الحريري تفوز بالعميد جبران.. ومقعدين؟

نورما أبو زيد

تصنّف دائرة صيدا ـ جزين، بأنّها الأكثر حماوة على امتداد الجغرافيا اللبنانية، بفعل تداخل القوى السياسية الكبيرة على مساحتها الصغيرة. ولم يكن ينقص هذه الدائرة المدمجة بشكل غرائبي، سوى القانون النسبي العجائبي، الذي صعّب المعركة، وجعلها ترتدي طوعاً وقسراً طابع المنازلة لا المنافسة.

في دائرة صيدا ـ جزين، رئيس المجلس النيابي نبيه بري، يستعدّ لكسر "المثلث البرتقالي" الذي "كسره" في انتخابات 2009.

وفي دائرة صيدا ـ جزين، يجهد "التيار الوطني الحرّ" للحفاظ على بعضٍ من ماء وجهه.

وفي دائرة صيدا ـ جزين، النائبة بهية الحريري "استعارت" الدائرة الحمراء من "القوات اللبنانية"، وطوّقت بها المقعد الكاثوليكي استعداداً لنقل "ملكيته".

وفي دائرة صيدا ـ جزين، "القوات اللبنانية" تقول "نحن هنا"، بعد أن يئست من سياسة "أوعى خيّك" مع التيارين "البرتقالي" و"الأزرق".

وفي دائرة صيدا ـ جزين، "الجماعة الإسلامية" تقول لـ "المستقبل"، "بطّلت خيي.. وبطّلت خيّك".

وفي دائرة صيدا ـ جزين، النائب السابق أسامة سعد يقول للحريري "هذا زمني وليس زمنك".

وفي دائرة صيدا ـ جزين، "الثنائي الشيعي" يقول لمن يعنيه الأمر ولمن لا يعنيه، "الأمر لي وليس لك".

وفي دائرة صيدا ـ جزين، "البيت الكتائبي" يبحث عن "بيت" لأصواته.

بناءً على كلّ هذه العناوين، المعركة الانتخابية حامية، وتغيب عنها التحالفات بين الأحزاب الرئيسية، وتطغى عليها المناكفات والحرتقات السياسية. وعليه، تشهد دائرة صيدا ـ جزين "كباشاً" سياسياً مفتوحاً على كلّ "المحاور"، يستعرض من خلاله كلّ طرف عضلاته العددية، وهناك طبعاً من يستعرض عضلاته المالية "المفتولة" لكي يراكم "رؤوساً" إضافية في عدّاد الصوت التفضيلي، الذي لا يحفظ من الرؤوس إلاّ أرقامها.

"القوات اللبنانية" التي تمّ عزلها رغماً عنها، و"حُشرت" في لائحة "خفيفة"، تعلن عزمها الاستمرار في المعركة "الثقيلة"، رغم يقينها بـ "خفّة" الأرقام التي لن تؤهّل أياً من أسماء لائحتها.

انطلاقاً من "زركة" حزب "القوات"، المعركة الفعلية ستكون بين لوائح ثلاث قوية على خمسة مقاعد نيابية، هي: لائحة "سعد ـ عازار"، ولائحة "التيار" و"شَمْلُ الأتباع"، ولائحة بهية الحريري و"جَمْعُ الحلفاء". وعليه، فإن لائحتين ستظفر كل منها بنائبين، ولائحة ستكتفي مضطرة بنائب واحد.

في مجموع الحواصل الانتخابية، اللوائح الثلاث تدّعي أرقاماً انتخابية مرتفعة. وعليه، كلّ لائحة من اللوائح الثلاث، تعتبر أنّها ستخرج من المنازلة الانتخابية بنائبين.

في جزين، أصوات كلّ طرف لا تحتمل الالتباس، بالرغم من فقاعات الأحزاب العددية التي تطلقها في فضاء الإعلام. ولكن في مقابل وضوح الصورة في جزين، هناك ضبابية في صيدا، وهذه الضبابية قد تحمل مفاجآت بعد مرور الغيمة الانتخابية.

على خطّ "البرتقاليين" ـ "الزرق"، "كباشٌ" لانتزاع أعلى عدد من الأصوات.

وعلى خطّ "المستقبل" ـ "القوات"، إطلاق نار طفيف بسبب العتب الكثيف.

وعلى خطّ "التيار" ـ "القوات"، مناوشات بالسلاح الخفيف، بسبب إبعاد مرشّح "القوات" عن لائحة "التيار" لغاية في نفس "مجهول".

وعلى خطّ "أمل" ـ "التيار"، اشتباكات بالمدفعية الثقيلة لغاية في نفس مطلقي النار.

وعلى خطّ "التيار" ـ "التيار"، تبادل لإطلاق النار بين المرشحين في الضفتين المارونية والكاثوليكية، بالرغم من اضطرارهم مكرهين في الآونة الأخيرة إلى استخدام كواتم للصوت بطلب من القيادة.

