"كوابيس"!

خضر طالب ـ

سمعت، في ما سمعت، حواراً بين حمامتين في ساحة النجمة تعبتا من الحركة في الساحة المهجورة.

تقول الحمامة البيضاء لزميلتها الرمادية إن هناك مرشّحاً قرّر دفع 25 مليون دولار لكي يفتح الطريق أمامه إلى ساحة النجمة، ويضع على سيارته "نجمة" مجلس النواب.

لكن الحمامة الرمادية خالفتها وقالت إن معلوماتها تقول إن مرشّحاً قرّر دفع 50 مليون دولار لكي يفتح أوتوتستراداً أمامه إلى مجلس النواب.

دار سجال بين الحمامتين، ووقع بينهما زعل، وأدارت كل واحدة منهما ظهرها للأخرى. تدخّل ذكر حمام عائد من "كشةّ" وريشه منفوش، فنظر إلى الحمامة البيضاء قائلاً "25 مليون ما بتحرز"، والتفت إلى الحمامة الرمادية قائلاً "50 مليون بترجع بأول صفقة".

كنت قد سهوت قليلاً في سكون أحد مقاهي ساحة النجمة، ولما فتحت عيني وجدت الحمام يستريح في فيء الساحة، وأيقنت أن الحوار كان مجرّد أضغاث أحلام.. لكن مضمونه حقيقي، وما يتردّد في البلد عن رشاوى الانتخابات أكبر من أن يوصف، وكأن الانتخابات التي تحصل هي سباق على الدفع، ومن يدفع أكثر يضمن موقعه داخل المبنى.

يخطر ببالي سؤال ملح: إذا كان أحدهم يريد دفع مبلغ 5 أو 10 أو 25 أو 50 مليون دولار.. و"البازار" مفتوح، فما هو الهدف الفعلي من الوصول إلى مجلس النواب؟!

لا أملك جواباً واضحاً على هذا السؤال، ربما تدور الشكوك في الأذهان، لكن مجلس النواب المقبل هو أشبه بـ"مجلس رجال الأعمال"، وهذا يعني أن البلد سيتحوّل إلى "شركة تجارية" يديرها "مجلس إدارة"!

كيف سيكون لبنان عندما تتحكّم بقوانينه وقراراته "طغمة مالية"، تحكم البلد، ويتحكّم بعقلها منطق التجارة والتشاطر من أجل زيادة الثروة؟

هناك أسئلة قلقة تتعلّق بمصير المؤسسات التي تعنى بشؤون الناس، طالما أن السواد الأعظم سيأتي إلى التشريع من خلفية إلغاء الدولة لصالح القطاع الخاص.

ستكون شراهة الأكثرية من أعضاء مجلس النواب المقبل، مفتوحة على الالتزامات والتلزيمات والمناقصات والمزايدات، خصوصاً أن البلد سيستقبل 11 مليار دولار من مؤتمر "سيدر 1"، كما يستعد لمداخيل النفط الضخمة.

ألا يوحي ذلك أن المواجهة ستكون محتدمة في الشوارع بين "دولة الأغنياء" وبين "دولة الفقراء"؟

لا يحتاج الأمر إلى "تنجيم".. وهذه ليست كوابيس.. فقد انتهى وقت القيلولة.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.