بري يدق "الساعة الصفر".. سورياً

خطا رئيس مجلس النواب نبيه بري خطوة خارج الدائرة التي رسمها لنفسه خلال السنوات الخمس الماضية. كان بري حريصاً على عدم استفزاز اي مكون سياسي، وهذا ما حوّله في عز الانقسام اللبناني إلى نقطة التقاء معظم القوى السياسية. تفادى الرئيس بري القيام بأي خطوة، علنية، تشكّل خرقاً لسياسة "النأي بالنفس" بالرغم من أنه كان يعلن رأيه السياسي بصراحة تامّة، حتى أن البعض ظنّ أن المسافة بين عين التينة وبين دمشق قد صارت بعيدة جداً.. لكن الواقع أن علاقة الرئيس بري مع سوريا لم تهتزّ يوماً، وإن رسم لنفسه هامشاً في حرية الحركة التي سمحت له أن يكون ضمانة في الحوار الوطني لمنع انزلاق البلد نحو الانهيار الكامل.

وقد بذل الرّئيس برّي جهوداً كبيرة لإقناع الجميع أنّ السّياسة يمكن أن تُلعب بدم بارد، من دون الحاجة للشحن الطّائفي أوالمناطقي أوالفئوي وزيادة التوتّر. وأثبت على مدى السنوات الـ12 الماضية أنه نقطة تقاطع والتقاء الانقسام اللبناني، بالرغم من أن موقفه السياسي معلن وواضح. وهذا ما ساعده على لعب دور مهم، خصوصاً في المحطات الحساسة، وفي التحديات الوطنية، وكذلك في مواجهة بعض النزعات المذهبية أو الطائفية التي حاولت أن تترجم نفسها سياسياً أو اجتماعياً.. أو حتى دستورياً، حيث قطع الطريق على محاولات تمرير قوانين ذات طابع طائفي أو مذهبي.

ومع انطلاقة الأزمة السّوريّة كان للرّئيس برّي موقف غير صدامي مع أي طرف على ضفّتي الصّراع، ولم يدخل في حزازيات مع أي طرف في أكثر اللّحظات اشتداداً سورياً واقليميّاً ودوليّاً، بل فضّل أن يظلّ في منأى عن التجاذبات طالما أن الكلام في حينه كان للرصاص فقط.

اليوم مع زيارة مجموعة من الوزراء الى سوريا من ضمنهم وزير "حركة أمل" غازي زعيتر، ماذا تغيّر في المعطيات؟

لا شكّ أنّ تصريح الرّئيس برّي فيه كثيرٌ من العلامات فهو قال:

"الدنيا من حولنا تغيّرت وتبدّلت. ليذهبوا ويبصروا الأوروبيين المشاركين في معرض دمشق. ليلحقوا بأنفسهم". اليوم في نظر برّي وفريقه السياسي، تبدّل المشهد في سوريا. الأرض تتغيّر. الجيش السّوري وحلفاؤه بدأوا يربحون. ومع ذلك هناك مكان للحوار المربح، حوارٌ يراه البعض ترجمة للميدان ونتائجه. ما يهم أنّ الرئيس برّي اختار أن يتقدّم خطوة الى الأمام، بموتزاة خطوات محوره الذي يتشارك معه العناوين العريضة ويترك لنفسه وحركته هامش المناورة في العناوين الأخرى الى حدّ ما.

برّي أكثر من يعي اللعبة الدّوليّة ويحسن فهمها، وهو في موقفه المتقدّم لم يسبب لنفسه حرجاً في الدّاخل، فلطالما حيّده الفريق الآخر عن الاستهداف بسبب رصيده المتراكم عندهم. وعلى الرّغم من نبرته الواعظة لأفرقاء شهروا سيف العداء للنظام السّوري، لم يصدر تصريح مضاد مستهدفاً ما قدّمه رئيس المجلس من اشارة وطرح.

أعلنها برّي، الساعة الصفر في إعادة العلاقة مع سوريا. فالمطلوب أخذ الموقف في هذه المرحلة حيث تكتب نهاية القصّة السّورية. أمرٌ ظهرت ملامحه في مواقف رئيس الحكومة سعد الحريري، الذي اختار منذ انتخاب العماد عون رئيسا للجمهوريّة تخفيف حدّة المواجهة واللجوء إلى تحييد المواضيع الخلافيّة عن النقاش الحكومي، وامتدّ الأمر لينعدم النّقاش تقريبا بهذه الملفات على المستوى الاعلامي من طرف "المستقبل". أليس في ذلك تحوّل أيضاً؟ ويبدوأن ما فهمه الرّئيس الحريري من جولاته الخارجيّة المكوكيّة، التقطته "رادارات برّي" من عين التينة منذ زمن.

موقف برّي نابع من مصلحة لبنان في العلاقة مع سوريا على أكثر من صعيد، وتحديداً الاقتصادي والأمني، فسوريا بوابة لبنان البرّية الوحيدة ومنها تعبر الشّاحنات المحمّلة. هو يؤكّد أن لبنان وسوريا، جارين غير عدّوين طالما سيرورة الحياة مستمرّة. وبحكم الجغرافيا أو"لعنة الجغرافيا" عند البعض، مطلوب أن يكون هناك حدّ أدنى من العلاقات المتبادلة لخير البلدين وديمومة أمن ورفاه الشّعبين. فبرّي بادر من دكّة الحلفاء المتريّثين، فهل ستكون هناك مبادرات من دكّة حلفاء الامس، خصوم اليوم؟.

جواد حماده
(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.