هل مصارف لبنان في خطر؟

د. أيمن عمر  (*)

يمثّل القطاع المصرفي اللبناني جزءاً مهماً من الاقتصاد الوطني. مع انتهاء الحرب اللبنانية، ساهم القطاع المصرفي بتمويل إعادة الاعمار وإعمار البنى التحتية، وبتحريك العجلة الاقتصادية في البلاد. وبقي القطاع المصرفي اللبناني القطاع الاقتصادي اللبناني الوحيد الصامد في وجه الأزمات الاقتصادية والأمنية والسياسية التي يعيشها البلد منذ العام 2005. يضم القطاع المصرفي اللبناني 69 مصرفاً موزعاً بين 45 مصرفاً تجارياً، 16 مصرفاً للاستثمار والتسليف المتوسط والطويل الأجل، خمسة مصارف إسلامية، وثلاثة مصارف خدمات خاصة، وعلى رأس هذه المصارف يتربع المصرف المركزي. يبلغ العدد الإجمالي لفروع المصارف العاملة في لبنان حوالي 1.005 فرع داخلي، منها 984 فرعاً للمصارف التجارية و21 فرعاً لمصارف الأعمال والتسليف المتوسط والطويل الأجل. وتعتبر نسبة المصرفة (Bancarisation) في لبنان مرتفعة، إذ يوجد فرع مصرفي واحد لكل 5 آلاف شخص.

ميّزات القطاع المصرفي

– دعامة للنمو الاقتصادي: يستعمل المصرف المركزي سياسته النقدية لتحفيز النمو الاقتصادي. يفوق حجم هذا القطاع الـ 220 مليار دولار أميركي أي ما يوازي 4 مرات حجم الاقتصاد اللبناني، ويساهم بطريقة مباشرة وغير مباشرة بالنمو الاقتصادي وبتوفير فرص عمل وبالاستقرار الاجتماعي والسكني ورفع مستوى المعيشة.

– المحافظة على ثبات سعر صرف الليرة: تتضمّن الأدوات التقليديّة التي يتمّ استخدامها للوصول إلى هذا الهدف بشكلٍ رئيسيّ الاحتياطات بالعملة الأجنبيّة لدى مصرف لبنان والتي بلغت مستوىً قياسيّاً جاوز الـ 44 مليار دولار واحتياطيّ ذهب بلغ 12 مليار دولار كما في نهاية العام 2017، والتي تسمح باستيعاب الأزمات التي تضغط على سعر صرف العملة المحلية.

– إدارة الدين العام: تُعاني الدولة اللبنانية من عجز في موازنتها العامّة بقيمة 45 مليار دولار أميركي تراكميًا وذلك منذ العام 2004. هذا الأمر دفع بالدين العام إلى الإرتفاع إلى مستويات عالية فاقت الـ80 مليار دولار أميركي أكثر من 152% من الناتج المحلّي الإجمالي. وقام القطاع المصرفي اللبناني بتمويل عجز الدوّلة اللبنانية بشكل كبير منذ البداية، وبحسب الإحصاءات، فإن حصّة مصرف لبنان من الدين العام المحرّر بالليرة اللبنانية ارتفعت قليلاً بين نهاية آذار ونهاية نيسان 2017 لتبلغ 39.5 %، فيما بلغت حصّة المصارف التجارية 45.5 % وانخفضت حصّة القطاع غير المصرفي إلى 15.2 %. وقد موّل مصرف لبنان هذا العجز من خلال شرائه سندات خزينة.

– إعتماد المعايير الدولية: تفرض السلطات الرقابية المصرفية في لبنان على المصارف العاملة اعتماد المعايير الدولية لكفاية رأس المال والمتمثلة باتفاقيات "بازل ـ 1"، ثم "بازل ـ 2"، وأخيراً "بازل ـ 3". إن تطبيق المصرف المركزي للقوانين الحديثة المتماشية مع القوانين الدولية هي من أهم عناصر الثقة بهذا القطاع الهام.

– الانتشار في العالم: طوّرت المصارف اللبنانية في العقدين الماضيين شبكة انتشار خارجي واسعة. ويمتلك حالياً 16 مصرفاً لبنانياً تمثل ما يقارب 86 % من حجم القطاع حضوراً في أكثر من 30 بلداً تغطّي أسواقاً عربيةً مهمةً، كما تغطّي أسواقاً إقليمية. أما حجم نشاط مصارفنا في الخارج، فيمثّل 17 % من إجمالي الميزانيات المجمّعة للمصارف الـ 16 العاملة في الأسواق الخارجية.

