الاجهزة الرقابية: رقيب غير حسيب!

بلال عبد الله لـ"الرقيب": النظام الطائفي يحمي الفساد

ـ محمد شرف الدين ـ

لم يعد اسم لبنان مرتبطاً بالطبيعة الخلابة وكرم الضيافة وحبه للحياة والسهر، بقدر ما أصبح مرتبطاً بالطائفية والمحسوبية والفساد. في الاسابيع الماضية تداول النشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي تصريحاً للرئيس الاثيوبي لا دليل على صحته لكنه غير مستبعد، مفاده أنهم "اذا لم يكافحوا الفساد، سوف يصبح حالهم مثل لبنان".

وبغض النظر عن "الغمزة العنصرية" لدى صاحب "النكتة"، الا انه على حق، حتى أقل دول العالم الثالث نمواً لا تشهد ما يشهده لبنان من فساد، وتتخوف أن يصبح حالهم كحاله، حيث لا يمرّ يوم الا ويُكشف النقاب عن مؤسسات وادارات تابعة للدولة ينخرها الفساد، ان من حيث "سوء" الخدمات التي تُقدّمها او لناحية "تُخمة" الموظفين التابعين لها.

ولم تعد المطالبة بمكافحة الفساد محصورة بالمطالبات الداخلية، بل باتت عابرة للحدود تحت عنوان "الاصلاحات" التي يُطالب بها المجتمع الدولي كشرط لامداد لبنان بجرعة مساعدات مالية، كان آخرها مؤتمر "سيدر"، حيث التزم لبنان بتنفيذ برامج اصلاحية متنوّعة تماشياً مع قضية مكافحة الفساد.

هكذا، وبما ان الفساد اللبناني أصبح ذائع السمعة عالمياً، لما لا تقوم السيدة فيروز بتقديم نسخة معدلة من أغنيتها "أنا لحبيبي وحبيبي إلي"، وتكون كلماتها "لبنان للفساد والفساد للبنان"، الاكيد أنه "لن يعتب حدا ولن يزعل حدا"، خصوصاً المعنيون بمكافحة الفساد، كالوزير نقولا التويني وديوان المحاسبة والتفتيش المركزي، الذين يقفون عاجزين أمام الفساد اللبناني الاصيل والمتأصل في الادارات.

عند وصوله الى قصر بعبدا، خرج الرئيس عون بفكرة "وزارة مكافحة الفساد"، وطول فترة صلاحية الحكومة السابقة، وقف التويني متفرجاً على زملائه من الوزراء والنواب، يتنافسون معركة تلو الاخرى على "قطعة الجبنة" من هذه الصفقة او تلك، فيما يعاني التفتيش المركزي من محدودية كادراته، اذ يشغل 70 مفتشاً واجبهم ممارسة الرقابة على ما يزيد عن 300 الف موظف في القطاع العام، وهو عدد منخفض جداً مقارنة بأواخر الخمسينات، يوم كان التفتيش المركزي يضمّ 200 مفتشاً يمارسون الرقابة على 11 الف موظف! هذه المحدودية لا تقف وحدهها عائقاً أمام ممارسة التفتيش المركزي لمهامه، بل هناك "الوساطات والمحسوبيات" وهناك من يعتبر نفسه محمياً وفوق سقف القانون، اذ جرى التداول الاسبوع الماضي بأن بعض الوزارات منعت التفتيش من الدخول إليها.

في خطاب القسم، وعد الرئيس ميشال عون بالعمل على مكافحة الفساد، وانضم اليه "حزب الله" خلال حملته الانتخابية قبل الاستحقاق النيابي الماضي، والى جانبهم كل الافرقاء السياسيين الذين يطالبون باستمرار بمكافحة الفساد من دون اتخاذ اي خطوات فعلية لتحقيق هذه الغاية. الا ان هذه المرة يظهر الجميع جديتهم، خصوصاً أن أموال سيدر مرتبطة بتحقيق اصلاحات، والوضع الاقتصادي في لبنان أصبح في حاجة ماسة لهذه الاموال لتنقذ البلاد من الافلاس.

