مفقودو الحرب الأهلية على "خط تماس" الانتخابات

محمد شرف الدين ـ

قد لا تكون عبارة "ذكرى الحرب الأهلية اللبنانية" صحيحة. مَن مِن اللبنانيين نسي كي يتذكر؟ وكيف تنسى حرب لم تكن حرباً "إسلامية ـ مسيحية" فحسب، بل كانت حروب المسلمين مع المسلمين والمسيحيين مع المسيحيين. كانت حرباً انغمس فيها الجاران الفلسطيني والسوري والعدو الإسرائيلي، وانضم إليهم مسلحون من مختلف بقاع الأرض ووُصفت بأنها "حرب الآخرين على أرض لبنان"، هذه هي الحرب الأهلية اللبنانية التي خلّفت نحو 150 ألف قتيل و300 ألف جريح ومعوق و17 ألف مفقود، وأدت إلى فرز سكاني وجغرافي وتهجير أكثر من مليون نسمة، وراكمت خسائر اقتصادية فاقت 25 مليار دولار.

كيف تُنسى الحرب وجدران المباني البيروتية العتيقة لا تزال مشوهة برصاص اخترقها منذ أكثر من 43 سنة؟ بعد مرور كل تلك الأعوام حلّت هذه الذكرى ثقيلة على الكثير من اللبنانيين، فما زالت عائلات آلاف الأشخاص الذين اختفوا خلال هذه الحرب، تعاني من آثار الصراع والقتال الدامي، نتيجة عدم معرفة مصير أحبائهم حتى اليوم. "نريد فقط أن نعرف ماذا حدث لهم، نريد قبرًا لهم حيث يمكننا ترك الزهور، هؤلاء الذين دفنوا أطفالهم كانوا قادرين على الحزن والبكاء عليهم، ولكن نحن لم نتمكن من إجراء الحداد"، كلمات للأهالي الذين فقدوا أبناءهم وأقاربهم تعبر عن مأساة هؤلاء نتيجة لعدم تحديد مصيرهم بعد مرور 28 عاماً على انتهاء الحرب.

أمام "خيمة الانتظار" في بيروت، في حديقة جبران خليل جبران، تجلس سيدة سبعينية، وتحمل صورة ابنها سمير، الذي اختطف وهو عسكري من أمام ثكنة الجيش وكان عمره 19 عاماً في العام 1983. تطالب الدولة بكشف مصير ابنها، لاسيما أنها تعلم هوية خاطفه، وتقول إنه ملقب بالوحش. إلى جانب أم سمير، تجلس سيدة تحمل صورة شقيقها، الذي خُطف قبل 35 عاماً من داخل منزله في صور.

لم يملّ الأهالي من المطالبة بكشف مصير أبنائهم من خلال لجنة رسمية نصّ مشروع قانون تم تقديمه قبل سنوات على تأسيسها. وبالتزامن مع الانتخابات المُقررة في السادس من أيار المُقبل، أطلق الأهالي بالتعاون مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر مبادرة جديدة، قدموا فيها "انتخابات موازية" يحوز فيها المفقودون وأهاليهم على الاهتمام والمتابعة.  بل ثلاثة أسابيع من فتح صناديق الاقتراع، أعلنوا عن لائحة رمزية باسمهم، وتنقسم الحملة بالاضافة إلى ترشيح 6 أشخاص للانتخابات عن مقعد المفقودين، تعليق لافتات في الشوارع، وحملة على مواقع التواصل، في محاولة للاستفادة من موعد الانتخابات لجذب انتباه اللبنانيين إلى هذه القضية، حتى يركز البرلمان المُقبل على تمرير مشروع القانون. والأهم أن اللجنة أكدت أنها لن تصوت لمن لا يتبنى قضية المفقودين.

أين أصبح بنك الحمض النووي؟

الجهد الذي تقوم به اللجنة في جمع العينات البيولوجية من الأهالي وتحضير الكادر الجنائي العملي، يحتاج إلى مواكبة رسمية من خلال إقرار مشروع قانون إنشاء اللجنة المستقلة لكشف مصير المفقودين والمخفيين قسراً، فحتى اليوم تم جمع العينات البيولوجية من لعاب ذوي المفقودين، وهو خطوة أولى قبل التحدث عن بنك DNA، الذي يهدف إلى تسهيل المسألة وعدم تحميل الدولة اللبنانية أعباء مالية كبيرة. كما أنه مقدمة قبل اكتمال الآلية للوصول إلى فحوص الحمض النووي. لكن جمع العينات البيولوجية من الأهالي (عينة لمصلحة الصليب الأحمر وأخرى للأمن الداخلي)، لم يسلك شقه الثاني بعد.

في خيمة الاعتصام نفسها التي انطلقت قبل سنوات، عاد الأهالي وتجمعوا، ترحّموا على من مات من الأهل بانتظار عودة المفقود أو جلاء مصيره. حلّ محل هؤلاء أقرباء آخرون، ما زالوا يُطالبون بالحق في كشف المصير.. فهل من مجيب؟

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.