"نقشت ـ TAKE ME OUT": عرض إباحي على الهواء!

فتات عياد

يبدو أنَّ "حرب الإلغاء" على الشّاشات اللبنانية ساقت المحطّات إلى فخّ الإبتذال، وجعلت المُشاهِد رهن المَشاهِد، ورهن ما يقدّم من قباحةٍ تخيِّب الآمال.

وعوض الإرتقاء إلى مستوى إعلامي بنّاء ومسؤول،  تشهد الشاشات اللبنانية حربًا إعلامية في خدمة ما يسمى بلعبة "الرايتينغ"،  فيصبح المحظور متاحًا وتُضرب المعايير الأخلاقيّة الإعلاميّة عرض الحائط وسط "ملحمة إعلامية" لا يذهب ضحيتها إلا المُشاهد…

لكن برنامج "نقشت -TAKE ME OUT" سابقة ليس لها مثيل، إذ تتمحور فكرة البرنامج حول شباب يأتون للحصول على "موعد غرامي" مع صبية من أصل ثلاثين. تُبقي الفتاة الزِّر مضاءً إذا أعجبها الشاب بناءً على فيديو يعرّف عنه وعلى دقائق معدودة من الحوار مع مقدم البرنامج فؤاد يمّين، حوارٌ لا يخلو من القبلات  والغمرات  والمشاهد الإيحائية ويصل إلى المشاحنات أحياناً… و في أقسام أخرى من البرنامج  يتحاور يمّين مع الفتيات حول الزواج و الحب و المساكنة… ضمن إطار لفظي لا يخلو من الإيحاءات الجنسية المبطَّنة.. ألفاظٌ تقشعر لها الأبدان، فكيف لأفواههم أن تنطق بما تستصعب  سماعه الآذان؟!

يخاطب يمّين إحدى المشتركات: "نوال.. كيفك إنت والـ sucette؟"، فتجيب: "في حدا من هو وزغير ما بياكل sucette؟!". ثم  يسأل دعد: "إنتو شو كنتو تتحلو ع إيامك دعد، دخلك في حلو إسمو عشّ السرايا؟".

ولنوال أيضًا يقول يمّين: "كيفن؟".. كتعبيرٍ مستترٍ عن نهديها،  فترد الأخيرة: "كيفن؟ هههه… مش مناح اليوم… مش لابسين مظبوط"! أما إيفونا فلا تحبذ الزواج ولا المساكنة وتقول: "ما بحب نام مع نفس الشخص بالتخت كل يوم. يعني بنام معو شوي و خلص يفل عالبيت"!

و يطرح يمّين فكرة المساكنة عدَّة مراتٍ ليلقى ترحيبًا بها من عدة مشتركات، و يثني على تأييد إحداهنّ: "بتفوتي بالتفاصيل اللي معقول هي بعد الزواج تصدمك مثلاً".. لكن واحدة منهنّ ذهبت لأبعد من ذلك بترحيبها بإنجاب الأطفال خارج نطاق الزواج والإستحصال على قانونٍ لتسجيلهم!

أما عن ضيعة "الزبّوغة" فيوجِّه يمّين الحديث لإيفونا: "وينا الزبّوغة وينا دلوني عليها.. زفّوا الزبّوغة". لكن فلنحسن النوايا فربما يريد يمّين تثقيفنا جغرافياً!

يطرح الرجال المشاركون على هذه الصبايا أسئلة لحصر اختيارهم بفتاة من أصل اثنتين قد أبقيتا الضوء مضاءً، أسئلة كـ: "قديه أطول مدة فيكن تعطوا بالـ FRENCH KISS؟". أو: "بتفضلي تسافري معي ع رأس السنة أو تقضي الليلة مع رفقاتك؟"… أسئلةٌ إن عصرنا أبعادها عصراً نستخلص أنها أشبه باصطياد لقاءاتٍ عابرةٍ محورها الجنس لا أكثر.

قد يكون برنامج "نقشت" الأوّل من نوعه في المساواة بين المرأة و الرجل على صعيد "التّسليع" و قولبتهما كـ "دمى" لا تصلح إلاّ للجنس عامّةً وللإباحية خصوصاً.

