العسكريون المتقاعدون: "مكتومو القيد".. ومجهولو باقي الهُويّة!

فادي سعيد دقناش (*)

يرى  بعض المتخصّصين أنَّ المتقاعد هو ذاك "الشخص الذي قدَّم وخدم وأدى دوره في خدمة المجتمع من خلال الوظيفة أو المنصب الذي شغله طيلة فترة عمله". لذلك، ومن باب ردّ الجميل أن يبادر المجتمع  بتقديره والاهتمام به. احترام المتقاعد ثقافة مجتمعية في معظم المجتمعات البشرية وخصوصاً في الدول المتقدمة، بحيث يتم تكريمه في نهاية خدمته بمنحه راتباً لائقاً يحميه من العوز ويحفظ له كرامته، كما تسعى الحكومات والجمعيات المختلفة لتقديم الخدمات الصحية والترفيهية والثقافية له، وبإشراكه في برامج اجتماعية واقتصادية تحت مظلة الأمان الاجتماعي، أضف إلى ذلك أيضاً أنّه  "خزَّان" من الخبرات التي يمكن الاستفادة منها في تطوير المجتمع من خلال تقديمه الاستشارات والمساعدات (تطوعية أو لقاء أجر) للمؤسسات الحكومية وللجمعيات الأهلية ولمؤسسات المجتمع المدني… فتصبح مرحلة التقاعد بالنسبة إليه بداية حياة جديدة، وفرصة لاكتشاف الذات بعد سنوات طويلة من التعب والعناء.

أمَّا في لبنان فالقاعدة معكوسة، إذ يشعر المتقاعد، وخصوصاً "العسكري"ـ بالإهمال وبالموت البطيء وبـ"انتهاء صلاحيته" في المجتمع، ويضطر في كثير من الأحيان للتفتيش عن مورد رزق يؤمن احتياجات أسرته من مأكل وملبس وتسديد فواتير الكهرباء والماء والتعليم… تحت ضغط الوضع المادي والظروف الصحية الصعبة التي يعيشها في هذه السن، فالراتب التقاعدي الشهري الذي يتقاضاه متواضع للغاية، ولا يكفيه سوى لأيام قليلة بحيث يضطر للعمل في أوضاع وظروف صعبة لا تتناسب مع وضعه الصحي والعمري.. والمهني أيضاً، لعدم إلمامه بأي مهنة أو حرفة كونه قضى حياته أمام الأسوار بصحبة بندقيته لحماية وطنه من أعداء الداخل والخارج.

حتى المساواة تكاد معدومة بينه وبين زملائه في الخدمة الفعلية عندما يتعلق الأمر بموضوع المساعدات المدرسية والجامعية بحيث تكون هذه المساعدات شبه رمزية. فهل يجوز التفريق بين أبناء عناصر الخدمة الفعلية وأبناء العناصر الذين أحيلوا على التقاعد و"تورطوا" بتعليم أبنائهم في مدارس أو جامعات خاصة في لبنان أو إرسالهم لمتابعة تخصصهم في الخارج؟ كل هذه الأمور رتَّبت آثاراً نفسية واجتماعية على المتقاعد جعلته رهينة "الانزواء" أو "الانعزال المجتمعي"، وجعلته يشعر بـ"النقمة" نتيجة الظلم الاجتماعي الذي يتعرض له يومياً لعدم مساواته بغيره في الحقوق، كما ينص الدستور اللبناني بضرورة المساواة بين جميع اللبنانيين في الحقوق والواجبات.

ولتحسين مستوى المعيشة في لبنان قامت الحكومة برفع أجور موظفي القطاع العام، وأقرت سلسلة رتب ورواتب جديدة في العام 2017، من دون أن تأخذ هذه الزيادة في الاعتبار خصوصية كل قطاع من القطاعات، أو حتى توزيع هذه الزيادة بعدالة وبالتساوي بينها جميعاً، وكان أكثر المتضررين من هذه الزيادات، العسكريون المتقاعدون الذين همشتهم السلطة، وبرَّرت ذلك بعدم قدرة الدولة على تأمين الأموال اللازمة لهم لأنَّ عددهم كبير. وللخروج من هذا المأزق أقرَّت الحكومة (بموجب قانون السلسلة عام 2017، وقانون موازنة العام 2018) "تقسيط" متوجباتها "للمتقاعدين فقط" على ثلاث سنوات، في ظل نصوص قانونية مبهمة وغير واضحة تجعل حقوقهم عرضة للتآكل والضياع.

