الدراما العربيّة.. و"ثقافة" الإقتباس

 هدى عبد الله

"Déjà vu".. "الرؤية المسبقة".. "شوهد من قبل"…
كلها عبارات تعني الإحساس بالمعرفة التي يشعر بها الإنسان عندما يرى أو يعيش موقفاً أو مشهداً أوحدثاً في الحاضر وكأنه مرّ أمامه من قبل.

ليست هي "الحاسة السادسة"، ولا "العقل الباطني".. ولا "وحي يوحى"…
أما في الدراما العربية، تُترجم الأفلام والمسلسلات، وتنتشر ظاهرة الـ "déjà vu"  بـ "حاضرينه من قبل.. بس بغير لغة"، فيجد المشاهد نفسه على علم بأحداث المسلسل والحبكة والتفاصيل والشخصيات من الحلقة الأولى فقط! بالطبع، فهوسبق وأن رأى هذا العمل سابقا ولكن بلغةٍ مختلفة.

وإن كان الصمت سيّد الكلام، ففي المسلسلات العربية الإقتباس هو سيّد جميع المشاهد المصوّرة.

موضوع الإقتباس في الدراما العربية، ولا سيّما اللبنانية، أصبح ظاهرة متفشية، وهو ليس بالموضوع الجديد، فهذه الظاهرة قديمة، وفي أغلب الأحيان لا يتم ذكر أيّ معلومة من قِبل القيمين على العمل تدلّ على أنه مقتبس، اقتباس كامل أوجزئي، ومن دون تسمية الجهة التي استُلهمت منها الفكرة ومن دون الإشارة الى مصدرها.

وبهذا باتت "السرقة" الفنية وانتهاك هوية العمل الفني متاحة. طبعاً هذه القاعدة لا تشمل الجميع، فنرى في الجانب الآخر أن هناك بعض الأعمال الدرامية التي يتمّ التصريح قبل أوعند بداية عرضها بأنها "مقتبسة عن .. " مع ذكر مصدر الإقتباس، وهنا تسقط عنهم الإدانة القانونية والأخلاقية، ولكن تلتصق بهم تهمة فقر الإبداع والقدرة على خلق الأفكار الجديدة، واستبدالها بالقدرة الهائلة على الإستنساخ .

ولكن، هل فعلاً يمكن اللجوء لأسلوب الـ"copy – paste"  لنقل أفكار ومشاهد وأفلام ومسلسلات غربية وتعريبها، أو "لبننتها"، لتتناسب مع الجمهور والبيئة المحلية، متناسين الإختلاف بين الثقافتين؟! وهل هناك حقاً في ظل كل الأحداث الإجتماعية والسياسية والأمنية والدولية والإنسانية في العالم العربي، انعدام في الموضوعات التي يمكن أن تُطرح؟

الى جانب الإقتباس تأتي الدبلجة، فمنذ أن اجتاحت واكتسحت السوق الدرامي، أصبح الطلب من المشاهدين على المسلسلات الأجنبية، لاسيّما التركية المدبلجة باللكنة السورية، أكثر من الطلب على انتاج أعمال عربية جديدة، وهذا ما يشكل نقطة سلبية في حق الدراما السورية التي كانت الأولى في السباقات الفنية مع مختلف الأعمال (المصرية، اللبنانية، الخليجية …) والتي استبدلت نجاحها الباهر في صناعة الدراما الى نجاح في استعمال أصوات ممثلين مبدعين للدبلجة.

يأتي اليوم "50 ألف"، المسلسل اللبناني الكوميدي الرومانسي، كأحدث عمل مقتبس عن المسلسل التركي المدبلج (حب للايجار ـ Kiralık Aşk ) وهو كتابة آية طيبة، إخراج دافيد أوريان، إنتاج "أونلاين بروداكشن" للمنتج زياد شويري، بطولة: داليدا خليل، طوني عيسى، ميرنا مكرزل، ميرفا قاضي. والقصة مستنسخة حرفياً عن المسلسل التركي الذي عرض بين العامين 2015 و2017، بل ويتزامن عرض النسخة اللبنانية مع النسخة التركية من المسلسل. ولكن المفاجأة كانت في تقديم المسلسل بجملة أن العمل "مستوحى من قصة أجنبية"، من دون ذكر اسم المسلسل رغم أنه معروف، لا سيّما بتحقيقه ملايين المشاهدات في الكثير من البلدان.

بعيداً عن هذا العمل، واذا أردنا استعراض حالات الإقتباس الدرامي فلن ننتهي.

بداية لا يمكن أن ننسى "روبي"، العمل الدرامي المشترك (لبناني – سوري -مصري) بطولة سيرين عبد النورومكسيم خليل وأمير كرارة، تم عرضه عام 2012 وهومن أول المسلسلات العربية المقتبسة عن عمل مكسيكي. من ثم "لعبة الموت" الذي شاركت في بطولته أيضاً سيرين عبدالنور وعابد فهد وماجد المصري، وهومقتبس من فيلم "sleeping with the enemy"  .

من بعدها دخل مسلسل "لو" بطولة نادين نسيب نجيم ويوسف الخال للمخرج سامر البرقاوي، في السباق الرمضاني بعمل مستوحى من فيلم للنجم ريتشاد غير "Unfaithful"، ثم مسلسل "تشيلو" المقتبس من فيلم أميركي أيضاً   "Indecent Proposal"  بطولة ديمي مور وروبرت ريدفورت. بالإضافة الى المسلسل اللبناني "متل القمر" المقتبس من المسلسل المكسيكي "ماريمار" الذي نال نسب مشاهدة عالية رغم كل الإنتقادات التي طالته. ومسلسل "هبة رجل الغراب" المقتبس من مسلسل كولومبي أعيد إنتاجه أميركياً "the ugly betty".

أما رمضان الماضي، فكان له حصة أيضا في فخ الإقتباس الذي تجلّى بـ "حلاوة الدنيا" للفنانة هند صبري وظافر العابدين، والمقتبس من مسلسل مكسيكي تحت عنوان "terminals" كما أوضح صناع العمل في تقديم المسلسل.

من قال إن الطريق الأسهل هوالذي يميّز العمل ويؤدي بنا الى النجاح؟
الطريق الأسهل لصنّاع الدراما حالياً هوالإقتباس، ولكن العالم العربي، وخصوصاً على صعيد المجال الدرامي والفني، لا يمكن أن يخلو من المبدعين والمفكرين والخلّاقين والموهوبين لإبتكار أفكار جديدة وأعمال عظيمة تعيد انعاش الدراما العربية لتصحو من سباتها بعيداً عن فخ الإستنساخ.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.