#سعد_الحريري "الثالث".. ما الذي تغيّر؟

خضر طالب ـ

لا يملك سعد الحريري ترف الوقت في عملية "إعادة تأسيس" بنيته السياسية لتظهير شخصيته الجديدة.

وقع "سعد الحريري الأول" في خندق 7 أيار العام 2008، وخرج منه مثخناً بالجراح ومثقلاً بالأحمال.

سريعاً، نجح في "صياغة" شخصية جديدة للتسوية السياسية في العام 2009، لكن "الطلاق" بين "س" و"س" في نهاية العام 2010 وضع "المولود" الجديد على السكين بين "الزوجين"، فاختار "المنفى".

كان سعد الحريري ما يزال أسير عناوين الاصطفافات السياسية، لكن تجربته بدأت تتلمّس طريقها نحو رسم صورة جديدة.

بين العام 2005 والعام 2009، كان سعد الحريري رجل "ثأر" لاغتيال والده الرئيس الشهيد رفيق الحريري. وفي العام 2009 حاول السياسي الشاب أن يكون رجلاً سياسياً، لكن سقوط مشروع التسوية أسقط مشروعه.

في "غربته"، كان الحريري يعيش صراعاً عميقاً بين نزعتي "الثأر" و"السياسة"، فلم تنتصر أي منهما على الأخرى، إلى أن بدأ يقطع الحبال التي تكبّله بالماضي وردّ الفعل، ليعتمد منهج الواقعية.. وهنا تحديداً، نجح سعد الحريري في التحوّل الجزئي لأن يكون "رجل سياسة" بعد أن دفع "ديّة الثأر".

من تلك اللحظة، بدأت ترتسم شخصية سعد الحريري الجديدة. صورة رجل مخضرم في السياسة، معجون بالتجربة، واقعي في التعامل مع الوقائع.

عاد الحريري إلى لبنان بصورته الجديدة شكلاً ومضموناً. أرخى لحيته بكاملها متخلّياً عن نموذجها السعودي، وصار أكثر "لبنانية" في مظهره ولكنته.

بوابة العودة كانت بإعادة الحياة إلى التسوية القديمة، ولكن بمواصفات جديدة وبنود محدّثة تحت عنوان "ربط النزاع". كان يتردّد في حينها أن الحريري حصل على موافقة السعودية لكنه لم يحصل على الدعم. لاحقاً تبيّن ان الحريري هو من أقنع السعودية بقراره، وأن المسؤولين في المملكة وافقوا على مضض، بل وكان رهانهم أنه لن يستطيع التعايش مع الواقع اللبناني في ظل محيطه المتفجّر ومشاركة "حزب الله" في الحرب السورية. لكن الحريري نجح في صياغة توليفة صعبة بين ثوابته السياسية وبين الموضوعية السياسية. هنا، بدا أن رهان الكثيرين على فشله قد سقط، فالرجل الجديد شخص مختلف عن الذي غادرهم قبل سنوات.

نجح الحريري في تفكيك الكثير من الألغام التي اعترضت مسيرته الجديدة. بدا أن الرجل يستطيع تدوير الزوايا والقفز فوق الخنادق بخفة والسباحة في الأنواء بمهارة… إلى أن غادر بيروت على عجل نحو "مظلّته" السياسية والمالية، ويختفي فيها ساعات قبل أن يطلّ باستقالة متلفزة كان كل حرف في بيانها يضع حاجزاً أمام مسيرة سعد الحريري الجديدة.

كانت تلك "الاستقالة" الملتبسة مفترق طريق عند سعد الحريري، ونقطة تحوّل كبيرة جداً في رؤيته السياسية واستنتاجاته وقراءاته وتطلعاته وحساباته. المكان الذي انطلق منه لحمل إرث رفيق الحريري وحمايته من الاندثار، أصبح هو نفسه "السجن" الذي يحتجز مستقبل سعد الحريري، ويريد إطاحته من زعامة "المستقبل".