– القدرة على النمو بشكل كبير: نما القطاع المصرفي اللبناني بشكل كبير خلال العقد الأخير، فقد زادت موجودات المصارف التجارية من حوالي 68.5 مليار دولار بنهاية العام 2005 إلى حوالي 166.5 مليار دولار بنهاية الفصل الأول من عام 2014.  بلغت الموجودات في المصارف التجارية في نهاية شهر تشرين الأول 2017 ما يعادل 325.303 مليارات ليرة، أي نحو 215.8 مليار دولاراً، مقابل 301.006 مليارات ليرة في تشرين الأول 2016.  وأكد مصرف لبنان في تقريره السنوي ان القطاع برهن عن متانةٍ ومرونةٍ تجاه مختلف الصعوبات، محقّقاً نموّاً جيّداً بنسبة ٧٫٦ % في مجموع أصوله إلى 220 مليار دولار في نھاية العام 2017.

– نشاط مصرفي هائل: أما حجم النشاط المصرفي في العام 2017 فبلغ نسبة 5.6 % في الأشهر العشرة الأولى من العام 2017 في مقابل ارتفاعه بنسبة أعلى بلغت 7.4 % في الفترة نفسها من العام 2016. ما يعني أن النشاط المصرفي سجل تحسناً ولكن بنسبة أدنى من العام السابق، نتيجة التحديات والأزمات التي واجهته خلال العام.
تمويل القطاعين العام والخاص: بقي نمو النشاط المصرفي جيداً وكافياً لتلبية المتطلبات التمويلية للقطاعين العام والخاص، وذلك لوجود سيولة مرتفعة نتيجة نمو جيد للودائع وزيادة كبيرة في الرساميل. ارتفعت تسليفات المصارف اللبنانية الى القطاع الخاص (المقيمين وغير المقيمين) بنسبة 4.14 %. في المقابل، نمت التسليفات بنسبة 4.53 % في نهاية العام 2016. وقد بقيت مستويات السيولة في القطاع المصرفي عالية بحيث وصلت نسبة السيولة الأولية الى 84.25 % مع نهاية تشرين الثاني 2017، مقارنة بنسبة 81.46 % في الفترة المماثلة من العام 2016.

موارد بشريّة ذات كفاءات عالية: يعمل في المصارف كادر بشري من حملة الشهادات الجامعية وذات خبرة طويلة ومتدربة وتملك مؤهلات عالية، وتواكب دائماً آخر التطورات في  هذا القطاع. 

– تأمين الخدمات الحديثة والتقليدية: ومنها أجهزة الصراف الآلي، خدمات البطاقات، والصيرفة الالكترونية، والعمليات بالتجزئة، والصيرفة الإسلامية، والتأمين والاستشارة وغيرها.

تقييم مؤسسات دولية

في حزيران 2016 وصفت وكالة "فيتش" للتصنيف القطاع المصرفي في لبنان باعتباره قطاعاً يتمتّع بـ"مستوى منخفض من الضعف المحتمل". وهذا هو التصنيف الأعلى للوكالة والذي يضع المصارف اللبنانية جنباً إلى جنب مع تلك الموجودة في المانيا والدانمارك والولايات المتحدة وغيرها من البلدان. وفي أيلول 2017 غيّرت وكالة "موديز"، لخدمات المستثمرين، نظرتها المستقبلية للقطاع المصرفي في لبنان من "سلبية" إلى "مستقرة"، في ظل تحسن الاستقرار السياسي والنمو الاقتصادي في البلاد. ووفقاً لصندوق النقد الدولي، يتمتع القطاع المصرفي في لبنان بالسيولة وحضور الأصول والإشراف الجيد. وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن لدى النظام المصرفي اللبناني نموذج عمل محافظاً نسبياً، مراقباً بشكل جيد، ويتمتع بقاعدة تمويل مستقرة نسبياً مع حوالات كبيرة. ووفقاً لدراسة تحليلية صادرة عن الأمانة العامة لاتحاد المصارف العربية خلال تموز 2017، احتل لبنان المرتبة الثالثة بالنسبة لعدد المصارف التي دخلت اللائحة، وذلك بدخول 10 مصارف لبنانية ضمن لائحة أكبر 1000 مصرف في العالم.

إن القطاع المصرفي هو الدعامة الحقيقية للاقتصاد اللبناني، وهو يمثل خط المناعة الأول عن النظام النقدي والمالي في الاقتصاد اللبناني. فلنحافظ على ما تبقى من هذا النظام الآيل إلى الانهيار إذا ما استمرت الأوضاع على حالها.

باحث في الشؤون السياسية والاقتصادية (*)

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.