ما هي المسؤولية المدنية والجزائية لمنتِج الدواء؟

"المسؤولية المدنية والجزائية عن العيوب الخفية في الأدوية والمستحضرات الصيدلانية"

مروى طلال درغام (*)

في ظل عدم وجود قانون متكامل موحد في لبنان يرعى "المسؤولية المدنية لمنتجي الأدوية عن العيوب الخفية في الأدوية والمستحضرات الصيدلانية"، يراعي حجم مشكلة حوادث الأدوية في لبنان، على غرار المشرع الفرنسي الذي حقّق نجاحاً ملحوظاً في حماية المستهلكين من مخاطر المنتجات الطبية، حيث صدر في فرنسا القانون رقم 98-386 في 19 أيار 1998 تلبيةً للتوجيه الأوروبي الصادر في 25 تموز 1985 حول "المسؤولية عن فعل المنتجات المعيوبة". وقد تمَّ إدخال نص هذا القانون في القانون المدني الفرنسي حتى يتمكَّن المتضرر من فعل المنتجات المعيوبة من الحصول على التعويضات دون إرهاقه بالثلاثية المنصوص عليها في القواعد العامة، والتي تتطلَّب إثبات الخطأ والضرر والعلاقة السببية. فهذه المسؤولية هي مسؤولية موضوعية، أي بدون خطأ، وتقوم على فكرة تحمُّل المخاطر على أساس أنَّ من يستفيد من النشاط عليه تحمّل تبعة أعماله ولو لم يرتكب خطأ ما.  وتقوم المسؤولية الموضوعية عن فِعِل المنتجات المعيوبة على أركان ثلاثة: العيب والضرر والعلاقة السببية بينهما. بعدما تمَّ التوسُّع بمفهوم العيب بإعتبار نقص السلامة من قبل العيب الموجب للتعويض. وتمَّ إخضاع هذه المسؤولية إلى نظام موحَّد، يستفيد منه جميع المتضررين بصرف النظر عن طبيعة العلاقة التي تربط بينهم وبين المسؤول. فالقانون الفرنسي رقم 98-386 ألغى التفرقة بين المسؤولية العقدية والتقصيرية ليقيم نظاماً خاصّاً للمسؤولية عن فعل المنتجات المعيوبة.

ومن أهم التشريعات العربية التي ساهمت في إرساء قواعد المسؤولية المدنية بشكل ينسجم مع طبيعة هذه المسؤولية، والمتمثلة في حماية مصلحة المستعملين للدواء المعيوب، هو المشرع الجزائري الذي تأثر بالدول الأجنبية ومنها فرنسا، حيث تناول المسؤولية المدنية لأول مرة في المسؤولية الموضوعية للمنتِج بنص صريح ضمن القانون المدني الجزائري بإدراجه المادة (140) في التعديل الذي تم في 2005. (المعدل والمتمم بموجب قانون رقم 5-10 المؤرخ في 20 حزيران 2005).

وأمام  ما يتعرَّض إليه المستهلك اللبناني، أصبح لزاماً على المشرع أن يتدخل بوضع آليات تكفل الحماية القانونية له، وخاصّةً أنَّه الطرف الأضعف في العلاقة العقدية إذا ما قورن مع الطرف الآخر المتمثّل بالمنتِج، والذي يكون في أغلب الأحيان على قدر كبير من الخبرة.