خرج رئيس الحكومة من تلك التجربة المرّة بمخزون كبير من المشاعر والأحكام والمفاهيم والرؤية السياسية. كانت مشاعر اللبنانيين ومواقف السياسيين وطعنات الحلفاء واحتضان الخصوم، كافية لصياغة "سعد الحريري الثالث".

هذه المرّة، كان الرجل واثقاً من خطواته وخياراته وقراراته وحساباته.. لم ينطلق من منطق "الثأر" بحق من "خانه" أو "تآمر" عليه، لكنه لا يستطيع التصرّف وكأن شيئاً لم يحصل.

عاد سعد الحريري الجديد إلى عرينه اللبناني، واكتشف جمهوره وخصومه أن فيه شيئاً مختلفاً. الملامح الجديدة تكشف عن حنكة في السياسة، واحترافاً في التكتيك من دون التخلّي عن الثوابت، وقدرة على تدوير الزوايا، ومرونة في امتصاص الصدمات، وليونة في مواجهة العواصف، وهدوءاً في التعامل مع الضجيج والصخب.

لكن المفاجأة الأكثر وقعاً، كانت في المنطق والأسلوب الخطابي الذي ظهر به الحريري، خلافاً للتردّد الذي كان يحكم خطاباته وظهوره الإعلامي.

اليوم يخوض سعد الحريري الانتخابات النيابية، ليس من أجل تكريس زعامته فقط، فهو يعرف أن كتلته النيابية ستخسر بعضاً من "جنودها" بحكم القانون الانتخابي الذي يكسر "احتكار" التمثيل الأكثري. لكن الحريري يتعامل مع هذا الواقع الجديد بمرونة لافتة، ربما لأنه يعتقد أن هذه الانتخابات ستحدّد حجمه الحقيقي، من دون تضخيم ولا إضافات.

يدرك سعد الحريري أن هذه الانتخابات هي "استفتاء على زعامة سعد الحريري"، وليست "تفويضاً" لـ"الثأر" أو "تعاطفاً" مع "وريث رفيق الحريري".

إنها انتخابات سعد الحريري شخصياً. فإما أن تكرّس هذه الانتخابات سعد الحريري شريكاً رئيساً في تركيبة الحكم باعتباره الأكثر تمثيلاً لسنّة لبنان، وإما أن تجعله شريكاً قوياً بين مروحة قيادات تمثّل الشارع السنّي.

هو يدرك هذا التحدّي، ويبدو أنه صار جاهزاً لخوض هذا الاختبار، بل وراغباً فيه، كي تكتمل صورة وهوية وشخصية سعد الحريري الجديد.

الأرجح أن مرحلة ما بعد الانتخابات النيابية ستكون، بالنسبة إلى سعد الحريري، شبيهة إلى بعيد بمرحلة رفيق الحريري بعد عودته إلى رئاسة الحكومة في العام 2000. كانت تجربة رفيق الحريري قد نضجت بفهم التفاصيل والتعقيدات السياسية اللبنانية، فتعامل معها بنضج كبير واحتراف شديد، وخيارات أكثر مرونة.

اليوم عاد سعد الحريري إلى رئاسة الحكومة وهو يمتلك المواصفات نفسها، مع فارق في التوقيت والظروف والأحداث والتأثيرات والتعقيدات. ويستعد "سعد الحريري الثالث" لـ"تسييل" هذا النضوج في مرحلة زعامته الشخصية بعد الانتخابات، محصّناً بحاجة الأطراف الرئيسية إلى دوره، وبتحالفات وتفاهمات بنت له جسوراً صلبة للعبور إلى شراكة كاملة في الحكم، ومدعّماً برصيد 11 مليار دولار يستعد لصرفها في ورشة شبيهة بتلك التي أطلقها رفيق الحريري في العام 1992.

بعد الانتخابات، حسابات أخرى، وموازين جديدة، وموعد مع "سعد الحريري الثالث".

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.