المجتمع المدني والحراك الثقافي

فيصل طالب (*)

أصبح اضطلاع المجتمع المدني بمندرجات الحراك الثقافي، والإسهام في بلورة السياسة الثقافية للمجتمع المبنية على الاحتياجات الحقيقية التي تفرزها المعطيات الموضوعية، والمتغيّرات والتحوّلات والتحدّيات الداخلية والخارجية، ومستوى النموّ العام، من سمات النهوض والتطوّر في المجتمعات الحديثة، وخصوصاً لجهة رفد المساعي الحكومية في هذا السبيل بنصيب وافر من الجهود القائمة على توافر الإرادة الواعية والرؤية الواضحة، ووفقاً لسلّم أولويات محدّد وواقعي وقابل للتنفيذ؛ وذلك لأن الجهات الثقافية الرسمية ليس مطلوباً منها أن تنتج الثقافة، بقدر ما هي مسؤولة عن توفير الأطر التنظيمية المناسبة والبنى الثقافية التحتية التي تتيح للمنتديات الثقافية والفاعلين الثقافيين، في نطاق حيوية المجتمع المدني وانخراطه في الفعل التنموي، الاضطلاع بالدور الثقافي المطلوب، في الإطار المعياري المرتبط بتوقّعات نهضوية في الحقل الثقافي الذي يتصل جدلياً وطرديّاً بسائر أنواع الحراك المجتمعي العام، السياسي والاقتصادي والاجتماعية والتربوي…

إنّ مفهوم المجتمع المدني، في الفكر والممارسة، هو أن يجري تنظيم الناس لأنفسهم، بصورة تطوّعية واختيارية، للتعبيرعن آرائهم بحريّة واستقلالية، والدفاع عن حقوقهم بشكل سلمي وحضاري، للإسهام في وعي المشكلات التي يعانونها، وتبصّر الحلول المناسبة لها؛ بحيث يعكس المجتمع المدني الناشط حيوية المجتمع بكامله ويكون صورة عنه.

ما هي مداخل المجتمع المدني إلى الحراك الثقافي؟

  • الشراكة بين القطاع العام والقطاع الخاص والمجتمع المدني بهدف تعزيز القدرات والموارد الثقافية في نطاق التشغيل الثقافي والتراثي، وتحديد الاستراتيجية الثقافية العامة، وكذلك أولويات الأنشطة الثقافية في المناطق.
  • دعم الجهات الرسمية والبلديات والقطاع الخاص للمبادرات والمشاريع الثقافية التي تطرحها فعاليّات المجتمع المدني، وتوفير الرعاية والمستلزمات المادية واللوجستية لتنفيذها.
  • صياغة برامج ثقافية تشاركية، وبخاصة في مجال الصناعات والمهرجانات والمعارض والأسابيع الثقافية.

أمّا الاهتمامات الثقافية الرئيسة للمجتمع المدني التي يجب أن  يتوجّه إليها في حراكه الثقافي، فهي سعيه إلى:

  • الانتقال بالخطاب الثقافي من إطار التقليد والترف، إلى مجال البناء والتأسيس والتفاعل. أي من نطاق النشاط الثقافي العام، إلى مجال الفعل الثقافي القائم على قاعدة الاستجابة للحاجات الناشئة في البيئة المحليّة والوطنية.
  • مجابهة تحديّات الفقر والتخلُّف والتطرّف وسلبيات العولمة…
  • تكريس حقوق المواطن الثقافية، في سياق السعي لمحو الأميّة التعليمية والثقافية، وتمكين المجتمع من تمثّل قيم التواصل والحوار والسلام والديمقراطية، وإسهام الثقافة في النموّ العام، وحماية الإنجازات الوطنية في مختلف الحقول؛ وذلك بإتاحة الفرصة للاستفادة من البنى الثقافية التحتية المتوافرة، ومن الدعم المادي والمالي والمعنوي الذي توفّره الجهات الحكومية والبلديات في هذا السبيل، للأفراد والمجموعات في المجتمع المدني، في مسار تنشيط الحياة الثقافية، وتقديم الخدمات الثقافية لكل الفئات الاجتماعية، وفي مختلف المناطق.
  • مراجعة منظومة التربية والتعليم لإعادة الاعتبار إلى فنون المسرح والسينما والموسيقى والفنون التشكيلية في المناهج التعليمية وتطبيقاتها.
  • مراجعة قوانين الإعلام وأنظمته المرعية الإجراء، لجهة تضمينها النصوص التي تلزم وسائل الإعلام المرئية على وجه الخصوص بتخصيص برامج تثقيفية تسهم في رفع منسوب الاهتمام بالشأن الثقافي.
  • الإسهام بتعزيز الصناعات الثقافية، وتدريب الموارد البشرية لتوفير المهارات اللازمة في مجال الحرف اليدوية، وتسويق المنتجات الثقافية.

إنّ المؤسسات الثقافية المنضوية في حراك المجتمع المدني يقع على عاتقها الدور الرئيس في تعزيز الحياة الثقافية في البلدان الحديثة، حيث للثقافة القدرة على الإنفاق على ذاتها، وعلى توفير جزء مهمّ جداً من الدخل الوطني؛ بخلاف ما هي عليه الحال في بلدان العالم الثالث، حيث تتولّى الجهات الرسمية الإنفاق على الثقافة غير القادرة على أن تكون منتجة مادّياً ـ هذا إن فعلت ـ في ضوء القدرات المالية المتاحة، وتبعاً لمدى إيلاء الشأن الثقافي الاهتمام اللازم.

غير أنّه لا يستقيم أن تتحمّل فعاليات المجتمع المدني وحدها مسؤولية التنشيط الثقافي، في ظل عدم ارتقاء التوظيف الثقافي إلى المستوى المطلوب في عمليات الإنتاج المحلي وتعزيز الواقع الاقتصادي من جهة، وعدم قيام السلطات المركزية والمحلية بما عليها من واجبات في هذا المجال بصورة كافية، بالنظر إلى ضآلة الاعتمادات المرصودة لهذه الغاية من جهة ثانية؛ علماً أنّ سلوك طريق الدعم والتجهيز والتدريب وتوفير المرافق الثقافية من خلال رفع الملاءة المالية لوزارة الثقافة، بما يتناسب ومكانة لبنان التاريخية في الحضور الثقافي المتميّز في المنطقة والعالم، يشكّل إحدى الدعامات المهمّة في مسار الإنماء والتقدّم الذي يؤدّي بدوره إلى أن تكون الثقافة، فضلاً عن كونها ثروة وطنية معنوية كبرى، مورداً مهمّاً جدّاً من موارد الاقتصاد، على المستويين الفردي والوطني.

 (*) المدير العام السابق للثقافة في لبنان
(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.