الإتفاق بين "التيار"  و"الحزب" على طريق الطلاق؟

 الإستراتيجيّة الدفاعيّة تحدث دوّياً

جورج علم

خرج الصمت الى الشرفة ليفرّج عن كربته، ليبوح. إنتهى زمن "السمن والعسل" ما بين "التيار الوطني الحر"، و"حزب الله". الصفّ طويل، المعزّون كثر، الشامتون أيضاً، وحال الحلفاء ليس واحداً في كل حال، لقد تبدّلت الظروف، ومعها المقاربات، وبقيت التحالفات الإنتخابية "عالقطعة"، وفق مقتضيات المصالح.

خلال مرحلة الشغور، وما رافقها من تجاذبات رئاسيّة، تصرّف الحزب من موقع المقتدر، المسيطر، المقرّر، والمدبّر، وأسهم في حدود طاقاته، والإمكانات المتوافرة لديه، بإيصال الرئيس ميشال عون الى قصر بعبدا. كانت مرحلة ذهبيّة ربما، لكن اليوم يبدو الأمر مختلفاً، وليس كل ما يلمع ذهباً، لقد فرض جبران باسيل ديناميته، ومعادلته. تؤيده، أو تعارضه، لا همّ، إنه الرأي، والقناعة، ووجهة النظر. معه، أو ضدّه. إنها الديموقراطيّة!. لكن في أي موقع كنت لا بدّ من الإقرار بفائض النشاط الذي يتمتع به، وكثرة الجلبة، وسرعة الحركة، إنه مالىء الدنيا، وشاغل الناس، وله في كلّ عرس قرص، ويملك طفحاً من المواقف المروّسة التي تجرح وتدمي في غالب الأحيان، حتى أصبح ظلّه هو الصديق الوحيد، والوفي، فيما الطبقة السياسية "مفسوخة" الى شطرين، الأول يمالق، والثاني يعارض عن حقد وكيديّة.

يراقب الحزب ديناميّة باسيل، وتحركاته في الداخل والخارج، ويدرس مواقفه بعمق وإتقان، ويقرأ رسائله "المباشرة والمشفّرة" بكثير من الدقة والتمحيص، لم تعد "كاسة الشاي" تكفي لمواكبة جلسات  تفحّص المدلولات، وإستكشاف الخيارات، بل بات الأمر يتطلب "ركوة قهوة مرّة" في الكثير من الحالات لفهم مقاصد الرجل، الآني منها، والبعيد.

الظاهر أن "أعجوبة البلد"،  كما يحلو أن يلقّبه الوزير "الأملي" علي حسن خليل، لم يعد حليفاً، ولا صديقاً، ولا شخصيّة مهضومة ومحببة بنظر "الثنائي الشيعي". لقد تجرّأ على المعادلة،  فقلب معاييرها رأساً على عقب، لا يتعاطى مع "الثنائي" وكأنه من المحرّمات، و"فوق كل الإعتبارات"!. ولا يتعاطى مع الحزب، وكأنه فائض قوّة. لقد إحترم التاريخ، ووقفات الحزب المشهودة على مشارف العام 2000، لكنه  نسف غلوّ الوهم، ورفع الحصانة عن الفوقيّة السائدة، والنزعة الإحتوائيّة المنفلتة، محاولاً وضع الأمور في نصابها ليلتقي مع سعد الحريري في مكان يرددان معاً شعار الراحل رفيق الحريري: "ما حدا أكبر من لبنان".

المسألة مع باسيل ـ كما ينظر اليها الحزب ـ لا تحتاج الى توتير، ولا الى شدّ عصب. هناك نوبات من الغضب نجح وينجح في إفتعالها، لكنها لم تتخطّ  عتبة الواقعيّة لتتحوّل الى حالة عصبيّة يصعب معها تدوير الزوايا الحادة. لكن عندما يختلي طويلاً مع ديفيد ساترفيلد تحت قناطر روما، وعندما يخفّ وليد البخاري الى قصر بسترس ليجتمع به بعيداً عن الأعين والألسن، في أول تحرّك رسمي يقوم به بعيد وصوله الى بيروت كرئيس للبعثة الدبلوماسيّة السعوديّة في لبنان، فإن المزاج الحزبي، و"الثنائي"، لن يكون بألف خير، خصوصاً وأن مسام الشكوك بدأت تتفتح في الصدور، وتنمو بإطراد.

ويخرج الكلام عن الدور الأميركي ـ السعودي من تحت عباءة التوقعات، والإفتراضات، ليفرض نفسه على تقلّبات موازين القوى في المنطقة، بدءاً من اليمن، مروراً بإيران، والعراق، وسوريا، وصولاً إلى لبنان حيث يفجّر رئيس الجمهوريّة العماد ميشال عون، في توقيت ملتبس، قنبلة من العيار الثقيل عندما يطالب بإستراتجيّة دفاعيّة حديثة "موديل 2018"، على عتبة مؤتمر روما الذي عقد على نيّة دعم الجيش اللبناني، والقوى الأمنية الشرعيّة، بالسلاح والخبرات والتقنيات، كي يكون الأمر له، وليس لسواه.

لقد فعلت قنبلة الرئيس عون فعلها في أوساط "الثنائي الشيعي"، وخصوصاً في محيط الحزب، نظراً لدقة التوقيت، كونها انفجرت على عتبة المؤتمر في روما، لتحدث دويّاً هائلا في صفوف المشاركين، وتحديداً عند المتضايقين من "الثلاثيّة الذهبيّة": "جيش، وشعب، ومقاومة".

