باسيل يوحّد جبهة المعارضة للعهد؟

"السيبة" جاهزة بقوائمها الثلاث.. والرابعة تنتظر "النجّار" السعودي!

جورج  علم

بيّضها كانون.. وإندلقت المعاطف السميكة من مخابئها لتحمي مناكب المعارضة العريضة من "صقيع" جبران باسيل، و"لسعاته" المروّسة التي تلفح الأفكار "الثائرة" فتشتتها بعروض لا تنتهي، تارة حول تعديل في قانون الإنتخاب، وتارة أخرى حول المعايير التي يفترض إتباعها حرصاً على شفافية العمليّة الإنتخابيّة، ودائماً حول حراكه النشط في زواريب القرى، والبلدات، وحتى في الدوائر الإنتخابيّة التي تعتبر مقفلة، و"خام" لهذه المرجعيّة السياسيّة ـ الطائفيّة، أو لتلك.

أهميّة كانون وبرده القارس، أنه حول  القناطر المعقودة، البعيدة عن ضوضاء الشارع، مكاناً للسهر والسمر، والبحث عن تحالفات، ورسم خطط المواجهة، التي بدأت شرسة بين بعبدا وعين التينة، وراحت سهامها المشرقطة تتطاير في كلّ إتجاه، لتُصيب في نهاية المطاف الطائف، والصلاحيات، والحكم الرئاسي،  وكل ما يستحضر، أو يتمّ إحضاره على طاولة "مضابط الإتهام" من مقبلات طازجة، وشهيّة!.

ويبدو أن فارس سعيد لم ينس "المكدوس"، و"الجبنة الضرفيّة"، و"القورما المخزونة ببرنيّة الفخّار"، بل سارع الى وضعها على طاولة الوليمة العامرة التي أقامها على شرف السفير السعودي وليد اليعقوب، ليؤكد له على أهميّة زاد العافية عند البيت الماروني العريق في جبل ريمون إده، والستّ نهاد سعيد! بالطبع الشيخ فارس إستبق أسبوع "المرفع" لأنه يريد أن يصوم ويصلي وينقطع عن "الزفر" باكراً هذا العام، مستبقا بكركي وأحبار الكنيسة ومؤمنيها، لعلّه يحظى بالإلهام الربّاني قبل غيره من "عتاعيت" المارونيّة السياسيّة حول ما يجب عمله والإقدام عليه، ليرفع منسوب السكّري عند الرئيس العماد ميشال عون، ويكسر شوكة جبران باسيل، أقلّه في بلاد جبيل!… بالمناسبة الشيخ فارس "منرفز كتير من جبران وولدناته السياسيّة!.. كيف بيتجرأ وبيقول إنو ما بدو حدا من السُّفَرا يتدخل بالإنتخابات، وإن الزمن الذي كان فيه السفير أو رئيس البعثة،  يصنع نواباً، قد ولّى؟!".

أراد أن يردّ على تحيّة إبن البترون، بأفضل منها، قولاً وفعلاً، حول مأدبة عامرة، فيما دبّت الغيرة بالشيخ بطرس حرب، وهو شيخ المنابر ببلاغته وحرفيته، وطول باعه في الدستور والقانون، فسارع الى عقد مؤتمر صحفيّ "مشرقط"، حشر فيه باسيل بالزاوية، وراح يمطره بالأسئلة المحرجة… والحقيقة أنه كان موفّقاً، خصوصاً عندما واجهه بسؤال مكّعب ومن العيار الثقيل: "أين الإصلاحات الدستوريّة التي فلقتونا في الحديث عنها صبحاً وظهراً ومساء، وبأنها ستكون في صلب قانون الإنتخاب؟!".

وربما أكمل الشيخ بطرس ما سها عن بال "قبضاي" زغرتا سليمان فرنجيّة عندما إستضاف الـ"أل بي سي" في دارته في بنشعي، وقال كلاماً فوق السطوح، ولم يترك للصلح مطرحاً مع جبران، و"فشّ خلق" الكثير من أنصاره ومحبيه، وفاضت النشوة من الحارة، والإمارة، لتعمّ الكثير من الأنصار والمؤيدين في المناطق اللبنانيّة، وبلدان الإغتراب.

