة انتقالية من "لا شرعية التمديد" الى "شرعية الاقتراع"، ومن جهة أخرى هي انتقال  من اصطفافات 14 و8 آذار لمرة أخيرة وبشكل نهائي، الى اصطفافات وتحالفات جديدة. فهل تكون أيضاً مرحلة انتقالية تتبدل فيها زعامات الطوائف؟

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.