وإستناداً الى ما هو متداول في الكواليس الأوروبيّة المتعاطفة، "فإن  قنبلة عون فعلت فعلها في أوساط الدول المانحة، وأدت قسطها للعلى، وأكدت على وجوب إبدال "الثلاثيّة الذهبيّة" بأخرى  "من عيار 24 قيراط"، وتقوم على مرتكزات ثلاثة "دولة، وجيش، وشعب" لفرض السيادة، ومنطق القانون، وتحمّل تبعات الدفاع عن الأرض، والعرض. ووافق مؤتمر روما على تنفيذ خطة دعم تمتد لخمس سنوات، وهي المهلة الكافية زمنيّاً لإنجاز "حصريّة السلاح" بالدولة اللبنانية، وقواها الأمنية الشرعيّة.

وليس بالقليل أن يصل دوي قنبلة "الإستراتيجيّة الدفاعيّة" الى مسامع الولايات المتحدة في الوقت الذي كان يبادر فيه الرئيس دونالد ترامب الى إقالة وزير خارجيته ريكس تيلرسون، وتعيين مدير وكالة الإستخبارات المركزيّة (CIA) مايك بومبيو، مكانه. وتكمن أهميّة هذا "الإنقلاب" في التبرير المرافق له، ذلك أن الرئيس ترامب قد أعلن بأن سبب الإقالة يعود الى الإختلاف في وجهات النظر حول الإتفاق النووي الإيراني، فيما الوزير الجديد يرفض كليّاً هذا الإتفاق، ويطالب بنقضه، ويدعو الى الإنسحاب منه، وينضح بمشاعر الكراهية لإيران، ودورها في المنطقة، ويكّن عميق الحب والإحترام لإسرائيل.

بالطبع لا يمكن الذهاب بعيداً في التحليلات والإستنتاجات، فالولايات المتحدة تتحرّك وفق مقتضيات مصالحها، لا مصالح الآخرين، أيّاً تكن درجة قرابتهم، أو تحالفاتهم، بما في ذلك  إسرائيل، لكن الأخيرة تطمح، وتأمل، والدليل أن رئيس وزرائها بينيامين نتنياهو لم يتأخر لحظة، بل بادر على الفور الى زيارة واشنطن حيث عقد قمّة مطوّلة مع الرئيس ترامب كانت كافية لفك كل الأحاجي المتصلة بأمن إسرائيل، و"مصالحها المشروعة" في كل من إيران، وسوريا، ولبنان.

ويقال بأن نتنياهو قد إستبق بخلوته مع الرئيس الأميركي قادة دول مجلس التعاون الخليجي، حيث يضيق  سجلّ المراسم التابع للبيت الأبيض بالمواعيد المقررة مع كلّ من ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، ثم أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، ثم ولي عهد أبو ظبي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان. إن مفعول هذه القمم سيظهر تباعاً، ويفترض أن تترجم النتائج إلى خطوات ملموسة على الأرض،  وتوفّر الكثير من الإجابات حول الأسئلة المطروحة في الكواليس الدبلوماسيّة، والمنتديات السياسيّة، من نوع: هل يقدم البيت الأبيض على الإنسحاب من الإتفاق النووي الإيراني؟ وكيف سيتصرّف الشركاء الآخرون الموقعون على هذا الإتفاق من روسيا، الى الصين، الى فرنسا، وبريطانيا، وألمانيا، والإتحاد الأوروبي؟ وكيف ستكون ردّة الفعل الإيرانيّة؟ وهل سيكون الشرق الأوسط على موعد مع جولة عنف جديدة؟ وما هي الخلفيات، والأبعاد، والأهداف المرجوّة؟ وهل ستكون الصواريخ الإيرانيّة الباليستية، ومصير "الحرس الثوري"، و"حزب الله" من ضمن سلّة الأهداف هذه؟.

ووسط هذا المناخ ذهب ولي العهد السعودي  الى واشنطن، وقد مهّد لمحادثاته في البيت الأبيض بحملة إعلاميّة غير مسبوقة ضد إيران ودورها في اليمن، والعراق، وسوريا، ولبنان، شاركه فيها وزير الخارجيّة عادل الجبير، وشملت كبريات الصحف الأميركيّة، والمحطات التلفزيونيّة الذائعة الصيت. وفي ضوء ما ستسفر عنه المحادثات من نتائج، فإن الضجيج الإنتخابي في لبنان وما يرافقه من حملات إعلاميّة، وتحالفات، وإنقلاب على ما كان سائداً في زمن "8 و14 آذار"، فإن أنظار  كبار المسؤولين والمعنيين تبدو شاخصة نحو البيت الأبيض، وتحركات بن سلمان بين دوائر القرار الأميركيّة، لتبيان الخيط الأبيض من الخيط الأسود، والتعرف أكثر الى خلفيات النتائج، والإنعكاسات المحتملة على الإستراتيجيّة الدفاعيّة، والدور السعودي ـ الأميركي في لبنان، والبنود المتبقيّة من دون تنفيذ من القرار الدولي الرقم 1701، ومستقبل ترسيم الحدود البحريّة والبريّة مع فلسطين المحتلة.

للتذكير فقط.. إحتفل لبنان الرسمي في 19 الجاري، مع قيادة قوات حفظ السلام الدوليّة في الجنوب (اليونيفيل)، بذكرى مرور 40 عاماً على وجودها في الجنوب (19 آذار 1978، تاريخ صدور القرارين 425، و426 عن مجلس الأمن الدولي). فهل تكون هذه المناسبة مؤشراً لإنسحاب "اليونفيل" في المستقبل القريب، لمصلحة الجيش اللبناني، و"اللواء النموذجي"؟. الجواب رهن "الإستراتيجيّة الدفاعيّة"…

 

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.