هل يُخيف "حزب الله" المسيحيين؟

ـ نورما أبو زيد ـ

اقتدى مقاتلو "حزب الله" في سوريا منذ تواجدهم هناك، بمقولة لعالم الآثار  الفرنسي قارئ النصوص المسمارية الأوغاريتية  شارل فيرلو تقول إنّ "لكلّ إنسان متحضّر وطنان: وطنه الأم، وسوريا". وعليه آثروا عدم مغادرة الأراضي السورية رغم تقلّص الجبهات.

جيش من المقاتلين، قصد سوريا و"طابت" له الإقامة تحت شمسها، رغم أنّ "الرحلة" إلى البلاد التي لطالما عُرفت بـ "بلاد الشمس" لم تكن يوماً للاستجمام. "الجيش" الذي ساهم بإقدامِه في تحرير سوريا من همجيي العالم الذين أُسقطوا فوق التراب السوري بمظلات غربية وإقليمية، غرس أقدامه في الأرض السورية، ورفض مغادرتها رغم الإشارات التي تشي بأنّ "سوريا الأسد" لا تستطيع الترحيب الدائم بهذا الوجود.

لا يختلف اثنان من متابعي الشأن السوري، أنّ هناك تقاطعاً روسياً ـ سورياً ـ عالمياً حول ضرورة مغادرة "حزب الله" للأراضي السورية. فماذا لو قالت موسكو غداً لمقاتلي "حزب الله" في سوريا "إلى لبنان در"؟

اليوم أكثر من أيّ وقت مضى، باب عودة "حزب الله" من سوريا مفتوح على مصراعيه بفعل الترتيبات التي تطبخها روسيا على نار حارقة. فهل ستكون الأبواب اللبنانية مفتوحة في وجهه، أم سيجد أبواباً موصدة خوفاً من فائض القوة الذي قد يصرفه في لبنان؟ وهل الخوف من أدوار "حزب الله" الداخلية سيقتصر على الذين عارضوا أدواره الإقليمية سابقاً، أم أنّ أصدقاء الداخل الذين صفقوا له طويلاً سيتحوّلون إلى "أعدقاء"؟

أسئلة كثيرة قد لا يجد أحدنا أجوبة عليها الآن، ولكن إخراج "حزب الله" من سوريا سوف يكشف النقاب عن الأجوبة المنتظرة، والأمر الوحيد المؤكّد راهناً، هو أنّ فائض القوة الذي يتمتّع به "حزب الله"، لا يعتبر أمراً "ممتعاً" لمعظم شركائه في الوطن.

مسيحياً، لم تكن يوماً النظرة موحدة إلى "حزب الله" وأدواره، سواء اللبنانية منها أو الإقليمية، وقد عاشت الساحة المسيحية منذ العام 2005، شرخاً عامودياً بين فريق مسيحي مؤيد لـ "حزب الله" إلى حدّ الذوبان والانصهار، وآخر معارض له إلى حدّ الافتراق والعداء، وبلغ هذا الشرخ أوجّه يوم أرسل "حزب الله" بمقاتليه إلى سوريا، لترويض الرياح الإقليمية والدولية، حمايةً لظهيره الإقليمي، وقد دفع ثمناً مرتفعاً من عافيته الاقتصادية ومن عناصره البشرية لقطع الحبل الذي كان يلتفّ حول رقبته يوماً بعد يوم، بفعل ممارسات "قاطعي الرؤوس" الذين أرادوا قطع رأس النظام السوري، وبالتالي قطع حبل السرّة الممتد من طهران إلى بيروت عبر دمشق.

مسيحيو "14 آذار" اعتقدوا أنّ الحرب على سوريا ستصيب عصفورين بحجر واحد: العصفور الأول هو النظام السوري، والعصفور الثاني هو "حزب الله". وعارضوا بالتالي أدوار "حزب الله" السورية، لإدراكهم المسبق بأنّ ترويض الرياح في سوريا، سوف يمنعهم من كبح جماح "حزب الله" في لبنان. جاهر مسيحيو "14 آذار"، على اختلاف أحزابهم، برفضهم لدخول "حزب الله" على خطّ النار في سوريا، ولكن بينهم من كان يعبّر "وشوشةً" عن اغتباطه بهذه المشاركة، لأنّ من شأنها إضعاف "حزب الله" وتصريف فائض قوته هناك.

في المقلب المسيحي الآخر، أيّد مسيحيو "8 آذار" أدوار "حزب الله" في سوريا لاعتبارات كثيرة. منها ما يتعلّق بحرب الوجود المفروضة على النظام السوري، ومنها ما يتعلّق بوجودهم ووجود لبنان.

زعيم "تيار المردة" سليمان فرنجية، جاهر بدعمه للدعم الذي قدّمه "حزب الله" للنظام السوري، بينما الرئيس ميشال عون، لم يتّخذ في حينها موقفاً فاقعاً من دخول "حزب الله" على خطّ النار، ولكن موافقته الضمنية كانت واضحة وبارزة وأكيدة ولا لبس فيها.

"حزب الله" الذي دخل على خطّ الحرب السورية في العام 2012، لم ينجح وحده بحماية موقع سوريا في "محور المقاومة" وإبطال مشروع الفوضى الميكانيكية الذي جُهّز لها، ولكن دخول الروسي بشكل مباشر على خطّ الحرب، أحدث انقلاباً في الموازين، وأعاد تشكيل التوازنات، واسترجعت معه سوريا توازنها.