في معمعة المناوشات والاشتباكات وتبادل إطلاق النار، التياران "الأزرق" و"البرتقالي"، أعلنا الافتراق، وكلّ منهما يجهد لتركيب لائحة تؤمّن أعلى حاصل انتخابي للظفر بمقعدين بدل مقعد. يستخدم "التيار الوطني" النائب زياد أسود لشدّ عصب المحازبين "الأصليين"، أمّا "المرتزقة" فيتمّ التعاطي مع أصواتهم على طريقة "كسب الرزق".

خوف "التيار البرتقالي" من قطع الجزينيين لحساب السنوات التسع الفائتة، وبالتالي عزوف قسم منهم عن المشاركة في الانتخابات، أو حتى تجيير أصواتهم إلى واحدة من اللوائح المنافسة، جعله يعتمد أسلوب الترغيب لجذب شريك سنّي إلى لائحته، يؤمّن له الحاصل الانتخابي، وبعض الكسور. وبعد نجاح "الطباخ البرتقالي"، مبدئياً، في جذب عبد الرحمن البزري وبسام حمود إلى لائحته، قرّر خوض معركة دائرة الجنوب الأولى بلائحة مكتملة النصاب. حدّد "التيار" خياراته على المقلبين: الماروني والسني، ولكن ما تزال خياراته غبر واضحة على المقلب الكاثوليكي، وعليه، حرب الأعصاب مشتعلة بين المرشحين الكاثوليكيين جاد صوايا وسليم الخوري، ويبدو أنّ الوضع سيستمر على ما هو عليه، إلى أن "يستخير" طبّاخ "التيار" ربّ العباد ليستقرّ على اسم، ويصار بعد ذلك إلى إقفال باب "البازار" الانتخابي المفتوح على كلّ أنواع الابتزاز.

الاستخارة المنتظرة من طبّاخ "التيار"، سبقتها استخارة أجراها على ما يبدو المرشح البزري، وتبيّن له بعد الاستخارة، أنّ بعد الانتخابات هناك وزارة.

قبل استخارة البزري، التي دفعت بمرشحي صيدا إلى لائحة "التيار"، كان مقرراً أن يشكّل ابن العائلة الصيداوية العريقة لائحة تضمّه مع "الجماعة الإسلامية"، وكلّ من العميد صلاح جبران والمحامي أمين إدمون رزق. ولكن سفن البزري التي غرقت في بحر "التيار" بسبب "الوحام" الوزاري، قضت على حظوظ قيام لائحة قوية تنافس لائحة "التيار" على أحد المقعدين المارونيين.

فرط عقد البزري للائحة التي أسّس نواتها بنفسه، لم يكن أمراً مفاجئاً، لأنّ "التيار" الذي استمال البزري، حاول قبل استمالته أن يستميل العميد صلاح جبران، ولكن استجابة العميد البطيئة، جعلت "التياريين" يغيّرون وجهة سيرهم، ويهرولون نزولاً نحو صيدا، طالما أنّ موافقة البزري تفي بالغرض المطلوب، الذي هو تفشيل قيام لائحة منافسة قادرة على تأمين الحاصل الانتخابي.

انضمام البزري إلى لائحة "التيار" لم يكن مفاجئاً، في ظلّ الحديث عن جائزة ترضية. ولكن المفاجئ هو انضمام قائد الدرك السابق العميد صلاح جبران إلى لائحة "المستقبل". لم يحلّ خبر انضمام العميد جبران إلى لائحة الحريري برداً وسلاماً على قلب "القوات" التي كانت تأمل بالتحالف معه، ولم يحلّ حتماً برداً وسلاماً على قلوب الأطراف الأخرى، التي ما إن سمعت بالخبر، حتى لجأت إلى آلاتها الحاسبة، وبدأت تعيد حساباتها.

يقول مصدر مطّلع على خطوط الوصل والفصل في دائرة صيدا – جزين، إنّ النائبة بهية الحريري تأخّرت في ضربتها بعد طول نزاع بينها وبين "التيار الوطني الحرّ" على المقعد الكاثوليكي، ولكن ضربتها الأخيرة كانت "ضربة معلم".

يعتبر المصدر أنّ صلاح جبران هو المرشّح المسيحي الأقوى عددياً في قرى قضاء جزين بين المرشحين المنفردين، ويستند في ذلك إلى نتائج انتخابات 2016 الفرعية التي حصد فيها جبران 3216 صوتاً مسيحياً منفرداً، بينما حصد تحالف "التيار الوطني الحرّ" و"القوات اللبنانية" و"الكتائب" و"المشتريات" 9500 صوتاً. ويقول إذا صحّت توقعات ماكينة الحريري الانتخابية لعدد أصواتها في صيدا، فإنّ العميد جبران سيشكّل إضافة وازنة للائحتها، وبالتالي ستكون حظوظه بالفوز قوية.

حتى اليوم، هذه هي الصورة الأولية للوائح الانتخابية، ولكن تبقى التغيرات في التحالفات رهينة الساعات الأخيرة، في حين أنّ المفاجآت الكبرى قد تحصل في 6 أيار.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.