من هنا نستذكر عبارة "الجمهور عايز كده"، فهل فعلًا الجمهور "عايز كده"؟ وهل انحصر دور الإعلام في التوجه لما يريده الجمهور عوض توجيهه؟

ترى نايا (24 عامًا) أن هذا البرنامج  يسليها  ويعلّم الفتاة كيف تكون "قوية وقدّ حالا".

أما مجد (22 سنة) فيقول: "إعتدتُ أن أرى مثل هذه البنات في المجتمع  فتعوّدت عالسمع وحتى عبّي وقتي بحضره، هنّي مفكرين حالن عم بيمثلوا الكل، وها الشي مش مظبوط".

يرى طلال (55 سنة) أنّ هذه البرنامج "قلّة حياءٍ".

أما جيسيكا (20 سنة) فيستفزّها البرنامج وتعتبر أنّ المرأة المثقفة تدني من قيمتها بتلميحاتٍ وفحشٍ لا مبرّر له، لكنّها تقبل هذا النوع من الأحاديث "المضحكة والمسلية" في جلسات شبابية وتتحفظ على ظهورها إلى الإعلام.

تقول عبير (18 سنة): "أنا مع إنفتاح المرأة ولكن ضد معايير الإختيار في هذا البرنامج والتي ترتكز على أموال الشاب وجماله الخارجي فقط  لتقضي الفتاة  ليلة معه لا أكثر، كما أني ضد تغييب أننا عرب ولدينا حدود للأمور".

أما الإعلامي محمد العاصي فيعتبر أنَّ البرنامج  يقدِّم مستوى هابطاً يساهم في تشويه الرسالة الإعلامية، وخطورته تكمن بأنه يدخل "بخفة" إلى كل المنازل فيشاهده الصغار والكبار، لكنَّه يلفت إلى مسؤولية المُشاهد في معرفة ماذا يشاهد كي لا يكون على جهوزية تامة لتلقّي كل ما يُعرض و تطبيقه. و يرى أنّ "المرأة اللبنانية تصوَّر كأنها رخيصة، ما يعطي صورة غير لائقة وغير حقيقية للمجتمع اللبناني في الخارج"، و يعتبر العاصي أنهم يحاولون "تحديث" المجتمع اللبناني على طريقتهم، مضيفًا: "نحن مجتمع شرقي وهم لم يُوفَّقوا في تقليدهم للبرامج الغربية،  والمستوى هابط جداً إن من ألفاظ أو مشاهد خليعة".

وعن الرّقابة الذاتية يقول: "تحت سقف الحريات الاعلامية  يفصِّلون ويلبسون مستوى برامج تخدش حياء المُشاهد، فالحرية ليست بفرض ما نريده على الناس، أو بالتحريض على المجتمع من أجل تغييره، خصوصاً أنهم  يسوِّقون لشيء إن وجد فنسبته ضئيلةٌ في مجتمعنا وليسوا مضطرين لهكذا تسويق".

هذا الإنحدار الإعلامي يخفي في طيَّاته تغييراتٍ جذرية في مجتمعنا ككلٍّ، فالبرنامج يتخطى هدف التّسلية بمحاولة قلب المعايير المجتمعية،  ولا يمكن إنكار أنّ فئةً من الجمهور "عايزة كده" ولكنّها  ليست كلّ الجمهور، كما أن هؤلاء الشبان  يوضعون في إطار يجردهم من علمهم وثقافتهم ويظهرهم  كأنهم لا يفرزون إلا "sex". هذا الإنحطاط الإعلامي يُسقط جميع المعايير الأخلاقية ليمجّد العلاقات العابرة، وحتّى لو "نقشت" ليلةً فإنها لن "تنقش" على الدّوام…

لكن، ألا توجد معايير رسمية لهذا النوع من الإباحية؟ اين المجلس الوطني للإعلام في ضبط هذا الانفلات الذي يستهدف هدم قيم مجتمعية؟

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.