هكذا أسقط اميل لحود "الديموقراطية" الاميركية

رفعت البدوي

في العام 2004 كان العالم العربي ما يزال تحت تأثير صدمة الاحتلال الاميركي للعراق، حيث بدأت تتكشف نوايا أميركا في السيطرة على القرار الدولي بشكل آحادي لا شريك لها، وذلك من خلال فرض إجراء تغييرات جوهرية في نظم الدول، خصوصاً دول المنطقة العربية التي لا تتماهى مع السياسة الاميركية ـ الاسرائيلية، عبر ابتداع فكرة تطبيق الديمقراطية المسمومة، بحيث ان تطبيقها بالقوة لن يؤدي الى تطبيق مفهوم الديمقراطية بحد ذاتها بشكل فاعل ومتطور، بل ان الفكرة الاميركية من فرض الديمقراطية هو إما أن تكون بلادنا طيّعة لرغبات أميركا، وإما اثارة الفوضى الخلاقة وافتعال الحروب المذهبية بهدف إعاقة تقدم الانسان العربي، والاسهام في نهب ثرواتنا، وضرب ثقافتنا، وتفكيك مجتمعنا العربي، وتفتيت بلادنا العربية، وإبقائنا في حال من التعطيل الدائم لقيام أي كيان عربي معارض لسياسات أميركا الهادفة الى تأمين المصلحة  الاسرائيلية في المنطقة.

وأمام هذا الواقع، جاء موعد انعقاد القمة العربية في تونس للعام 2004، وكانت الأسئلة تجول في أروقة القمة: كيف ستتعامل هذه القمة مع المجازر اليومية التي تشهدها الساحة الفلسطينية، والتي تأتي في توقيت متزامن مع إسقاط الولايات المتحدة الأميركية حق عودة اللاجئين الفلسطينيين من المبادرة العربية؟ وكيف سيتصرف المجتمعون في ظل المشهد العراقي؟ وماذا سيفعل العرب إزاء قانون محاسبة سوريا الذي أهدته الإدارة الأميركية إلى القادة العرب قبيل انعقاد قمتهم؟.

لكن السؤال الابرز كان: كيف سيتعامل قادة القمة في تونس مع المطلب الاميركي بضرورة تطبيق الديمقراطية وإصلاح الشرق الأوسط الكبير؟.

اكتمل توافد القادة العرب الى تونس، وبدأت الجلسة الافتتاحية برئاسة الرئيس التونسي زين العابدين بن علي وإلى يمينه جلس الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى. وبعد الانتهاء من مراسم تسلم وتسليم رئاسة المؤتمر، طلب زين العابدين بن علي انعقاد جلسة مغلقة يحضرها رؤساء الوفود مع شخصين اثنين فقط. كما طلب من وسائل الاعلام اخلاء قاعة المؤتمر لأن الجلسة ستكون مغلقة.

عن الجانب اللبناني حضر رئيس الوفد اللبناني رئيس الجمهورية اميل لحود، وجلس خلفه كل من رئيس الحكومة رفيق الحريري ونائب رئيس الحكومة عصام فارس.
بدأت الجلسه بتوزيع بنود مقررات القمة لمناقشتها والموافقة عليها. وكعادته بدأ الرئيس اميل لحود بقراءة وتفحص المقررات بنداً بنداً، حتى وقع نظره على بند ينص على ضرورة تطبيق الديمقراطية في الشرق الاوسط ودول المنطقة. وما لفت انتباه الرئيس اميل لحود أن هذا البند لم يكن موجوداً من ضمن مقررات القمة أصلاً. واستنتج الرئيس لحود ان هذا البند تم ادراجه في غفلة بهدف تهريبه والموافقة عليه من دون ضجة إعلامية.

استفاض رئيس القمة زين الدين بن علي في شرح الموقف العربي، داعياً الى ضرورة معالجة الأوضاع العربية وإصلاح الانظمة، إضافة الى إدخال إصلاحات على الجامعة العربية. وبعد الانتهاء من الشرح سأل رئيس القمة: هل من يريد التعليق أو التكلم؟ وعلى الفور ارتفعت يد رئيس الوفد اللبناني الرئيس اميل لحود طالباً الكلام.

لم تغب عن مسامع الرئيس لحود نبرة وزير الخارجية الاميركية كولن باول خلال زيارته السريعة الى لبنان في العام 2003، ولقائه الرئيس لحود في قصر بعبدا ناقلاً مطلب الادارة الاميركية بضرورة تطبيق الديمقراطية في لبنان وبسرعة. تذكّر الرئيس لحود الرد الفوري الذي واجه به كولن باول رافضاً تنفيذ مطالب الادارة الأميركية، معتبراً اياها بأنها تدخل سافر في شؤون لبنان الداخلية.

