اقفال "باب الريح" الشرقية: ماذا بعد الجرود؟

** خضر طالب **

أُقفل "باب الريح" الشرقية، لكن باباً آخر ما يزال مفتوحاً على مصراعيه، وتتسرّب منه العواصف، وعلى الأرجح سيبدأ درس كيفية سدّ هذا الباب في الأيام المقبلة. وربما سيكون هذا هو العنوان الأبرز في المرحلة المقبلة.

ما هي النتائج؟ وما هي التداعيات؟ وكيف يمكن قراءة ما حصل؟

قبل هذه الأسئلة، ثمة سؤال ملح: لماذا تأخّرت معركة السلسلة الشرقية طالما أن الجيش اللبناني قادر على خوضها، بدل أن يبقى جريحاً طيلة ثلاث سنوات باعتداء غادر عليه؟

السؤال الأخير يحمل الكثير من التأويل السياسي، ويعكس حالة الانقسام الحاد التي كانت سائدة في البلد، والتي شكّلت عائقاً أمام صدور قرار سياسي يمنح الجيش التفويض والغطاء للقيام بعمله واستعادة أسراه واسترداد هيبته والثأر لكرامته.

أما عن النتائج والتداعيات، فيمكن تقسيمها إلى قسمين: خارجي وداخلي. في الشق الخارجي، من الواضح أن هذه المعركة تصب في سياق قرار دولي كبير بإقفال ملف تنظيم "داعش" وتهيئة الظروف المناسبة لوضع الاتفاق على التسوية في سوريا موضع التنفيذ. وعليه، فإن إنهاء وجود "داعش" في جرود لبنان وسوريا المشتركة، وإنهاء وجود "جبهة النصرة" في هذه المناطق، ونقلهما إلى مناطق أخرى في سوريا، يؤشر إلى أن التركيز في المرحلة المقبلة سيكون على معاقل تنظيم "داعش" في سوريا للقضاء عليه، على غرار ما حصل في أفغانستان سابقاً وليبيا والعراق لاحقاً واليمن استطراداً. ذلك يعني سقوط ورقة استثمار "داعش" وأن التسوية قد أقلعت في سوريا.

أما في النتائج الداخلية، فإن لها خمسة أبعاد:

أولها سيكون في رصيد العهد الذي واكب عن كثب كل التفاصيل المتعلقة بهذه المعركة، بدءاً من القرار السياسي وصولاً إلى الميدان. فرئيس الجمهورية ميشال عون "قطف" ثمار هذه المعركة، بالرغم من أنه تصرّف بشكل لا دعائي، وإنما بوحي تاريخه العسكري.

البعد الثاني، يصب في خانة أطراف الحكم مجتمعين الذين نجحوا في صياغة توليفة "ربط النزاع"، فإذا بهم يرابطون على أهداف مشتركة وحسابات متقاربة تؤدّي كلها إلى الانتخابات النيابية المقبلة. فالتغطية السياسية الكاملة التي حصل عليها الجيش للقيام بهذه المهمة، ما كانت لتحصل لولا تقاطع المصالح والحسابات التي كانت كلها تؤدّي إلى ضرورة مواكبة المتغيرات الكبرى في المنطقة. وبدا واضحاً أن القرار الدولي كان له تاثير كبير أيضاً في تأمين الإجماع السياسي على هذا القرار.

البعد الثالث، يتعلّق بالجيش اللبناني الذي خاض معركة تختلف عن المعركتين السابقتين في عبرا ومخيم نهر البارد. لكنه نجح في تثبيت كفاءته العالية، واستعاد صورته كجيش يطمئن الناس ويحمي البلد ويكرس نفسه صاحب الصلاحية الوحيدة في حمل السلاح الشرعي.

البعد الرابع، يتمثّل في الوسام الذي علّقه قائد الجيش العماد جوزاف عون على صدره، بخوضه هذه المعركة بعد أشهر قليلة على تعيينه، فأظهر كفاءة عالية في القيادة والتفاف ضباط ورتباء وجنود الجيش حوله بما أصبح يشكل من رمزية لهذا الجيش.

أما البعد الخامس لنتائج هذه المعركة، أن أياً من القوى السياسية لا يستطيع، ولن يستطيع لاحقاً، الاستثمار في هذه المعركة أو حصد نتائج منها أو تجيير إيجابياتها لصالحه. فأطراف السلطة كانوا متضامنين متكاتفين مع الجيش، وأطراف المعارضة وقفت مع الجيش ولم تحاول تسجيل نقاط على الحكم والحكومة.. وعليه، فإن جميع الأطراف ساهموا، ولو بصمتهم، في حماية ظهر الجيش اللبناني وتأمين الالتفاف الشعبي حوله، حتى أن شهداء الجيش وجرحاه توزّعوا على كل المناطق، مما شكّل تعبيراً عن هذا الالتفاف الوطني.

 

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.