على مدى الاسابيع الماضية، كانت هيئة العدل والادارة تجتمع لدراسة مشروع تعديل قانون المؤسسات الرقابية، بهدف تحسين وتحصين التفتيش المركزي، وتأتي هذه الخطوة بعد الضجة الاعلامية التي ولدتها اعداد الموظفين الضخمة، أو المضخمة في القطاع العام، الذين ينضمون الى القطاع العام من دون آليات واضحة في التسميات المستخدمة والتي تدور حول ملاك الدولة والخدمة المدنية، على سبيل المثال: عمال الفاتورة، المستعان بهم، المياومون، المتعاقدون، والمتعاملون، وشراء الخدمات. وخلصت الاجتماعات الى اصدار توصيات تقضي بقيام التفتيش المركزي بعد الاستقصاء وإجراء المساءلة اللازمة، بتزويد اللجنة بالهيكلية الحالية لمؤسسات الدولة، أي كم موظف تضم كل إدارات الدولة وفي أي مراكز وفئات، وتبويب الموظفين في كل الدوائر والإدارات والفئات وصولاً إلى رقم للمباشرة في دراسة المشاريع اللاحقة، بالاضافة الى زيادة عدد المفتشين واستحداث نظام لتقييم أداء خدمات الدولة اللبنانية، كل قطاع منفرداً، من خلال آليات تقنية الكترونية في كل إدارة وعلى باب كل هيئة، مربوطة بالتفتيش المركزي، ويفسح المجال أمام المواطن للمحاسبة وإجراء التقييم. على هذا الأساس تُرصَد نوعية خدمات الإدارات، تلك التي تقوم بواجباتها كما يجب وتلك التي يستشري فيها الفساد.

هذه الخطوات واعدة، الا أن النائب في "الحزب التقدمي الاشتراكي" بلال عبد الله يعتبرها غير كافية، فبرأيه، كل اجهزة الرقابة ـ بما فيها القضاء ـ لن تكون قادرة على مكافحة الفساد، والسبب الاساسي هو ان هذا النظام الطائفي بكل تداعياته ومفاعيله، يبقى حاجزاً منيعاً امام مكافحة الفساد على كافة المستويات، فالسلطة السياسية هي التي تعين هذه الاجزة الرقابية، والسلطة السياسية منبثقة عن النظام الطائفي، كل مرجعية تختار رئيس جهاز، اي موظفي الفئة الأولى الموزعين طائفياً، وبالتالي ليس من السهل عليهم القيام بالمهام المناطة اليهم".

ويعتبر عبد الله في حديثه لـ"الرقيب" أن مكافحة الفساد في لبنان تتطلب ارادة سياسية فعلية في مكافحة الفساد، ومن شأنها بوجود هذه الارادة ان تحقق الكثير، لكن كل الخطوات ستبقى قاصرة عن مكافحة الفساد بشكل تام وكامل، فهذا الامر يتطلب دولة مدنية.

وعن وزارة مكافحة الفساد، يعتبر عبد الله أن " في لبنان وزير لمكافحة فساد لكن لا يوجد وزارة، الوزارة تعني قوانين وادارة ومراسيم، هذا الوزير ظلم كونه وزير دولة اعطي مهمة من دون الوسائل الكافية لاتمامها، فالوزارة تتطلب قوانين ومراسيم تجعل صلاحياتها واضحة المعالم".

مزاريب هدر

كشفت دراسة اعدتها جهات سياسية عن ان هناك 48 مؤسسة في لبنان لها موازنتها الخاصة تتقاضى اموالاً من الخزينة، منها ما هو وهمي ومنها من لا يعمل ومنها انتهت مدة صلاحية عملها، الا انها لا تزال قائمة وتحصل على حصّتها من المال العام، نذكر منها

– المجلس الأعلى السوري – اللبناني ومهمته متابعة تنفيذ احكام "معاهدة الأخوة والتعاون والتنسيق" بين لبنان وسوريا وتبلغ موازنته السنوية نحو 885 مليون ليرة.

– مصلحة سكك الحديد والنقل المشترك. تبلغ موازنتها السنوية ما يقارب 13 مليار ليرة، علماً ان سكك الحديد معطلة والقطار متوقف منذ العام 1979.

– إدارة البريد. تبلغ موازنتها السنوية 6.8 مليار ليرة (6.828.700.000 ليرة)، متوقفة عن النشاط منذ العام 1998، والقطاع تمّ تخصيصه برمته.

– المؤسسة العامة لترتيب الضاحية الجنوبية الغربية لبيروت "إليسار". تبلغ موازنتها السنوية نحو 3.4 مليار ليرة (3.410.000.000) متوقفة عن العمل منذ العام 1997.

– المجلس الاقتصادي الاجتماعي. موازنته السنوية 2 مليار ليرة في حين ان مهمته يُمكن ان تُنجزها وبسهولة وزارة الاقتصاد والتجارة.

– مجلس الإنماء والإعمار. موازنته السنوية تلامس الـ 656 مليار ليرة، وصلاحياته شبه مطلقة في حين ان مهماته يُمكن ان تقوم بها وزارات عدة، كما انه لا يخضع لرقابة ديوان المحاسبة.

– الهيئة العليا للإغاثة. موازنتها السنوية نحو 66 مليار ليرة (66.087.781.000 ليرة). ومن المستغرب كيف ان هذه الهيئة تُسدد من موازنتها جزءاً من متوجبات المحكمة الدولية في حين ان موازنة وزارة العدل هي المعنية مباشرة.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.