ميريام سكاف.. "المتحوّلة"

* نورما أبو زيد *

*هي ابنة بشري المارونية، التي تخلّت عن مارونيتها بعد وفاة زوجها الوزير والنائب السابق الياس سكاف، لكي تتمكن من البقاء على رأس بيتها السياسي في عاصمة الكثلكة، هذا البيت المستمدة زعامته من جوزيف سكاف "العم"، الذي استطاع أن يلعب أدواراً في عصره تتخطى حدود زحلة المدينة، وحدود طائفة الروم الكاثوليك التي كان يلعب القيمون فيها أدواراً سياسية هامشية منذ عهد الاستقلال.

*الجميلة ميريام سكاف، ليست دخيلة على عالم السياسة. فهي سليلة بيت سياسي عريق، ولذلك عندما اقترنت بـ"الآدمي" الياس سكاف، لم تكتفِ بلعب دور زوجة الزعيم، بل لعبت أدواراً متعددة، لعلّ أبرزها إدارة "مؤسسة جوزيف سكاف الاجتماعية"، التي جعلتها على تماس مباشر مع عائلتها الكبرى في زحلة والبقاع، بواسطة مؤسسة تحمل اسم عائلتها الصغرى.

*زعيمة "الكتلة الشعبية"، التي هوت المسرح، ودرست علم النفس، وتعمّقت بمقاربة الدين لشؤون النساء لأنّ العائلة رفضت "علم التمثيل"، هي أيضاً متخصّصة في "علم الظهور"، ولذلك فهي مقلّة في إطلالاتها الإعلامية، ولا "تظهر" لمجرّد الظهور، وإنّما عندما تجد أنّ إطلالتها ضرورة.

*لو كُتب لـ"الآدمي" طول العمر، لكان كُتب لها البقاء خلف جدران منزلها، والاكتفاء باهتماماتها الاجتماعية، خصوصاً وأنّها صرّحت أكثر من مرة بأنها لا تهوى العمل السياسي، ولكن موت زوجها جعلها تعدل عن قناعاتها، وتذهب في طموحاتها أبعد من الدور الذي لعبه زوجها في الحياة السياسية، من خلال التوق إلى تشكيل كتلة نيابية وازنة على غرار الكتل النيابية التي كان يشكّلها والد زوجها جوزيف طعمة سكاف.

*هي ليست استثناء لناحية دخولها النادي السياسي كوريثة لزعامة زوجها، ولكنّها استثناء لناحية ترؤسها لحالة سياسية. ففي ما عدا النائب نائلة معوض التي ورثت حالة زوجها الرئيس الراحل رنيه معوّض، واستمرّت في التجديف رغم أنّ المركب اللبناني مثقوب، فقد كانت العادة أن ترث الزوجة أو الابنة مقعد زوجها أو والدها النيابي، من دون أن تبذل أيّ جهد استثنائي لا خلال عملية "حصر الإرث" السياسي ولا بعده، ولكن أن ترث زوجة حالة سياسية كحالة "الكتلة الشعبية"، وأن تثبت كفاءة وديمومة في رئاستها لها، فهذا طبعاً استثناء، خصوصاً أنّ البيئة ذكورية ترفض قيادة المرأة.

*مع أنّ تجارب الوريثات السياسيات في لبنان ليست مشجعة، بشكل عام، استطاعت ميريام سكاف ـ سليلة بيت طوق السياسي ـ أن تقدّم نموذجاً مختلفاً، وبذلك لم تنضم إلى مجموعة "سعادتها مقهورة لأنّ البلد ذكوري الهوى"، بل أسّست مجموعة "سعادتها قاهرة مع أنّ البلد ذكوري الهوى".

*المرأة التي اعتبرها البعض "زجاجية"، سريعة العطب وقابلة للانكسار بسرعة، أثبتت بالتجربة أنّها امرأة فولاذية صلبة وقوية، تكسر ولا تنكسر.