كان صادقاً مع نفسه، والآخرين، وهذه صفة تلازم الرجل المشهود له بشفافيّة المواقف البعيدة عن الإستجداء والتزلّف للوصول الى منصب، أو لتحقيق هدف على حساب المبادىء، والقناعات التي يؤمن بها، وهذا ما يُضفي على زعامته رونقاً خاصاً يميّزه عن  آخرين داخل "الجنس العاطل" الذي "إمتدحه" وليد جنبلاط يوماً في ديوان مزاجياته!.

وربما شكّل فرنجية البديل عن الضائع الذي يبحث عنه الرئيس نبيه برّي ليخلع عن كتفيه العباءة الشيعيّة ـ "الأمليّة" التي يتدثّر بها حاليّاً، ويرتدي العباءة الوطنيّة على رأس كتلة وازنة من المعارضة تضمّ رهطاً من الفعاليات صاحبة الوزن والثقل في طوائفها، وأيضا في بيئاتها الإجتماعيّة، وتخوض الإنتخابات من أقصى لبنان حتى أقصاه في وجه مرشحي السلطة، وعلى أساس برنامج عمل سياسي ـ إصلاحي يقف سدّاً منيعاً في وجه المسار المتبع على قاعدة حكم الشخص الواحد ـ كما تدّعي المعارضة اليوم ـ والهيمنة على الطائف، وتكريس صلاحيات لرئيس الجمهوريّة لا ينصّ عليها الدستور، الى آخر الإتهامات التي تكال للعهد وسيّده بعد أزمة المرسوم.

إن الدخول في هكذا مغامرة  قد يحتاج الى قرار كبير، من مرجع كبير في الخارج، أو من مجموعة مراجع دوليّة معنيّة بالشأن اللبناني، وغالباً ما كانت تختار لنفسها إسم "المجموعة الدوليّة لدعم لبنان"، والتي تصرّ راهناً على احترام الإستحقاقات، والمهل القانونيّة ـ الدستوريّة وإجراء الإنتخابات في مواعيدها المقررة، من دون أي إضافات أخرى حول المراحل التي ستلي هذا الإستحقاق. إن قراراً بهذا الحجم لا يمكن تبويبه ضمن خانة "صنع في لبنان"، ما يصنع في لبنان راهناً، هي المواد الأوليّة لهذا القرار، بحيث أن الرداء المسيحي الماروني لهذه الجبهة قد أصبح متوافراً من سليمان فرنجيّة الى بطرس حرب الى فارس سعيد، الى الشيخ سامي الجميل الذي يغرّد وحيداً، لكنه على مسافة قريبة من هذا السرب. إنه يبحث عن خصوصيّة حزبيّة ـ كتائبيّة في المعارضة، عن نكهة خاصة، عن لون معين منسجم مع الألوان الأخرى، ومتميّز عنها في نفس الوقت، إنه حاضر ناضر، يحاول أن يتقمّص دور جيل المؤسسين "ببرنيطته المبهبطة على رأسه، والمصنوعة من الفليّن"، يستعرض الألوف المؤلّفة، والمرصوصة كأسنان المشط في ساحة الريفولي، ويدقّق في كلّ شاردة أو واردة، حتى إذا ما امسك بملف ما "يعمل من الحبّة قبّة، ويهبّط حيطان المعارضة على الغرسات الطريّة العود في حديقة السلطة".

يعرف تماماً عمق الجرح "كنّا في حكومة تمّام بيك سيدها، صرنا مع حكومة جبران باسيل نرقص بعرسها"، ثلاثة وزراء لـ"القوات اللبنانية" ورابع على لائحة الشرف ومنصب نائب رئيس مجلس الوزراء، في حين أن حزبا عريقاً كحزب "الكتائب" يبقى خارجاً لا مكان له في الحكومة، ولا حتى مجرّد حقيبة وزارة الصناعة!.

