الأميركي يفتش عن "مرقد عنزة" في لبنان! 

 فاحت روائح النفط والغاز

 جورج علم

جاء ديفيد ساترفيلد ليتفقد الوجوه والأمكنة، سحابة عمر مرّت وهو في واشنطن، وبقي الملف اللبناني على مكتبه، "يفلفش" أوراقه، كلما إستدعت مصالح بلاده ذلك. عرف بيروت جيداً، أمضى فيها ثلاث سنوات ـ (أيلول 1998 ـ  حزيران 2001) ـ كسفير للولايات المتحدة الأميركيّة فوق العادة، مطلق الصلاحيات. وشهد "حرب التحرير" في العام 2000، ثم حرب تموز في الـ 2006، وكان يومها كبير مستشاري وزيرة الخارجيّة كونداليزا رايس ـ (عين في هذا المنصب في 19 أيار 2006) ـ وكان من أبرز مهندسي القرار 1701، قبل أن يطرح بصيغته النهائيّة، على مجلس الأمن الدولي.

عاد ليبحث عن الدور الأميركي. عن "الرفاق" في 14 آذار، عن خطوط الممانعة لـ"حزب الله" في الداخل اللبناني. كان الملف الذي يحمله، مجرّد حجّة للعودة الى بيروت، وتأشيرة للدخول، بعد غياب عمره من عمر "الربيع السوري". هو يعرف تماما  بأن "خط هوف" ليس أكثر من زوبعة إعلاميّة، لتهبيط الحيطان على العهد والحكومة، ووحدة الموقف، والإصرار على حقّ لبنان في البحر، والبر. لم يأت كوسيط إلاّ متأخراً. كان الرئيس دونالد ترامب يطالع بريده اليومي، وفجأة يقع نظره على تقرير أعدته السفيرة آليزابيث ريتشارد، ويتحدث عن العقود التي أبرمها لبنان مع ثلاث شركات عالمية للتنقيب على النفط والغاز في المياه الإقليميّة، فثارت ثائرته: أين نحن؟ وما هو دورنا؟!.

كواليس دافوس

ومع وصول تقرير السفيرة ريتشارد الى البيت الأبيض، كان "خبير الشؤون اللبنانية"، الأميركي الهويّة والهوى، السفير جيفري فيلتمان، يختلي برئيس الحكومة سعد الحريري في إحدى زوايا المنتدى الإقتصادي العالمي في دافوس، يسأله، ويحاوره عن حقيقة ما جرى مع "رئيس وزراء لبنان في الرابع من كانون الأول الماضي في المملكة العربيّة السعوديّة"، مستعيداً الرواية كاملة عن تلك الحركة التي كان لها أبلغ الأثر على تراجع الدور السعودي ـ الأميركي في محميّة الأرز.

كان فيلتمان في لبنان، من العام 2004 ولغاية 2008، سفيراً فوق العادة، مطلق الصلاحيات، متأثراً بفصول الجريمة المروّعة التي حصلت في 14 شباط 2005، وأودت بحياة الرئيس الشهيد رفيق الحريري، ومهندساً، لا بل من كبار مهندسي إنتفاضة 14 آذار، وشاهداً معنيّاً بإنسحاب الجيش السوري من لبنان في نهاية نيسان 2005، وضليعاً في تصوير الفيلم الأميركي الطويل عن حرب تموز في الـ2006.

ومن لبنان إنتقل الى نيويورك ليشغل منصب نائب الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسيّة، وسافر الى دافوس بحكم المهمة الموكلة إليه، وهناك وجد الفرصة مؤاتية ليسأل صديقه الشيخ سعد عن أحوال لبنان، وليالي زمان، ودور الأميركان، وجاءه الجواب خافتا "لا خيل عندي أهديك.. ولا مال"! وإن "قورش" المعممّ  قد إجتاحت خيوله حدود "سايكس – بيكو"، وملأت حوافرها السماء غبار، وجبهاته متقدمة جداً في العراق وسوريا ولبنان واليمن، وهي على أبواب مجلس التعاون الخليجي، فيما خطوط الممانعة وجبهات الصمود والتصدّي، أضحت مجرد أوهام وكوابيس، وثرثرات على الورق، ومعارك "دونكيشوتية" في الكواليس السياسيّة والدبلوماسيّة المغلقة.

عبرت الصور سريعة في ذاكرة فيلتمان، كان لنا لبنان، وكان لنا في لبنان صداقات تمتمد من المختارة، الى بيت الوسط، الى معراب، الى "ثورة الأرز"، الى "فوارس" قرنة شهوان، وفارس "منفذّية 14 آذار"، الى صيدا وسنيورتها المشهورة… فماذا بقي لنا اليوم سوى "إسرجوا الخيول، وإقرعوا الطبول، وإفتحوا الأشداق، وازعقوا في الأبواق، ضدّ إيران، ودورها في لبنان، والإقليم؟!".

كتب فيلتمان الى إدارته، من باب رفع العتب، ومن موقع الغيور على الدور الأميركي في لبنان، وأهميّة هذه المساحة الضيقة التي تتوسط ساحة الشرق الأوسط. أخبرها بما دار بينه وبين الشيخ سعد من حوار ذي شؤون وشجون، مركزاً على أهميّة العمل السريع لإعادة المياه الى مجاريها ما بين بيت الوسط، وديوان ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، قبل فوات الأوان، فالإنتخابات على الأبواب، و"الثنائي الشيعي" يعيّن نوابه في المجلس النيابي الجديد، قبل السادس من مايو / أيار موعد الإستحقاق الديموقراطي، فيما 14 آذار تلهث في البحث عن أشلائها، قبل أن تحاول توحيد صفوفها للمواجهة!.