*أولى معارك ميريام سكاف كانت مع الإكليروس. لم يشأ الدمشقي المولود في عاصمة الأمويين، المطران عصام درويش، أن يُكتب لميريام سكاف عمراً سياسياً مع وفاة زوجها، فردّ طلبها الذي عبّرت فيه عن رغبتها بالتحوّل من مارونية إلى كاثوليكية، وأنشأ ما عُرف بـ"خلية السفارة" للبحث عن زعامة بديلة لمدينة زحلة الكاثوليكية، ولكنها حصلت على لقب "المتحولة"، منتصرة بذلك على درويش، علماً أنّ المعارك مع الإكليروس غالباً ما تكون معارك خاسرة.

*لم تكتفِ سكاف بجولة كباش واحدة مع "جنرال" زحلة الأول المطران عصام درويش. فهي تلاحقه في كلّ شاردة وواردة، وذهبت إلى حدّ وصفه بـ"المستورد"، واعتبرته منتحل صفة رجل دين.

*المعركة مع المطران عصام درويش كانت أولى معارك ميريام سكاف، ولكنها لم تكن آخرها، إذ خاضت حرباً سياسية على عدّة جبهات وخرجت منها منتصرة.

*قرار "الآدمي" بتسليم ابنة جبران طوق لشعلة آل سكاف، جنّبها معركة عائلية مع ابن عم زوجها ميشال سكاف، الذي قال في "طاعته" لها رغم العلاقة المتقلبة بينهما: "آل سكاف لا ينتحرون، والاجتماعات العائلية تُعقد باستمرار"، ولكن عدم خوضها معركة تقسيم الحصص عائلياً، لم يجنّبها معركة تقسيم الحصص سياسياً. فبارتدائها عباءة زوجها، بعد تحوّلها إلى كاثوليكية، تزعّمت ميريام سكاف عاصمة الكثلكة في هذا الشرق، وقد واجهت من أجل هذه الزعامة حرب إلغاء سياسية، شنتها عليها كلّ الأحزاب المسيحية.

*توقّعت الأحزاب الفاعلة في عاصمة الكثلكة أن تنحسر أدوار وأن تتقدّم أدوار في انتخابات زحلة البلدية، وأن تتغيّر خريطة التوازنات على الساحة الزحلية، وبالرغم من المحدلة الرباعية التي كان قوامها "التيار الوطني الحر" و"القوات اللبنانية" و"حزب الكتائب اللبنانية" وآل فتوش، تحصّنت سكاف بكلام لزوجها مفاده أنّ "زحلة حيطا مش واطي" وحذّرت "الرباعي" المندفع من تسلّق سياج المدينة، فكانت النتيجة أن تفوّقت على أربع كتل سياسية، مثبتة أنّ المساحة الأكبر في زحلة هي للبيوتات السياسية التقليدية حتى ولو كانت الوريثة امرأة و"متحوّلة".

*كان فارق أصوات انتخابات مدينة زحلة متقارباً بين سكاف والأحزاب التي كانت في مواجهة معها، وعدّت هزيمتها انتصاراً لأنّها واجهت وحدها أربعة أحزاب، ولأنّها أثبتت للجميع بأنّ زحلة ليست "عونية" ولا "قواتية" ولا "كتائبية" ولا "فتوشية"، ولعلّ أهم إنجاز هو أنّها استطاعت أن تمنع ابنة عمها ستريدا طوق جعجع من تسديد ضربة في ملعبها عبر "حزب القوات" الذي له وجوده الفاعل على الساحة الزحلية.

*ردّد كثيرون لحظة غياب إيلي سكاف: "رحل إيلي سكاف ناعياً معه إحدى البيوتات السياسية التقليدية"، ولكن في الواقع "مات إيلي سكاف ولم يُغلق منزل العائلة السياسي"، لأنّ ابنة بشري حملت بأمانةْ أمانة الزعيم الزحلاوي الراحل جوزيف سكاف، التي كان زوجها مسكوناً بهاجس المحافظة عليها.

*منذ عامين تقريباً، "خلع" الوزير والنائب الراحل إيلي سكاف عباءة العائلة على كتفي زوجته، وقد بدأت مشوارها السياسي بمعركتي "كسر عضم"، خرجت منهما سالمة رغم حروب الأقربين والأبعدين، والإحصاءات تظهر أنّها الأقوى في زحلة.. فهل تتمكّن من الحفاظ على ما حققته؟

 

 

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.