بصراحته المعهودة، قدم الرئيس اميل لحود أمام قادة قمة تونس، مطالعة مستفيضة عن الديمقراطية التي تطالب بها أميركا خدمة للعدو الاسرائيلي، مبيناً ان هذا البند الذي لم يكن مدرجاً على جدول مقررات القمة، انما هو مطلب أميركي يهدف الى التدخل في شؤون الدول العربية بغرض إثارة الفوضى، وتقليب الرأي العام العربي ضد الانظمة التي لا تتوافق مع السياسة الاميركية الراغبة بإقامة شرق أوسط جديد يتلاءم ومصالح أميركا، مبني على خدمتها والانصياع لأوامرها. وهذا ما دفع بالرئيس اميل لحود الى اعلان موقف لبنان الرسمي الرافض لمبدأ إدراج هذا البند الذي يترك أبواب وثروات الدول العربية مشرعة امام الغطرسة الاميركية.

بعد مداخلة الرئيس اميل لحود، اعطي الكلام للرئيس السوري بشار الاسد الذي جلس خلفه نائبه فاروق الشرع. قدم الرئيس الاسد مداخلة شفهية استمرت ساعة كاملة، شرح خلالها موقف سوريا من البند الذي أدخل على القررات، وهو بند الديمقراطية، عارضاً خطورة الانصياع للغطرسة الاميركية وانعكاساتها على الدول العربية، مختتماً مداخلته برفض المطلب الاميركي بتطبيق الديمقراطية على الطريقة الأميركية، أو كما اطلق عليها ديمقراطية بواسطة الدبابة الأميركية.

بعدها تكلم الرئيس الجزائري عبد العزيز بو تفليقه شارحاً موقف الجزائر الذي جاء متطابقاً مع الموقف اللبناني والموقف السوري.

عند هذا الحد كان التوتر والوجوم بادياً على وجه رئيس القمة زين الدين بن علي والأمين العام لجامعة الدول العربية عمر موسى. بعد ذلك أعلن رئيس القمة عن سحب بند الاصلاحات الديمقراطية ومن ثم رفعت الجلسة.

في صباح اليوم التالي، بدأ رؤساء الوفود في أخذ الامكنة المخصصة لهم بانتظار افتتاح الجلسة الختامية، تمهيداً لإعلان مقررات القمة. وقبل اكتمال النصاب، نهض عمرو موسى متوجهاً صوب نائب الرئيس السوري فاروق الشرع ليتبادل معه أطراف الحديث بصوت خافت. ومع دخول وزير الخارجية السعودية الأمير سعود الفيصل الذي ترأس وفد بلاده الى قمة تونس نظراً لعدم حضور الملك عبد الله بن عبد العزيز، سارع عمرو موسى لاستقبال الامير سعود الفيصل، وليتبادلا حديثاً على انفراد.

شعر الرئيس لحود انها محاولة لتمرير أمر ما، وما هي إلا ثوان حتى التقط الرئيس اميل لحود بنظراته ايماءات صادرة من عمرو موسى والامير سعود الفيصل باتجاه نائب الرئيس السوري فاروق الشرع للانضمام إليهم. وعلى الفور استجاب فاروق الشرع واتجه صوب الفيصل وموسى وبقي الجدال في ما بينهم  لعشر دقائق تقريباً، عاد بعدها فاروق الشرع مسرعاً نحو الرئيس السوري بشار الاسد هامساً في اذنه بعض الكلمات. وما هي إلا ثوان حتى بدى الحنق واضحاً على وجه الرئيس السوري. وعلى غير عادته التي اتسمت بالهدوء والصوت الهادئ انتفض الرئيس بشار الاسد ونهض من مكانه فجأة ليعلو صوته بنبرة حادة موجهاً كلامه المباشر والحاد الى نائبه فارق الشرع قائلاً: لقد شرحنا موقفنا من هذا البند، وبيّنا أسباب اعتراضنا عليه، ورفضناه نحن ولبنان والجزائر، وما رفضناه في العلن لن نقبل به في الجلسة المغلقة، وهذا الرفض لا رجعة عنه.

حينها أدرك الرئيس اميل لحود فحوى الحديث الذي دار بين عمرو موسى وفاروق الشرع، والغرض من مكوكية موسى، ومحاولته إدخال بند الاصلاحات الديمقرطية. عندها نهض الرئيس اميل لحود من مكانه معلناً رفضه القاطع لمحاولات عمرو موسى الدؤوبة لإدخال بند الاصلاحات.

ونظراً للموقف اللبناني والسوري الموحد والرافض، تم  سحب بند تطبيق الديمقراطية الاميركية من مقررات القمة.

اختتمت القمة العربية في تونس 2004 بحنق أميركي واضح على الموقف اللبناني والسوري الرافض تلبية الطلب الاميركي.

في اليوم الذي تلا اختتام اعمال قمة تونس، صدرت صحيفة "واشنطن بوست" الاميركية بعنوان عريض كتب فيه "كل الدول في الشرق الاوسط موافقة على تطبيق الديمقراطية ما عدا لبنان وسوريا اللذان يرفضان مبدأ تطبيق الديمقراطية في الشرق الاوسط"، تعبيراً عن مدى الغضب الذي أصاب الادارة الاميركية.

وهكذا واجه الرئيس اميل لحود إملاءات الادارة الاميركية التي تخدم اسرائيل، مسجلاً انتصاراً مبيناً على سياسة الادارة الاميركية التعسفية بإصراره على رفض تنفيذها للمرة الثانية على التوالي.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.