الخطبة العصماء

وما أغفله فيلتمان في برقياته وتقاريره، فضحه الشيخ سعد بالصوت والصورة، عندما إعتلى منصّة "البيال" في ذكرى 14 شباط، وراح يصول ويجول في عواطف الحشود الحاشدة من أنصاره ومريديه،  يخاطبهم بصوت مدجج بالغضب، مخنوق بغصّة الخيانة من جراء الطعن في الظهر، مزمجر من جراء القروح، جرح الكرامة الذي لم يندمل رغم مرور شهور طوال على واقعة الرابع من كانون الأول في الرياض، وجرح الوفاء المشظّى من ذوي القربى. كان يرفع الصوت عالياً عالياً، وبقربه السفير السعودي في بيروت، ليسمع وليد اليعقوب جيدا: "ما معنا مال للإنتخابات.. مفهوم.. ونحن سنّة الإعتدال.. مفهوم.. ولم نبع الدول العربيّة والخليجيّة بضاعة مغشوشة.. مفهوم.. وإننا سننتصر بالإنتخابات، ونصوّت زي ما هيي.. مفهوم؟"… وصفّق له السفير السعودي طويلاً، كما الحضور، لكن لم يعرف ما إذا كان ذلك إستحساناً، وتأييدا، أو من باب المجاملات..

"خط هوف".. خط العودة الى بيروت

وفيما كان الحريري في البيال، كان الدبلوماسي الأميركي ديفيد ساترفيلد يسترجع شريط الزيارة، ويستخلص العبر، لا هيصة، لا حرارة إستقبال، لا "إنفحاط"، لا مآدب عامرة، ولا تهافت على التليفونات لحجز المواعيد!… ما هذا الإرباك؟ وماذا حلّ ببيروت؟. وأين قامات 14 آذار؟ و"الحوريات"، والسهرات، والخبريات؟!.. لا بل أين تلك الجبهة المتراصّة التي تقف سدّا منيعا بوجه "قورش المعمم" وفوارسه في الميدان من جنوب لبنان الى مرتفعات الجولان؟!. أين هذا الفيلق المنتشر بأسرابه، وحرابه لمنع "حزب الله" من التمدد وإبتلاع الجمهوريّة؟.

دار دورته على من يفترض بهم أن يدوّروا الزوايا الحادة مع العدو الإسرائيلي، فإذ به يجدهم صفّا مرصوصاً "حقنا مصان بسيادتنا، وسيادتنا فوق المزايدات، والصفقات، والتسويات". جاء بورقة "خط هوف" ليكلّف نفسه بمهمة الوسيط مع العدو الطامع، فجاءه من يقول له: "لماذا الآن، هذا الإحسان؟!.. لقد مرّ نيف وأربع سنوات، ولم تشهد بيروت سوى طائرة قائد المنطقة الوسطى الجنرال جوزف فوتيل، تغطّ وتطير، حاملة مشكورة بعض السلاح الخردة للجيش اللبناني!..أين الدبلوماسيّة الأميركيّة المرنة، المقتدرة، والمتوازنة؟. ولماذا لم يصل الى بيروت سوى التأنيب من واشنطن، ومضابط الإتهام الموجهة الى القطاع المصرفي اللبنالني بتمويل "حزب الله"؟.

وتفيد الرواية أن الرئيس ترامب، عندما قرأ التقرير حول النفط والغاز في المياه الإقليميّة اللبنانية، والعقود المبرمة مع شركات التنقيب، إستدعى رجل الأعمال، والخبير الأول في عالم النفط والغاز، وزير خارجيته ريكس تيليرسون، وطلب منه أن يشمل بيروت في جولته الشرق أوسطيّة، ويطلع على حقيقة ما عند المسؤولين من إهتمامات وأولويات. وإن خطة العودة بدأت مع السفير ساترفيلد، ممسكا بالتهديدات الإسرائيليّة كحجة، و بورقة "خط هوف" كتأشيرة دخول. لقد مهّد لزيارة تيليرسون، لكنها لم ترتق الى مستوى الحدث الإستثنائي، بل جاءت باردة، تفتقر الى الحرارة، والحيويّة، والثقة. إحتجزت آلاف السيارات في الشوارع، ليمر الموكب بأمان، وعندما وصل الى القصر الجمهوري، وجد الوزير الأميركي نفسه وحيداً في صالون الإستقبال. إنه الحدث الأبلغ دلالة الذي يعكس واقع الحال الذي وصل اليه الدور الأميركي، بعدما تجاهلت إدارة ترامب الرئيس العماد ميشال عون مدّة نيف وعام من إنتخابه رئيسا للجمهوريّة، بحجة أنه حليف لـ"حزب الله"، وبعدما أصبحت 14 آذار شتاتاً بعد فرقة.

لم تكن المحادثات التي إستمرّت 35 دقيقة، أكثر من تسجيل مواقف. قالها الرئيس عون صريحة: "لم نعتدِ على أحد. ونرفض أن يعتدي أحد على مياهنا، وأرضنا، وسمائنا. وكل إعتداء على سيادتنا سوف نواجهه بكل إمكاناتنا، ومهما كان الثمن".

إنتهى اللقاء، ومضت الساعات الخمس التي خصصها لبيروت، وقبل أن يغادر، جاء من يهمس بإذنه: "قد تكون إسرائيل قادرة على إعادة لبنان الى العصر الحجري، لكن أي عدوان  تشنّه، سيخرج منه حزب الله أقوى، وسيمسك بمفاصل الدولة والكيان، فهل هذا الذي تريده واشنطن؟!".

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.