المعابر  والعبور  والعبر.. والأثمان!

جورج علم ـ

معابر، وعبور، وعبر، ولكن من يعتبر؟.

رحّبت الهيئات الإقتصاديّة بمعبر "نصيب" يفتتح أبوابه مجدداً بين سوريا والأردن، لعبور المنتجات اللبنانية إلى الدول العربيّة، وتمنّى وزير الخارجيّة والمغتربين جبران باسيل على نظيره العراقي إبراهيم الجعفري، عندما إستقبله مؤخراً في قصر بسترس، العمل على فتح المعابر ما بين سوريا والعراق أمام الصادرات اللبنانيّة، وتزامن ذلك مع تفاؤل "مصطنع" حول إمكانية فتح المعبر الحكومي، كي تتمكّن التشكيلة من العبور الى قصر بعبدا، وتبصر النور.

كان العدّ العكسي قد بدأ إعلاميّا، إيذاناً بتحديد ساعة الصفر كموعد لإعلان الولادة، إلاّ أن "حزب الله" قد أوقف العدّاد، وفرمل الإندفاعة، وأطلّ الأمين العام السيّد حسن نصرالله عبر الشاشة ليبطل المهل، ويؤكد بأن العقد لم تحل بعد، غامزاً من قناة النواب السنّة الستة، وحجته كيف يحق بأربعة وزراء لكتلة تضم 15 نائباً، ولا يحق لـ6 نواب أي تمثيل؟".

للتذكير فقط. "حزب الله" حليف إيران الأصيل في لبنان.

ويرد حزب "القوات اللبنانية" على "تغريدة" الحزب بالعزف على عود الحصص، والحقائب، وما يريد، وما لا يريد، ويعتلي النائب جورج عدوان المنصّة الإعلاميّة في مجلس النواب، ويرتجل مؤتمراً صحافيّاً خلاصته بضع كلمات "لاحكومة، لا اليوم، ولا غداً، ولا بعده، ما لم تحل العقد المعروفة". والنتيجة لا حكومة، لأن المعبر المحلي لم يحن أوان فتحه بعد لكي تعبر التشكيلة إلى قصر بعبدا، إيذاناً بالولادة.

للتذكير فقط. حزب "القوات اللبنانية" حليف المحور الأميركي ـ السعودي.

وتشاء الصدف، ربما، أن يلتقي موقف "القوات" مع موقف "الحزب" على نسف المهل، وتأخير إعلان التشكيلة إلى وقت تحدّده العرّافة، أو قارئة الفنجان!.

وكان السيّد نصرالله قد ذهب نحو الأبعد، عندما سخر من أولئك الذين ربطوا الانفراج المحتمل في لبنان، بذاك الذي يشهده العراق بعد إنتخاب رئيس للبلاد، ورئيس للمجلس النيابي، ورئيس للحكومة. وقال يخطىء من يعتقد أن المحور الأميركي قد فاز بالعراق، هذا المحور ـ حسب قوله ـ قد مني بهزيمة كبرى، والذي إنتصر هو الإرادة الوطنيّة العراقيّة، ومحور المقاومة.

قال نصرالله كلامه، وترك الصدى يتفاعل في الداخل اللبناني لإكتشاف المغزى، والمضمون، والأبعاد، والتداعيات التي قد يتركها على بورصة التأليف، وسط تطورين سلبييّن: الحملة التي تستهدف مباشرة العهد، وسيده الرئيس العماد ميشال عون. والوضع الإقتصادي المنهار، وسط تساؤل مقلق يطرحه أهل الكار من تجّار، وصناعييّن، ومصدّرين: ما قيمة المعابر التي تربط المنتجات اللبنانية بالخليج، إذا كان الخليج في أزمة مفتوحة مع لبنان على خلفيّة الدور والمكانة والحضور والنفوذ الذي يحتله "حزب الله"؟. ثم كيف يمكن التعويل على كميّات الأوكسيجين التي قد تأتي من الخليج لمعالجة حالة الإختناق التي يعاني منها الإقتصاد اللبناني، والخليج هو بدوره في أزمة مفتوحة مع نفسه نتيجة العوائق الأمنيّة، والإقتصاديّة، والسياسيّة المتفاقمة بفضل الضغوط الإيرانيّة، وحرب اليمن، وحصار قطر؟!…

في التطور الأول، ووفق الأسماء، والوقائع، والتواريخ كان رئيس "الحزب التقدمي الإشتراكي" وليد جنبلاط أول من فتح النار بإتجاه العهد. "عهد فاشل"، قالها بعيد زيارة للرياض. وجاء التصويب الثاني من شخصيات في تيار "المستقبل"، من مصطفى علوّش، وصولاً الى الرئيس فؤاد السنيورة الذي إتهم الرئيس بـ"ممارسات خارج الدستور، ولم يأت على ذكرها إتفاق الطائف!"، وقد إستوجب موقفه ردّا من وزير العدل سليم جريصاتي. بدوره لم يلتزم الرئيس تمّام سلام بفضيلة الصمت، بل نزع ربطة العنق، وإتخذ وضعيّة الهجوم، وصوّب نباله بحذاقة بإتجاه القصر، منتقداً الإداء، والأسلوب، والمواقف التي غالبا ما تأتي "مروّسة".

