سعيد أبو مراد "الهامس": رحلة الحبر والعرق

جوزف القصيفي

مربوع القامة، أصلع، تكاد لا تتبين ألوان ملابسه لكثرة الاستعمال، يتأبط  حقيبة صغيرة سوداء تضم رزمة من الأوراق و"الكربون" وأقلام "بيك" زرقاء، يذرع المسافة بين المجلس النيابي في ساحة النجمة والسراي الحكومي في فترة ما قبل الظهر. أما في فترة ما بعد الظهر فكان يجول على بعض القيادات السياسية، من دون أن ينسى بعض القادة النقابيين ذوي الميول اليسارية عند الصباح الباكر.

كان يستخدم رجليه في التنقل، وأحياناً يعطف عليه بعض من يصادفهم من مسؤولين وساسة، فيوفروا عليه مشقة السير الطويل. عندما تستمع إليه وهو يتحدث، تدرك فوراً انه  غير لبناني، مع انه يصر على ذلك مدّعياً أن جذوره تمتد الى بلدة مشغره في البقاع  الغربي. انه "سعيد أبو مراد"، أو هكذا عرفناه وهكذا عرفه السياسيون اللبنانيون وقادة المقاومة الفلسطينية وأركان الاتحاد العمالي العام ورؤساء النقابات المهنية.. لكن إسمه الحقيقي هو متري الهامس، سوري المولد والجنسية والنشأة.

اختلفت الروايات حول سبب إقامته في لبنان، لكن الرواية المرجحة  أنه كان ناشطاً في "الحزب الشيوعي السوري" وكان ملاحقاً من سلطات بلاده، فهرب الى لبنان واستقر فيه، متخذاً لنفسه إسماً مستعاراً، تاركاً في دمشق زوجة وعائلة تزوره ـ كلما سنحت الفرصة ـ في بيت متواضع استأجره في الشطر الغربي من العاصمة.

عمل "أبو مراد" في عدد من الصحف اللبنانية اليومية، ومنها "الشعب" لصاحبها محمد أمين دوغان، و"اليوم" لصاحبها وفيق الطيبي، و"الشرق" لصاحبها النقيب عوني الكعكي، وتعاون مع عدد من وكالات  الأنباء المحلية والمجلات، وثمة من قال إنه كان يتواصل مع بعض الأجهزة بغرض الحماية.

كان "سعيد أبو مراد" يُكثر من استصراح النواب والوزراء ورؤساء الاحزاب وقادة التنظيمات الفلسطينية والنقابات، حول موضوع معّين، قلما اختاره هو، بل كان يوحى به من جهة ما أو من جهاز ما. فيوزّع العديد من النسخ الحاملة لهذه التصريحات، مستعيناً بأوراق "الكربون" ليوفر على نفسه عناء نسخ التصريح نفسه مرات عدة. ولكثرة ما كان يحشو حقيبته الصغيرة بالأوراق، أصبح موضع تندر زملائه.

فالصحافي  الظريف  جورج ضو – رحمه الله – كان يلقبه بـ"ملفوفة الصحافة"، أما الزميل عبدالله عبود فكان يسميه "المحدلة الورقية". وهناك من دعاه بـ"البطه" لأنه كان "يتغندر" في  مشيته. وكان "سعيد" يبتسم بمرارة وهو يستمع الى هذه التعليقات في حقه، وكان عندما يحتدم غيظاً يصيح في وجه مغيظه: "الله يلعنك"، ثم  ما يلبث ان يدخل في صمت ثقيل أو يستسلم لإغفاءة لا تطول، رغم حاجته اليها وهو الساعي الى رزقه منذ الصباح الباكر.

وعلى الرغم من قلبه الطيب وميله للخدمة وانحيازه للمستضعفين، كانت تصرفاته تشي بأن شخصه الذي يستدرج المرء الى التعاطف التلقائي معه، ينطوي على جانب مستغلق وخطير يمكن تبينه من طريقة الاسئلة التي كان يطرح وشبكة العلاقات التي كان ينسج، وقدرته على النفاذ الى شخصيات بارزة مثل الرئيس  رشيد كرامي الذي كان يقربه منه ويستقبله أحياناً لساعات طويلة. والسرّ الكامن وراء ذلك هو أن "سعيد ابو مراد" استطاع، بعد سنوات قليلة من  فراره الى لبنان، إعادة وصل ما انقطع مع السلطات السورية من خلال العلاقة المميزة التي ربطته بأمين سر منظمة "الصاعقة" زهير محسن، وهذه المنظمة كانت الذراع الفلسطينية  لـ"حزب البعث العربي الاشتراكي" الحاكم في سوريا، وبات مطمئناً الى أمنه، مرتاحاً الى ما توافر له من حماية، فلم يعد الخوف والحذر يلازمانه، بل فتحت له أبواب المنتديات البيروتية. لكن ذلك لم يبدل من طباعه، فظل "درويشاً" و"متدروشاً"، متواضعاً في ملبسه ومأكله، ويحوّل بانتظام مدخراته الى عائلته في دمشق.