بالطبع يمكن أن تكون حسابات معراب مختلفة تماماً عن حسابات الصيفي سابقاً وراهناً، وهناك سؤال كبير يحاصر سمير جعجع اليوم، الذي يضع رجلاً في "فلاحة" العهد وأخرى في "بور" المعارضة، أما كيف سيقف أخيرا مع دنو الإستحقاق وأين، فلا جواب واضحاً بعد، لأن جعجع ينظر الى ما بعد الإستحقاق الإنتخابي، إنه ينظر الى الإستحقاق الرئاسي منذ الآن، ومستقبل التحالفات، وما قد تفرزه الإنتخابات من أحجام وأوزان جديدة. هذا فضلا عن حكومة ما بعد الإنتخابات، أو "حكومة العهد الأولى" كما يريدها الرئيس ميشال عون. لذلك فإن الإصطفاف الى هذا الجانب، او  ذاك، متوقف الى حدّ بعيد على النتائج الدقيقة التي قد تفرزها حسابات معراب الناشطة اليوم على قدم وساق، وفي كل الإتجاهات!.

والمهم، وبمعزل عن موقف وموقع "القوات"، فإن الرداء المسيحي ـ الماروني بات متوافراً للرئيس نبيه برّي كي يمضي قدماً في حياكة العباءة الوطنيّة للمعارضة، ويبقى الناقص ـ أو غير المضمون حتى اليوم ـ هو الرداء السنّي الذي يفصّله الدبلوماسي السعودي وليد اليعقوب المتنقل من مآدب أشرف ريفي في طرابلس الفيحاء، الى مآدب فارس سعيد في جرد جبيل، إلى تلك التي تحضّر في بيروت وإقليم الخروب وصيدا والبقاع الغربي، لكن بالتنسيق مع وزير الداخليّة نهاد المشنوق، الأصيل في علاقاته مع المملكة، والملم بصناعة أطباقها الشهيّة حرصاً منه على سلامة المذاق العام، وحتى لا يبقى الرئيس سعد الحريري خارج الإصطفافات، ومن الذين لم يتلقوا الدعوة بعد للجلوس الى المائدة.

وعندما ذهب الحريري الى الفيحاء ليقدّم واجب العزاء الى وزير العمل محمد كبّارة بوفاة شقيقته، وقف من "أبو العبد" على تفاصيل التفاصيل حول حقيقة ما يجري، و"أبو العبد ربّها في هذا المجال"، مختار الأحياء، ووجيه الصالونات، والملم بدقائق الأمور، وتفاصيلها، فاطمأن منه على أحوال آل الميقاتي، وآل كرامي، وآل الصفدي، وحراك الريفي، ومهرجانات الدلعونا التي يشرف على إعدادها على وقع "هوا الشمالي غيّر اللونا!".

من يغيّر "اللونا؟"… "بعد بكير للإجابة"، ولا يزال أمام  الأقطاب متسع من الوقت لهندسة التحالفات، وتشكيل اللوائح، ورسم خريطة الطريق لسير المعارك الإنتخابيّة، و"أبو مصطفى" هو الأدرى في إخراج الأرانب من الأكمام في الوقت المناسب، ولسان حاله يقول إنه بعد الزيارة الناجحة التي قام بها مؤخراً الى طهران، سيعود ليدلف قريباً بإتجاه المصليح، وليبدأ من هناك التخطيط للمعركة. ويتحدث بعد المعنيين بحواضر القصر المنيف أن "السيبة أصبحت راكبة على قوائم ثلاثّ: الشيعيّة، يتقدمها الرئيس برّي بالتنسيق مع "حزب الله". والدرزية، بزعامة وليد بيك جنبلاط. والمارونيّة، بزعامة "الزغرتاوي القبضاي" سليمان بيك. وتبقى الرابعة السنيّة، التي يعدّها بإتقان "النجّار" السعودي… أما مهرجانات  الدلعونا فقد بدأت على وقع "هوا الجنوبي يغيّر اللونا…"

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.