يرى العسكريون المتقاعدون أنهم تعرضوا لطعنة في الظهر من قبل السلطة، ويتساءلون عن الأسباب الحقيقية التي حرمتهم من هذا الحق المقدس والمشروع، فالدفعة الأولى من هذه الزيادة على الراتب أعطيت لهم فور إقرار القانون عام 2017، وكانت هزيلة ولا تتناسب مع التحديات والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي يرزحون تحت وطأتها (100 ألف ليرة لبنانية بعد حسم زيادة غلاء المعيشة 200 ألف) الأمر الذي أدى إلى امتعاضهم ونقمتهم على السلطة التي سلبت منهم مستحقاتهم.

أمَّا استحقاق الدفعة الثانية المفترضة نهاية هذا الشهر، فهم ينتظرونها بفارغ الصبر، خصوصاً أنَّ المشرع قد أكد على دفعة مماثلة لا تقل عن الـ 300 ألف ليرة لبنانية، إلا أن هذا الرقم يأتي على وقع التفسيرات والتأويلات والتحليلات للنصوص القانونية التي تركها المشرع مبهمة وغير واضحة، عن قصد أو غير قصد، والتي عجز الفقهاء القانونيون عن تفسيرها تفسيراً موحداً والتي يمكن أيضاً أن تنال من الحقوق المنتظرة.

لن ندخل في طريقة احتساب مستحقات العسكريين المتقاعدين، ولن ندخل في تفاصيل المواد القانونية المجحفة بحق هذه الفئة المظلومة التي طالت أيضاً عائلات الشهداء والمعوقين، كونها أصبحت معلومة لدى الجميع، ولكن الغريب والمريب أن تعلن وزارة المالية بأنَّ احتساب مستحقات المتقاعدين "عملية معقّدة" كونه يتوجب دراسة ملف كل متقاعد على حدة، وأنَّها بانتظار الجداول التي ستردها من المؤسسات الأمنية المعنية لدفع المستحقات الكاملة لعائلات الشهداء والمعوقين! فهل يُعقل أن تعجز مؤسسات الدولة عن احتساب مستحقات المتقاعدين بوجود الوسائل التكنولوجية الحديثة، وخلال فترة زمنية طويلة نسبياً مدتها سنة منذ اعطاء الدفعة الأولى؟! وهل يتحمل وزر ذلك من ينتظر فُتات الدفعة الثانية؟!

يشعر العسكريون المتقاعدون بأنَّهم رهينة التفسيرات المزاجية للنصوص القانونية في محاولة لتنصل السلطة من دفعها لحقوقهم كاملة، وهم يرون أنَّ رواتبهم ليست منَّة، بل حق مقدس أقرَّت به التشريعات المحلية والدولية، خصوصاً أنّهم سددوا مستحقاتهم التقاعدية خلال فترة خدمتهم الفعلية. كما يشعرون بغياب المرجعية، فهم يُطالبون بأن تبقى مرجعيتهم الأولى والأخيرة المؤسسة الأمنية التي خدموا تحت كنفها سنين طويلة، حيث لا تزال تربطهم بها مشاعر الانتماء والولاء وعدد من الأمور الادارية الأخرى كالاحتياط والشؤون الصحية، وأن يبقوا خاضعين لقانون الدفاع الوطني الذي يُنظم علاقتهم مع المؤسسات المختلفة.

وهنا نتساءل كمواطنين في هذا البلد، هل يجوز أن يُعامل متقاعدونا بهذه الطريقة، وخصوصاً العسكريون منهم الذين قدَّموا الغالي والنفيس وخدموا البلد في أحلك الظروف، بدءاً من الحرب الأهلية مروراً بمحاربة التنظيمات الارهابية والصمود في وجه العدو الاسرائيلي والتصدي للتحديات الأمنية في الداخل؟! صحيح أنهم وهبوا أنفسهم فداءً لهذا الوطن، ولكن يتوجب علينا كمجتمع إنصافهم وإعطاءهم حقوقهم كاملة دون التصرف معهم كنكرة أو كعبء، فمنهم الشهداء ومنهم المعوقين ومنهم الشهداء الأحياء جراء الظروف الصعبة التي عاشوها في فترات خدمتهم السابقة.