والى الصحف والوكالات اللبنانية، أصبح مراسلاً في مكتب وكالة "سانا" ببيروت وعدد من الصحف السورية.
وقد شاهدت بأم العين  في احد الايام كيف أوقف زهير محسن، بعيد مغادرته السراي الحكومة اثر اجتماعه مع رئيس مجلس الوزراء، موكبه وفتح باب سيارته المصفحة ليصعد أبو مراد الذي كان ينتظر "السرفيس" الى جانبه وسط دهشة من صادف مروره من الصحافيين. ومع ذلك لم يتكبر، ولم تعرف العجرفة اليه سبيلاً، بل ظل متواضعاً، حييا الا في اصطياد المعلومات والتصريحات التي يرسلها الى جهات معلومة وأخرى "مجهولة معلومة". وهذا ما كان يعزز ذرائع بعض المشككين بأن الرجل على درجة من الخطورة.

جنبلاط.. الجميل وإحراق بكفيا

في العام ١٩٧٤، دخل لبنان في "بوغاز" الخطر، وبدأت نذر الفتنة تطل برأسها، وكانت الاحداث المتفرقة  تمثل فصولاً على أرض الوطن، حاصدة الضحايا ومراكمة الاحقاد. ومن أبرز أحداث ذاك العام، الصدام الدامي الذي وقع في ٢٤ ايلول من ذاك العام  بين محازبين من "الكتائب" و"التقدمي الاشتراكي" ببلدة ترشيش المختلطة (موارنة وسنة) والذي أدى الى مقتل مسؤول "القوى النظامية الكتائبية" في البلدة عبده يوسف جبرايل. ولتطويق ذيول هذا الصدام ومنع تفاقمه انتشرت قوة من الدرك تؤازرها مفرزة من مغاوير الجيش اللبناني. وسرت شائعات ان قوة من "القوى النظامية الكتائبية" بقيادة كرم صدقه هي في طريقها الى البلدة، استدعت تحركاً من رئيس "الحزب التقدمي الاشتراكي" كمال جنبلاط الذي رفع الصوت عالياً، قبل ان يتبين عدم صحتها.

ولهذه الغاية دعا جنبلاط الصحافيين إلى منزله في فرن الحطب بالمصيطبه. هناك  وحول "المعلم" الذي كان  على كرسيه الهزاز الأسود، اجتمع الزملاء: عامر مشموشي، علي القيسي، نواف غندور، فوزي مبارك، سعيد أبو مراد وانا مندوب جريدة "البيرق"، إضافة الى آخرين لا تسعفني الذاكرة في تحديد هوياتهم، وكنت أصغر هؤلاء سناً. وما ان استهل حديثه شارحا السبب الذي دفع محازبين إلى اعتراض موكب كتائبي يتقدمه رئيس الحزب بيار الجميل ونجلاه أمين (النائب) وبشير (نائب المفوض العام للقوى النظامية)، معتبراً أن هذه الزيارة استفزازية بكل المقاييس.. حتى تلقى من قائد الجيش العماد اسكندر غانم  اتصالاً يتمنى عليه تهدئة الاجواء والمساعدة على عودة الحياة الى طبيعتها، وأبلغه انه بدوره طلب من بيار الجميل الامر نفسه. ولم يعرف على وجه الدقة ما قاله العماد غانم حتى انتفض جنبلاط وصرخ فيه على الهاتف "ليك يا جنرال، قللو لبطرس الجميل اني قادر رمّدلو بكفيا بعشر دقايق"، واغلق الخط بعصبية. وبعد ثوان كأنها ساعات من الانتظار، اكمل سيد المختاره حديثه، ولكن بلهجة أخف حدة يطغي عليها ميل تصالحي. ثم بادرنا "يا شباب لا تؤاخذوني على ما بدر مني من انفعال  في وجه قايد الجيش… وأرجوكم عدم ذكر ما حصل في صحفكم… مش وقت نصبّ زيت على النار… واذا لم يؤخذ بالتمني سيكون لي موقف"، فوعدناه بذلك. ولاحظت ان زميلين تهامسا مع الزعيم الاشتراكي، فنظر الي من طرف خفي. وعندما هممت بالمغادرة قال لي: "عرفت انك كتائبي وتعمل في البيرق والعمل، اتمنى عليك ان تقتدي بزملائك وتلتزم بالوعد الذي قطعوه لي"، فأجبت "أنا لا أعمل في جريدة العمل  بل في البيرق.. وتأكد أني سالتزم ، ولن أدع الخبر يتسرب الى جريدة الكتائب".