ويُعد قانون حماية المستهلك الجديد رقم 2005-659، أول مرحلة في إرساء نظام قانوني يُحقِّق هذه الحماية للمستهلك المتضرر ـ بإنتظار المرحلة الثانية التي تنتهي بإقرار قانون موحّد يتناول مسؤولية منتِج الدواء عن العيوب الخفية في الأدوية والمستحضرات الصيدلانية على غرار الدول المتقدِّمة وأبرزها فرنسا ـ بعد أن كان الأمر مقتصراً على القواعد العامة في قانون الموجبات والعقود، سواءً تلك المتعلقة بالمسؤولية العقدية أو المتعلقة بالمسؤولية التقصيرية والتي أثبتت قصورها في هذا المجال. وأهمَّ ما جاء به قانون حماية المستهلك اللبناني تحديد مقاييس والمواصفات التي يجب أن تتوفّر في المنتَج. بالإضافة إلى إرسائه موجب ضمان سلامة المنتجات على عاتق المنتِج، وأهم ما جاء به هو مساءلة المنتِج عن عدم توفر المواصفات المتعلقة بالسلامة التي يكون توقَّعها لدى إستعمال السلعة أو الخدمة بشكل ملائم وصحيح على ما جاء في المادة (43) من هذا القانون، أي بصرف النظر عن إرتكابه خطأً ما في تصنيع أو تركيب المنتَج. إذ أنَّ مسؤوليته تقوم على أساس أنَّ المنتجات التي طرحها في السوق شكَّلت خطراً على سلامة المستهلكين. و يُعتبر هذا إنقلاباً قانونياً على القواعد العامة في المسؤولية التي تقوم على الخطأ. ولا يتسنّى لنا إلاَّ  أن ننوِّه بما جاء به قانون حماية المستهلك اللبناني في المادة (43) و (106) منه، والذي وسّع من نطاق المستفيدين من دعوى الضمان بأن سمح لجميع المتضررين ـ المتعاقد (المشتري) أو المستعمل للسلعة أو الخدمة (غير المتعاقد مع المنتِج) ـ بالرجوع على كامل السلسة المتعاقبة من المنتجين، أي سواءً كنت تربطهم بالمنتِج علاقة تعاقدية أم لا. وهذا تكريس حقيقي لما جاءت به المادة (1-1386) من القانون رقم 98-386.

يجب الإشارة في هذا السياق، إلى أنَّ المشرع اللبناني قد أعطى العامل الأجير ضمانات واسعة  في قانون العمل اللبناني الصادر في 23 أيلول 1946، وكانت الغاية الأساسية التي سعى إليها المشرع هي حماية الفريق الأضعف في علاقة عقد العمل ألا وهو الأجير من تعسُّف رب العمل[1]. وقد جاء بعدَّة أحكام للتيسير على العامل وحفظ حقوقه. ويمكن الملاحظة أنَّ علاقة العمل بين رب العمل والأجير، شبيهة إلى حدٍّ بعيد بالعلاقة التي تربط بين منتِج الدواء والمستهلك ألا وهي علاقة إذعان. مع الإشارة إلى أنَّ الأجير والمستهلك طرفان ضعيفان في العلاقة التعاقدية، وخاصّةً إذا قلنا أنَّ المستهلك في المجال الطبّي بشكل خاص هو الطرف الأضعف اذا ما قورن بالعامل في مواجهة المنتج الخبير في المنتجات الطبية والدوائية. وكما اسلفنا الذكر إنَّ المشرع اللبناني قد أعطى الأجير ضمانات واسعة لحمايته من تعسف رب العمل والحفاظ على حقوقه، فلماذا لا يكون للمستهلك ضمانات مماثلة لحمايته من الأضرار الخطيرة والمميتة التي قد تنجم عن تناوله لدواء معيوب؟ وبالإضافة إلى ذلك، ما جاء به  قانون طوارئ العمل اللبناني الذي أعفى العامل الأجير من إثبات خطأ رب العمل، فلماذا لا يستفيد المستهلك من توجه تشريعي مماثل وإقرار حماية وضمانات واسعة وفعَّالة لحماية المستهلك الطرف الأضعف في علاقته مع المنتِج؟

تكمن أهمية هذا الكتاب كمرجعية قانونية في ظل غياب النصوص القانونية التي تتيح للمتضرر الرجوع إلى المسؤول عن الضرر الذي لحق به، وإلزامه بالتعويض عليه نتيجة تناوله للدواء المعيوب. لذلك كان هذا الكتاب مقدمة إلى المشرع اللبناني لوضع تنظيم تشريعي متكامل وجمع شتات النصوص المتفرقة في قانون واحد يتناول "المسؤولية المدنية والجزائية عن العيوب الخفية في الأدوية والمستحضرات الصيدلانية".

(*) محامية ومستشارة قانونية، مؤلفة كتاب "المسؤولية المدنية والجزائية عن العيوب الخفية في الأدوية والمستحضرات الصيدلانية" الذي قدّم له القاضي الدكتور علي مصباح إبراهيم، والصادر عن "منشورات زين الحقوقية"

[1] وسام غياط، الوجيز في قانون العمل اللبناني، ط 2، دار الواسم للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت – لبنان،  س.ن 2009، ص 21.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.