لقد نجح "الثعلب" الروسي فلاديمير بوتين، خلال مدة زمنية قصيرة، في محو الأطروحة الجيوبوليتيكية الجديدة التي أعدّتها واشنطن على الورق وسعت جاهدة لتطبيقها على الأرض، بهدف تغيير الجغرافيا والتاريخ والحاضر والمستقبل. أفشلت موسكو مخططات واشنطن، وأبطلت طموحاتها، وأربكت حساباتها، ولكن الإرباك لم يطل واشنطن فقط، وإنّما طال أيضاً "حزب الله" وطهران.

فبإعادة "الثعلب الروسي" للشمس إلى بلاد الشمس، آن أوان "مغيب" الجيوش الأجنبية عن الأراضي السورية، ويتوقّع أن يكون "حزب الله" أوّل المغادرين، لأنّ المقايضات التي تعمل روسيا على ترتيبها في سوريا، تفرض على "حزب الله" هذه المغادرة، وكلّ المؤشرات تقود إلى هذه الخلاصة. فهل ستنقسم الساحة المسيحية حول عودته، كما انقسمت حول مغادرته؟

لا شكّ أنّ عودة "حزب الله" إلى لبنان، ستعني تقليصاً لأدواره القتالية خارج لبنان إلى الحدود الدنيا، وانخراطاً في صلب المعادلة اللبنانية بكلّ تفاصيلها. فكيف سينظر الشارع المسيحي المنقسم على نفسه إلى انغماس "حزب الله" في تفاصيل السياسة الداخلية؟ وهل يمكن أن يصطدم الحزب بعيد عودته بالحلفاء والأصدقاء؟ وماذا عن خصوم الداخل؟

ضفّة "14 آذار" التي كانت ناشطة وفاعلة إبان ما سمي بـ "ثورة الأرز"، اختصرتها "القوات اللبنانية" بعيد الانتخابات النيابية الأخيرة. لا رأي بعد اليوم لا لـ "الكتائب"، ولا لـ "الأحرار"، ولا لسائر شخصيات "14 آذار". "القوات اللبنانية" تختصر كلّ الجبهات بجبهتها المكوّنة من 14 نائباً، وقد أعلن رئيس حزب "القوات" سمير جعجع قبل فترة وجيزة، أنّ "حزب الله" سيعود من سوريا أكثر تواضعاً من ذي قبل.. فهل عنى فعلاً ما قاله؟

هذا السؤال يجيب عنه مصدر رفيع في "القوات"، من خلال القول إنّ ما قاله جعجع هو في إطار التمنيات، وليس في إطار الجزم. يفصل المصدر بين أدوار "حزب الله" العسكرية، وبين أدواره السياسية الداخلية، ليخلص إلى أنّ الحزبين لن ينتهيا إلى قرار جامع في ما خصّ قرار السلم والحرب إلاّ إذا وضع "حزب الله" مصلحة لبنان أولاً، ولكن في التفاصيل السياسية اللبنانية لن يكونا بعيدين.

يعتبر المصدر، أنّ حزب "القوات" أقرب إلى "حزب الله" في الملفات التي تمسّ يوميات اللبنانيين منه إلى "التيار الوطني الحرّ"، رغم "ورقة النيات" التي تجمعهما، ورغم ثلاثية "الجيش والشعب والمقاومة" التي تبعد "القوات" عن "حزب الله"، ولكنه حتماً لا يرى نفسه في الحلف الممتد من طهران إلى بيروت، ولن يرى يوماً نفسه فيه، وما ينطبق على القيادة "القواتية" ينطبق على القاعدة.

في مقلب ثنائي "8 آذار" المسيحي، قاعدة "المردة" أكثر تخاوياً مع "حزب الله" وأدواره الداخلية والخارجية من قاعدة "التيار الوطني الحرّ" التي رأت في التقارب السابق بين تيارها و"تيار المستقبل" صورة تشبهها، أكثر من تلك التي قيل لها إنّها تشبهها بعيد توقيع "تفاهم مار مخايل". هذا النَفَس الشعبي "البرتقالي"، يلاقيه نَفَس قيادي، ينظر بحذر إلى أدوار "حزب الله" المستقبلية، ولكن تدهور العلاقة بينه وبين "المستقبل" يجعله يعضّ على وجعه المستقبلي، وإعادة وصل ما انقطع بين التيارين "البرتقالي" و"الأزرق" كفيل وحده بجعل الهواجس من أدوار "حزب الله" الداخلية تطفو مجدداً إلى السطح. وحده سليمان فرنجية يعيش حالة تناغم ضمنية مع خياراته الاستراتيجية، شبيهة بتلك الحالة التي يعلن عنها دائماً دون تكلّف، والحلقة المحيطة به "تنتابها" عوارض الارتياح ذاتها.

الحلف الذي يمتدّ من بيروت إلى طهران مروراً بدمشق، هو حلف مريح دون أدنى شكّ لكلّ "البرتقاليين"، بحيث لا يجد أحدهم نفسه في الحلف الآخر الذي تقوده المملكة العربية السعودية، ولكن ما هو خارجي شيء، وما هو داخلي شيء آخر بحسب ما يعبّر قيادي عوني. في العناوين الاستراتيجية، يجد "البرتقاليون" أنفسهم في حلف "بيروت ـ دمشق ـ طهران"، ولكن في العناوين الداخلية هم أقرب إلى "الزرق"، رغم حالة الشقاق القسرية التي باعدت بينهما. وفي ظلّ هذه البانوراما، يطفو سؤال إلى السطح، ألا وهو: هل تتلقّف الرياض هذا التقارب الداخلي بين "الزرق" و"البرتقاليين" وتستثمر فيه، أم تبقي على سياسة فصل المسارات التي فرضتها؟

موضوعات مرتبطة
(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.