ولم يقصّر الموارنة عن ركوب الموجة، فإنبرى الدكتور فارس سعيد في إطلالات، ومناسبات عدّة، قبل الإنتخابات النيابيّة، وبعدها، ينتقد، ويلدغ فيوجع، وحجته أن الرئيس يدير سياسة "حزب الله"، ويخضع لإملاءاته. ولم يكتف الوريث السياسي والعائلي للست نهاد سعيد بذلك، بل جرّ معه "لقاء سيدة الجبل" الى أرض الميدان، وساحة المعركة، وتوقفت آخر جولاته عند الخلوة التي لم تعقد، وكان عنوانها "رفع الوصاية الإيرانيّة عن لبنان".

وأدلت "القوات اللبنانية" بدلوها، لكن بأسلوب سلس، مرن، ينكأ ولا يجرح، إن من خلال المواجهات الإعلاميّة مع "التيار الوطني الحر"، أو المواجهات السياسيّة والتباينات العميقة في المواقف حول الأحجام، والأوزان، وعدد الوزراء، ونوعيات الحقائب، وصولاً الى الإصطفافات السياسيّة لكليهما وراء المحاور المعروفة، والمفتوحة على كل الإحتمالات.

أمّا المفاجأة الكبرى فهي تلك التي فجّرها رئيس تيار "المردة" سليمان فرنجيّة خلال إطلالته الإعلاميّة مع الزميل مرسيل غانم، حيث وجّه سهامه مباشرة بإتجاه الرئيس، وصهره جبران باسيل، وأثار حفيظة حليفه "حزب الله". بالطبع لم ينبر الحزب للدفاع عن بعبدا جهاراً، وعبر وسائل الإعلام، وهو أساساً لم يدخل هذا الأسلوب في أدبياته السياسيّة والإعلاميّة، وقد عوّد متابعيه على تصريحات مدروسة بمفرداتها ومعانيها للإشادة بمواقف يعلنها الرئيس خلال المناسبات التي يمثّل فيها لبنان في المنتديات الدوليّة، والإقليميّة، والتي تأتي متطابقة وإستراتيجية الحزب، إلاّ أن ما ذهب اليه فرنجيّة خلال إطلالته قد أعاد الحرارة الى الإتصالات التي جرت بعيداً عن الأضواء لتلافي محظورين:

الأول، كيف تخوض المعارك للإحتفاظ بحقيبة الأشغال، والمشاركة في حكومة العهد الأولى، وأنت تكنّ كلّ هذا المخزون من الغضب والحقد ضد رئيس سيرأس إجتماعات مجلس الوزراء وفق ما ينصّ عليه الدستور اللبناني؟.

الثاني، كيف يمكن التلاقي مع شخصيات نافذة في فريق 14 آذار، تصّر على مواجهة الرئيس، والنيل من العهد، وأنت المصنّف في خانة 8 آذار، وتتبنى مواقف محور المقاومة؟!.

وتبقى العبرة في خلفيات هذا المشروع الذي جمع في صفوفه هذا الكم من الشخصيات التي تنتقد العهد صراحة، وتصوّب على الرئيس مباشرة، بعدما عجزت كل المحاولات الهادفة الى إحداث شرخ بينه وبين المقاومة و"حزب الله". وهل إنتقل الصراع السياسي من مربع تشكيل الحكومة الى مربع الحملات الإعلاميّة المكشوفة، أم أن هناك صلة وصل مدروسة، للتنسيق بين المربعين بهدف صبغ الحكومة العتيدة بصبغة سياسيّة تتناغم وإستراتيجيّة هذا المحور دون الآخر؟

أمام هذا الواقع يفترض بمن هم في الواجهة السياسيّة المحليّة أن لا تخونهم الشجاعة، وأن يقرّوا ويعترفوا بأن العقبات التي تحول دون التشكيل هي خارجيّة أكثر مما هي داخليّة، وتتصل بصراع المحاور على الساحة اللبنانية.

أما في ما يتعلّق بالوضع الإقتصادي المأزوم، والذي يتفاقم يوماً بعد يوم، ويترك تداعيات واسعة على الصعيدين الإجتماعي والمعيشي، فهو جزء لا يتجزأ من المعركة المحتدمة بين المحاور المتصارعة، والدليل أن الكل رحب بفتح المعابر البريّة التي تربط لبنان بسوريا بالعراق، أو لبنان بسوريا بالأردن بالخليج، لتصريف المنتجات، والسلع، والخضار، والفاكهة، وإدخال بعض الأوكسيجين للإقتصاد اللبناني الذي يعاني من إختناق، ولكن الترحيب لا يكفي وحده ليعالج أزمات مفتوحة مع السعوديّة، أو مع دولة الإمارات، أو البحرين، أو سائر دول الخليج الأخرى. إن فتح المعابر ينشّط حركة التصدير والإستيراد، لكن بعد معالجة الملفات العالقة على خلفيات سياسيّة، نظراً للدور الذي يحتلّه "حزب الله" والمحور الإيراني على الساحة اللبنانية في مواجهة المحور الأميركي ـ السعودي ـ الخليجي.

وما بين المعابر والعبور، تتفتّق العبرة، وأولها أن المعبر الحكومي المؤدي الى قصر بعبدا لا يمكن أن يصبح سالكاً وآمناً أمام الولادة، إلاّ إذا رفعت المطبّات والعوائق التي يضعها هذا المحور أو ذاك في الطريق. وأيضاً، إن المعابر البريّة لا يمكن أن تكون آمنة وسالكة أمام الصادرات اللبنانيّة، إلاّ إذا عرف لبنان الرسمي والسياسي والإقتصادي كيف يرفع العوائق والموانع التي تحول دون الوصول الى قلب الخليج!.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.