فهل يجوز أن تتظاهر هذه الفئة للمطالبة بحقوقها؟ وهل تتم مكافأتها بهذه الطريقة نتيجة انضباط عناصرها ومناقبيتهم العسكرية، حيث يُصرُّون على الاعتراض بطريقة حضارية من دون ممارسة أي عمل مخل بالأمن والنظام، كقطع الطرقات وإزعاج المواطنين وتخريب المنشآت العامة أو الخاصة  للحصول على حقوقهم، كما يفعل العديد من الموظفين في القطاع العام؟ وهل يجوز أن نُرتّب عليهم نفقات هم بغنى عنها للمطالبة بحق مؤكد من حقوقهم، كالضمائم الحربية بين عامي 2001 و2006 التي حصل عليها نظراؤهم في الخدمة الفعلية والذين تقاعدوا بعد إقرار السلسلة؟ هل يجوز الاستقواء على هذه الفئة من خلال تجزئة الزيادة على رواتبهم (وليس تقسيطها، أقلّه لغاية تاريخه) على مدى ثلاث سنوات وجعلهم رهينة وفريسة لمؤسسات الاقراض والمصارف؟ وهل.. وهل.. وهل؟
وبين حقوقهم المسلوبة (تجزئة رواتبهم، وحرمانهم دون غيرهم من حقهم في الضمائم الحربية عن فترة معينة)، وهواجسهم ومخاوفهم مما يُحاك ضدهم في الظلام، وقلقهم على مستقبلهم ومستقبل عائلاتهم، أثبت العسكريون المتقاعدون تماسكهم ووطنيتهم وغيرتهم ومحبتهم لأرضهم ومؤسساتهم وفي مقدمها الجيش اللبناني، وقد ردّوا على هذه المعاملة السيئة بتشكيل الجمعيات وصفحات التواصل الاجتماعي الداعمة للجيش اللبناني ومؤسساته الأمنية المختلفة العابرة للطوائف والأحزاب والمصالح الضيقة، وسعى أعضاء هذه الصفحات إلى تعميم القيم العسكرية والمناقبية والانضباط وبث روح الانتماء للوطن الواحد.

إنَّ الجندي الذي نذر روحه وضحى ولا يزال يضحي بأغلى ما يملك، لا يستحق هذه المعاملة "الدونية" عندما يُحال على التقاعد، ويصنَّف بفئة "غير المنتج" أو "العبء"، أو غيرها من التعابير القاسية التي تنم عن عدم الوفاء لأبناء الشرف والتضحية والوفاء.

ونحن إذ نخشى أن يكون هذا الظلم الواقع على المتقاعد والاستهتار بحقوقه، وتركه لقدره، مقدمة ومثالاً سيئاً وحافزاً لعدد من الموظفين في القطاع العام الحاليين او المستقبليين، لمخالفتهم القوانين تأمينا لحماية أنفسهم من "غدر الزمن" كي لا يتجرعوا الكأس المُر الذي تجرَّعه رفاقهم قبلهم، في زمن يسعى الجميع الى نبذ الفساد والمفسدين.

نخاطب جميع المتقاعدين، وخصوصاً العسكريين منهم، ونقول لهم: شكراً على كل ما قدّمتم وتقدمون للوطن.. أطال الله بأعماركم، وحفظ وطننا من كل الشرور، فأنتم أهل التضحية، وأنتم كما غنت السيدة جوليا بطرس: "نهضة القيم، وأنتم خالدونَ كما خلودُ الأَرزِ في القممِ، وأنتم مجدُ أمتنا، وتاجُ رؤوسِنا أنتم، بكم نبني الغد الأحلى، بكم نمضي وننتصر".

(*) باحث في علم اجتماع المعرفة والثقافة.

(شارك هذا المقال)

6 thoughts on “العسكريون المتقاعدون: "مكتومو القيد".. ومجهولو باقي الهُويّة!

  • آب 17, 2018 at 12:02 م
    Permalink

    انتم جريدة محترمة وبالغالب كأنكم اسم من الرتب العسكرية بالصدفة طبعا لتنصفوا هذه الفئة وتتولوا وتهتموا بامورها واحتياجاتها ومشاكلهفي وقت غاب من هو مكلف بتولي امور العامة عن الاهتمام بهذه الطبقة واعتبارها غير منتجة وعبء على البلاد والعباد.
    شكرا نتمنى التقدم لكم
    مواطن متقاعد.

    Reply
  • آب 17, 2018 at 12:03 م
    Permalink

    نشكركم على اهتمامكم فينا المتقاعدين

    Reply
  • آب 17, 2018 at 12:09 م
    Permalink

    انتم جريدتنا وجريدة المتقاعدين

    Reply
  • آب 17, 2018 at 12:11 م
    Permalink

    شكرا لكم جريدة الحق والحقوق والانصاف

    Reply
  • آب 17, 2018 at 12:14 م
    Permalink

    كلنا مكتومي القيد في بلد اصبح فيه كل شيء بلا معنى او طموح او هدف يكفينا ان نأكل ونشرب…… ولا شيء اخر…..
    شكرا لاهتمامكم

    Reply
  • آب 19, 2018 at 10:11 م
    Permalink

    شكرا لأنارتكم على وضعنا كمتقاعدين وكل ما قلتموه هو صح وحقيقة
    لكن على من تقراء مزاميرك يا داوود
    اذا رأس الدولة مننا ولا يعترف فينا ( لا وبرحونا جميلة انو اعطونا السلسلة ) وهيدا دليل انهم غير جديين بطرحهم اي كان بعد سنة على هذه السلسلة
    وعلى قولت المثل السمكة لا تدود سوى من راسها
    واذا الرئس فاسد فلا حولا ولا

    Reply

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.