هل يحقّق ميقاتي أهدافه بلائحة "مخملية"؟

خضر طالب

ماذا حملت لائحة "العزم"؟

تؤكّد معظم الإحصاءات أن رئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي يحظى بأعلى صوت تفضيلي في مدينة طرابلس، من ضمن دائرة الشمال الثانية التي تضمّ طرابلس ـ المنية ـ الضنية.

وتشير التوقعات إلى أن الحاصل الانتخابي المفترض لتأمين فوز المرشح هو 14 ألف صوت انتخابي، حيث من المتوقّع أن يقترع في هذه الدائرة نحو 165 ألف ناخب من أصل 350,147 ناخباً مسجلين على لوائح الشطب (طرابلس 120 ألف مقترع من أصل 237,338 ناخباً، المنية 20 ألف مقترع من أصل 44,439 ناخباً، الضنية 35 الف ناخب من أصل 68,370 ناخباً).

ومع اختلاف أرقام استطلاعات الرأي التي جرى معظمهما "بناء للطلب"، فإن التقديرات تتقارب في أن ميقاتي يمكنه لوحده حصد ما بين 20 ألف و25 ألف صوت تفضيلي في طرابلس، ما يعني أنه يستطيع تأمين أقل من حاصلين انتخابيين لوحده، ومع إضافات المرشحين معه في طرابلس وفي الضنية والمنية، فإن الرقم المتوقّع أن تحصل عليه اللائحة قد يصل إلى نحو 40 ألف ألف صوت. وهذا يعني أنه قد يحصل على 3 حواصل انتخابية، وبالتالي 3 مقاعد نيابية.. لكن ذلك من باب التقدير المبني على استطلاعات جرت قبل أسابيع، وحتى لو كانت قريبة من الواقع، إلا أنها عرضة للتغيير ـ صعوداً أو هبوطاً ـ مع ارتفاع الحرارة الانتخابية.

المشكلة التي تواجه لائحة ميقاتي ليست أنه الأقوى في لائحته من دون منازع فقط، بل إن المرشحين معه يعتمدون بشكل أساسي على الحاصل الذي يؤمّنه هو للائحة، بينما دورهم محصور بالسعي للحصول على أصوات تفضيلية شخصية من عائلاتهم وكذلك من "صحن" أصوات ميقاتي نفسه.

يدرك ميقاتي هذه المعادلة، وهي لا تزعجه مبدئياً، خصوصاً أن تركيزه ينصبّ على 3 أهداف:

ـ الأول، الحصول شخصياً على أعلى رقم صوت تفضيلي في طرابلس، في مواجهة رئيس الحكومة سعد الحريري. وحتى لو لم يستطع الحصول على رقم ينافس الرقم الذي قد يحصل عليه الحريري في بيروت الثانية، فإنه سيكون ثاني أعلى رقم صوت تفضيلي بين المرشحين السنّة في لبنان، ليستثمر بالتالي هذا الأمر في ضمان موقعه كشريك سنّي في أي استحقاق مقبل، بغض النظر عن حجم هذه الشراكة.

ـ الثاني، الحصول على كتلة نيابية صغيرة، يمكن توسيعها بعد الانتخابات بتحالفات عقد بعضها مسبقاً مع أكثر من مرشّح لديه حظوظ مرتفعة بالفوز.

ـ الثالث، تأمين فوز مرشّحه عن المقعد الأرثوذكسي الوزير السابق نقولا نحّاس قبل أي مرشّح آخر، وبعد ذلك لا يهمّه من يكون الفائز الثالث من لائحته، علماً أنه يفضّل فوز مرشّح سنّي وإن كان يدرك صعوبة ذلك في ظل شراسة المعركة الانتخابية بين مرشحين أقوياء في اللوائح الأخرى.

تلك الأهداف التي حددها ميقاتي تشكّل بالنسبة إليه استراتيجية انتخابية أساسية، يوظّف لأجلها كل طاقاته وإمكاناته المالية.. لكن هذه الأهداف نفسها تشكل نقاط ضعف قد تؤدّي إلى خلل انتخابي في لائحة "العزم" فتطيح بطموحات ميقاتي.

صحيح أن ميقاتي قد موّل أعضاء اللائحة ليقوموا بتأمين الصوت التفضيلي لأنفسهم، لكنهم سيجدون أنفسهم يجهدون داخل بيئة ميقاتي نفسها، لأن الانقسام السياسي أدى إلى فرز في الشارع بنسبة كبيرة، وصار القسم الأكبر من الناخبين محسوبين في هذه الجهة السياسية أو تلك، باستثناء نسبة ضئيلة من "المزاج العام" التي ستنقسم بين اللوائح وإن بنسب متفاوتة. وبذلك سيكون ميقاتي قد أنفق على الصوت التفضيلي نفسه مرتين: مرة لاحتسابه إلى لائحته، ومرة باستمالة هذا الصوت نفسه من المرشحين على لائحته.