وعلى الفور توجهت الى منزل الجميل الكائن في شارع لبنان القريب من جامعة القديس يوسف – هوڤلان، وأخبرته بما حصل بين جنبلاط وغانم وتمنّي الاول على الصحافيين. فوَجَم رئيس "الكتائب" واتصل بجريدة "العمل" وتحدث الى الصحافي الياس كرم، وكانت سهرته في الجريدة، طالبا اليه عدم نشر أي خبر يتعلق بجنبلاط من أي مصدر أتى. وفي اليوم التالي صدرت كل الصحف خلواً من تهديد جنبلاط وكلامه لقائد الجيش، باستثناء جريدة "اليوم" التي يراسلها أبو مراد، وأبرزت  الخبر في صدر  صفحتها  الاولى وعنونت بالخط العريض: "جنبلاط لغانم: بلغ  الجميل.. سأرمّد بكفيا ب١٠دقائق."
يومها قامت قيامة "البيك" وأوعز إلى مرافقيه بمنع دخول ابو مراد إلى منزله والمقر الرئيس لـ"الحزب التقدمي الاشتراكي" في محلة "البطريركية". وبالفعل مُنع من دخول المقر وعندما حاول الاحتجاج، اعترضه مرافقا جنبلاط: حافظ الغصيني  وفوزي شديد (قضيا مع رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي في عملية اغتيال الاخير العام  ١٩٧٧)، بعنف. وبعد أيام على هذه الواقعة، وعندما كنت أتولى تغطية زيارته إلى بكركي، حرص كمال بك على مصافحتي وشكري على التزامي ووفائي بوعدي.

لكن ثمة سؤال حيّر الزملاء يومها: هل ان سعيد أبو مراد سرب الخبر لانه عاشق "سكوب"، ولم يسبق أن أبدى اهتماما بهذا الامر، أو ان هناك أمراً آخر مبيتاً؟ لا يمكن الجزم بإجابة نهائية وقد أصبح الرجل في ذمة الله.

الجميل وأبو مراد

اتصل أمر سعيد ومخالفته تمني كمال جنبلاط بعدم نشر مضمون مكالمة العماد غانم له، برئيس "الكتائب"، فأصبح يحاذره ويجتنب الرد على أسئلته ومكالماته الهاتفية، وتحاشياً لأي تصرّف ماسّ بكرامته أو شعوره، وهو المعروف بانفتاحه على الصحافيين ورغبته الدائمة في التواصل والحوار معهم. وفي يوم من الأيام – ولم  يك بعد عنوان جريدة "اليوم" قد غاب عن ذهنه تماماً – دعا الجميل الى مؤتمر صحافي في "البيت المركزي" للحزب بمحلة الصيفي، فتقاطر الصحافيون والمراسلون العرب والاجانب، ومن بينهم أبو مراد، وقد نصحته بالانصراف واعداً باعطائه نص المؤتمر كاملاً "لأن جو الشيخ بيار مش رايق تجاهك". فأبى وأصر على الحضور.

