الحسم في "عين الحلوة" ينتظر انتهاء معركة الجرود

لماذا تدير "رام الله" معركة "فتح" مع المتشددين"؟
* نورما أبو زيد *

إذا حصل البرق في الصين، تُمطر في "عين الحلوة"، اعتراضاً أو تجاوباً.. هكذا يصف أمني بارز الوضع في "مخيّم الشتات" الأكبر، الذي يضمّ ما لا يقلّ عن مئة ألف نسمة في كيلومتر واحد، بينهم مجموعات متشدّدة من كلّ طعم ولون.

الجولات الدامية هي خبز مخيّم "عين الحلوة" اليومي، بعد أن حوّلته الفصائل المتشدّدة المتوارية عن أنظار الدولة اللبنانية في داخله، إلى صندوق بريد يتم عبره إيصال الرسائل وتبادلها، وبدّلت اسمه من "عاصمة الشتات" إلى "عاصفة الشتات".

على وقع معركة رأس بعلبك – القاع، شهد المخيّم جولة عنف، بين جناح "فتحاوي" تابع لأبو أشرف العرموشي، ومجموعة طارئة على عالم مشعلي جولات العنف تابعة لبلال العرقوب، إضافة إلى مجموعة "عريس المخيّم" بلال بدر، الذي نجح في نيسان الماضي بتهشيم صورة "فتح" بعد أن فشلت في القضاء على حالته كما توعّدت.

هواجس كثيرة استفاقت كما في كلّ جولة عنف، حول الدوافع المضمرة والأهداف الخفية والشياطين الكامنة، والسؤال الذي حضر بقوة هو ما إذا كان مشغّلو الجولة الأخيرة على صلة بـ تنظيم "داعش" الذي يقضي الجيش اللبناني على آخر فلوله في الجرود.

كان من الطبيعي أن يتم استغراب النشاط الذي دبّ فجأة في عروق التنظيمات المتشددة في "عين الحلوة"، في الوقت الذي تتلقى فيه التنظيمات المتشددة في جرود لبنان وسوريا ضربات قاضية وتُمنى بهزائم لا تُعوّض. ورغم التحية التي وجّهها بلال العرقوب إلى "داعش"، بقيت الإجابة على السؤال حول صلة الوصل ما بين الحربين مؤجّلة، ولكن أسئلة كثيرة أخرى طفت على السطح، وبعضها يحمل الإجابة في مضامينه.

في الأساس، اشتعلت الجولة الأخيرة في مخيّم "عين الحلوة" على خلفية اعتداء عناصر تابعة لـ "بلالَي" المخيّم على عناصر من "القوة الأمنية المشتركة" المتمركزة في قاعة اليوسف في الشارع الفوقاني، والاستيلاء على سلاحهم في خطوة استفزازية. رغم الاعتداء لم تتّخذ القيادات الفلسطينية قراراً جامعاً بالرد الحاسم على "البلالين"، والإحجام عن الرد يحتمل أكثر من سؤال.

-السؤال الأول هو لماذا بدت "حركة فتح" عاجزة عن الردّ، علماً أنّ مجموعة بلال العرقوب صغيرة، وعلماً أنّ "فتح" تبيّت ثأراً لبلال بدر ومجموعته منذ نيسان الماضي؟ وهل صحيح أنّ هذا التقاعس مردّه إلى حالة التناقض السائدة في قيادة "فتح" التي تنيط قرارات الحسم بخمسة اشخاص، أحدهم تُطرح حول توجهاته أكثر من علامة استفهام؟

السؤال الثاني هو لماذا لم تتّخذ القيادات الفلسطينية قراراً جامعاً بالردّ على "البلالَين" عبر "القوة الأمنية المشتركة"؟ والسؤال الموصول هنا: هل صحيح أنّ "حركة حماس" تنحاز للمتشدّدين عند كلّ مفترق وبالتالي تعرقل أيّ قرار بإنهاء حالتهم في "عين الحلوة"؟

الأكيد هو أنّ لدى الأجهزة الأمنية اللبنانية علامات استفهام كثيرة حول أداء "القوة الأمنية المشتركة"، إذ تعتبر أنّ آليات تعطيل فعاليتها تكمن في داخلها عبر بعض الفصائل المتقاعسة. أمّا السؤال حول آلية معالجة هذا الخلل البنيوي الذي يجعل قرارات الأجهزة الأمنية اللبنانية تتعطّل عند بوابات المخيّم المغلقة، فيجيب عليه مصدر أمني لبناني رفيع بالقول إنّ ما بعد معركة جرود رأس بعلبك ـ القاع ليس كما قبلها، وبعد معركة الجرود سيأتي دور آخر معاقل التكفيريين في "عين الحلوة"، إذ لا يمكن بعد اليوم السكوت عن الحالات الشاذة الموجودة بين جدران المخيّم، والتي تشكّل خطراً على سكان المخيّم أنفسهم، وعلى لبنان. يفصّل المصدر الأمني المرحلة المقبلة، ويوضح أنّه سوف يتمّ تقصير المهل المعطاة للفصائل الفلسطينية المعترف بشرعيتها لبنانياً، كي تضع حداً لتواجد الفصائل الفلسطينية غير المعترف بها لبنانياً وبحقّها في التواجد داخل المخيّم وفي الحياة.

يشرح المصدر الأمني أنّ فرصاً كثيرة أُعطيت لـ "القوة الأمنية المشتركة" ولكنها لم تُنجز المطلوب منها لبنانياً لأكثر من سبب، منها ما هو بنيوي، ومنها ما هو غير بنيوي، ويقول إنّ للصبر اللبناني حدود.

في الدخان المتصاعد من جولة العنف الأخيرة، التي سار فيها العرموشي على خطى القيادي "الفتحاوي" المفصول محمود عيسى المعروف بـ "اللينو"، لناحية التفرّد في قرار مواجهة "البلالين" بتنسيق مباشر  مع رام الله، ثمّة من قرأ محاولة التفاف على الحزم اللبناني الموعود. وعليه يسأل ما إذا كانت خطوة العرموشي تندرج في إطار الالتفاف على الجيش اللبناني بالتنسيق والتعاون مع رئيس السلطة الفلسطينية في رام الله التي صرّح العرموشي أكثر من مرة أنّه على تنسيق معه؟.

يرفض المصدر الأمني الدخول في تحليلات مفصّلة حول مضامين قرار العرموشي، وحول ما يُطبخ في "عين الحلوة" بالتنسيق مع رام الله، ويقول إنّ مطلب الأجهزة الأمنية اللبنانية هو في الأساس تعامل الفصائل الفلسطينية مع الحالات الشاذة بحزم، ولا يهم إذا كانت الأوامر من رام الله أو من داخل المخيّم، وإنّما المهم هو أن نأكل العنب لا أن نضرس.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.