تبعاً لذلك، فإن لائحة "العزم" تستمد عنصر قوتها من رصيد ميقاتي، لكن  قوة هذا الرصيد وحصريته يشكّلان في نفس الوقت عنصر ضعف سيؤدي إلى خلط حسابات ميقاتي في أهدافه الثلاثة، خصوصاً أن هذه اللائحة يمكن اعتبارها "لائحة مخملية"، لأن ميقاتي كان حريصاً على أن تضمّ مرشّحين من العائلات التقليدية في طرابلس، وفي حساباته أن المناطق الشعبية يمكن الحصول على أصواتها بـ"طرق" مختلفة. أما المرشحة من خارج العائلات التقليدية للمدينة، فقد اضطر إليها ميقاتي لأنه يريد "تطعيم" لائحته بمرشّحة، وقد حاول إقناع أكثر من عنصر نسائي من العائلات التقليدية في المدينة بالترشّح معه إلا أنه لم يفلح.

وتشكّل هذه النقطة عنصر ضعف في لائحة "العزم"، خصوصاً أن اللوائح المنافسة، سواء لائحة "المستقبل" أو لائحة فيصل كرامي أو لائحة أشرف ريفي، اعتمدت بشكل رئيسي على تمثيل المناطق الشعبية، ولذلك ضمّت مرشّحين من مختلف العائلات بغض النظر عن "شجرة العائلة"، آخذين في الاعتبار أن الكتلة الناخبة الرئيسة في طرابلس هي في تلك العائلات غير التقليدية، بينما العائلات التقليدية لطالما انكفأت تاريخياً عن المشاركة في الانتخابات اقتراعاً.

هذا العنوان تحديداً، سيشكل نقطة استهداف مباشرة للائحة "العزم"، حيث سيشن خصوم ميقاتي، وخصوصاً لائحة تيار "المستقبل"، حرباً شعواء لدفع أبناء الأحياء الشعبية إلى مفاضلة في الاختيار بين لائحة مرشحي العائلات التقليدية وبين لائحة تضمّ مرشحين من بيئتهم.

وهنا يبرز سؤال عن سبب إدارة ميقاتي ظهره لـ"الجماعة الإسلامية"، علماً أنه لطالما كان يسعى لاستمالتها وفك تحالفها مع "تيار المستقبل". وربما لهذا الأمر أسرار تتعلّق بمعطيات خارجية اكثر منها داخلية، بالرغم من أن علاقات ميقاتي الخارجية، وخصوصاً مع تركيا، كان يفترض أن تساهم في تحالفه مع "الجماعة".

كيف سيعالج ميقاتي هذا الخلل؟

الأرجح أنه سيبذل جهوداً مكثّفة لـ"تعويض" هذا الخلل، وهذا ما سيؤدي إلى تسخين المعركة الانتخابية مبكراً، خصوصاً أن المرشحين في لوائح كل من "المستقبل" وفيصل كرامي وأشرف ريفي سيستفيدون من هذه النقطة لتأمين أصوات تفضيلية من محيطهم وشوارعهم، مما قد يؤثّر على المزاج العام في المدينة، ومما سيؤدي إلى سباق محموم على "المفاتيح الانتخابية" في هذه الأحياء، علماً أن معظم هذه "المفاتيح" تنتظر الموسم الانتخابي بحرارة، مما سيؤدي إلى رفع "سعر الصوت التفضيلي" إلى أرقام خيالية.

هل ينجح ميقاتي في تجاوز هذا المطب الذي وضعه بنفسه؟

تشير المعطيات إلى أن خصومه، وهم كثر، لن يقفوا مكتوفي الأيدي، وسيعملون على الاستثمار في هذا المطبّ إلى أبعد مدى لرفعه وتحويله إلى حائط صدّ بوجه اللائحة "المخملية"، وبالتالي عرقلة استراتيجية ميقاتي واهدافه الانتخابية.

كل ذلك يجعل من معركة الانتخابات في طرابلس، عنواناً سياسياً يتجاوز حسابات الأرقام إلى حسابات سياسية تتصل بمرحلة ما بعد الانتخابات، وما سينتج عنها من توازنات وطموحات ومشاريع.

لكن المؤشرات الراهنة، وكذلك استطلاعات الرأي ـ بالرغم من ضعف واقعيتها ـ تقود إلى نتيجة واضحة، مفادها أن طرابلس لم تسلّم رايتها لأي فريق سياسي، وأن التلاوين السياسية جميعها لها حضورها الراسخ في المدينة، كما أن أحداً لا يستطيع إلغاء أحد فيها.

وبالرغم من ذلك، ثمة نتيجة لا بد من التوقّف عندها، ومفادها أن "تيار المستقبل" يخوض معاركه الانتخابية في كل لبنان ضد "منافسين محليين"، مما يعطيه صورة "القوي"، بينما نجح اللواء اشرف ريفي في الخروج من طرابلس لفرض معارك على "المستقبل" في مختلف المناطق، مما يجعل منه شريكاً لـ"المستقبل" ـ بغض النظر عن حجم هذه الشراكة ونسبتها ـ في حين أن الآخرين يخوضون معاركهم بصفة دفاعية في "بيوتهم".

على الأرجح أن معارك أشرف ريفي ستكون بمثابة "شغب" على تيار "المستقبل"، لكنه بالتأكيد نجح في إشغال التيار الأزرق.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.