منذ اللحظة الاولى بانت علائم عدم الرضى على ملامح الجميل، وكانت نظراته الغاضبة والمشككة تلاحق سعيد أبو مراد وتحصي عليه أنفاسه. ومع ذلك لم يحتسب لما يمكن أن يحصل، فطرح عليه سؤالا "ملغما". وكأنه كان ينتظر هذه السانحة، فقد افرغ رئيس "الكتائب" كل ما كان يعتمل في صدره، ويختمر في رأسه من آراء ومشاعر تجاه ابو مراد: "حاج بقى يا أستاذ بخّ ودقّ أسافين ولعب بالنار. حرام عليك. يللي متلك عقل مخرباني رح يعور البلد". وكان يتحدث حاملا بيده منفضة كبيرة يضرب بها الطاولة أمامه. فتداركت الأمر مع الزميلين أنيس غانم ورمزي منصور وأخرجنا سعيد الى الباحة الخارجية لقاعة المؤتمر، ولم يتمالك، فبكى متأثراً من هذا "المنشط الحرزان".

لم تمض دقائق إلا انتهى المؤتمر الصحافي وغادر الجميل الى مكتبه لدقائق قبل أن يطلب من أبو مراد موافاته اليه، فقبله واعتذر طالباً تجاوز انفعاله وكأنه لم يكن. وقال له: يا أستاذ البلد أهم من "السكوب"، والكلمة الحلوي المهذبي أحسن من الكلمي لبتولّع بلد. الصحافة الحقيقية مهمتها تكون اطفائية ومش رسول فتنة وهاوية حرايق…

من اقصى اليسار… الى مهادنة النظام

ل"متري الهامس"لقب آخر غير لقبه المستعار(سعيد ابو مراد) هو "ابو منير" ، ويحاذر ما امكن الحديث عن وضعه العائلي والكشف عن حقيقة  هويته،مع علمه ان العديد من زملائه هم على احاطة باحواله الشخصية ،لكن غالبا ما كانوا يتجنبون مفاتحته في شأنها احتراما للخصوصية. لكن الثابت ان سعيدا او متري كان قبل فراره الى بيروت يساريا  متطرفا،يذكر معن بشور  انه كان "ماويا" وكان يعمل مصححا في مجلة"الحوادث"(مقالة بشور مقال في جريدة الاخبار اللبنانية العدد٣٢٢٠ الثنين١٠ تموز ٢٠١٧،بعنوان: لن يختنق في خزان سجنه)  ويكتب جريس الهامس  عن ظروف هرب شقيقه متري  من سوريا بعد انقلاب الثامن من آذار ١٩٦٣ في موقع"الحوار المتمدن-موبايل"؛" ورغم خلافنا مع القيادة التحريفية البكداشيةكان لا بد من مغادرة دمشق  والانتقال الى منزلنا الريفي في قرية صيدنايا الحدودية مع لبنان رغم الطقس الباردوبقاء هطول الثلوج على الجبال  وفي المنطقة حتى نيسان من ذاك العام،كما على  منطقة الجبال الغربية والجرد بشكل خاص والتي كان لا بد من اجتيازها لنقل الرفاق الذين لجأوا الى منزلنا للبنان.  وقمنا بواجب  نقلهم وايصالهم الى لبنان بامان ومنهم : المناضل جورج عويشق،المحامي مصطفى امين ،واثنين من  ضباط المقاومة الشعبية السابقة وشقيقي متري…"

مما تقدم، واضح ان متري الهامس كان يساريا ناشطا ومناضلا، وكان يعتبر مجموعة رئيس "الحزب الشيوعي السوري" خالد بكداش تمثل حالة بورجوازية ناشزة في المشهد اليساري العام. اضناه الطواف والتعب وهو يسعى الى تحصيل لقمة عيشه بكده واجتهاده. اعال نفسه وافراد عائلته ولم يكن يوما عالة على احد. يخال للناظر اليه ان كل هموم امته العربية ملقاة على منكبيه، وكأنه كان حائزا على تفويض حصري لتوزيع الشهادات بالعروبة. ومنذ مطالع السبعينيات تقرب من "حزب البعث"، ويجزم زملاء سوريون انه انتمى رسميا الى الحزب. والامر صحيح تؤكده علاقته المميزة بزهير محسن وقادة الحزب في لبنان وسوريا، والحفاوة التي كان يلاقيها من المسؤولين والسياسيين حلفاء دمشق.

رحم الله سعيداً، ابا منير، متري. كان يمثل عرق الصحافي وتعبه  وروح المغامرة المتأصلة فيه ،في زمن كثرت فيه المشاق وقلت المغريات. لكن تميز بارتفاع  منسوب الكرامة والحرفية. غاب ومعه غاب سره الكبير. حتى القليل الذي نعرفه عن الهامس لم يتخط حدود الهمس.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.