أميركا ـ إيران: الأبواب الموصدة.. والنوافذ المفتوحة

ـ جوزف قصيفي ـ

التقارير الدبلوماسية الواردة الى بيروت تؤكد ان المسؤولين الايرانيين لا يقللون من شأن العقوبات الاميركية على بلادهم بعد قرار الرئيس دونالد ترامب الانسحاب من الاتفاق النووي. ولكن هؤلاء المسؤولين يقابلون عقوبات ترامب بالتشدد، ويوحون بامتلاكهم أوراق قوة تسمح لهم بالالتفاف عليها. وفي التقارير أن مساع يبذلها بعض الوسطاء، وفي مقدمهم سلطنة عمان بدعم واضح من الاتحاد الاوروبي، لإطلاق حوار أميركي – إيراني غير مشروط لوقف الحرب السياسية – الاقتصادية التي تخلّف تداعيات على المنطقة لا يمكن تجاهل أثرها وتأثيرها السلبيين .

هذه المساعي لم تبلغ مرحلة الحوار المباشر، وتقتصر على نقل الرسائل بين الطرفين. وإذا كانت تسري على العلاقة المتوترة بين واشنطن وطهران القاعدة الانكليزية الشهيرة: "ليس في السياسة عداوات دائمة ولا صداقات دائمة، بل مصالح دائمة"، فإن اللعبة لا تزال في أولها.

إدارة ترامب تعمل على "ناتو" عربي مناهض لطموحات الجمهورية الاسلامية في إيران، وتقف سداً في وجهها، وتمهّد الأرضية لتفجير داخلي ينهك الحكم، ويزيد من منسوب الضغط. فإن ثمة جهات، ومن بينها الاتحاد الاوروبي وبعض الدول العربية والإقليمية، لا تزال تدفع في اتجاه المفاوضات المباشرة، وترى أنه لا مفر من معالجة الازمة، لإدراكها أهمية إيران في المنطقة ومعادلاتها، وما يمكن أن تؤمنه من حلول وتوافقات لأزماتها. ولا تقل بعض الدول ذات الصلة حرجاً في الاختيار بين العقوبات، ورغبتها في الحفاظ على الاتفاق النووي، ومفاعيله الاقتصادية والسياسية مع الجمهورية الإسلامية.

طهران – على ما تقول التقارير – تدرك أن العقوبات مضنية، بل ضاغطة، وأنها تستهدف الدولة والشعب معاً، وأن الرهان على انتفاضة الاخير يرد في أذهان اولي الامر في الادارة الاميركية. لكن حتى اليوم لم تلح بوادر هذه الانتفاضة، لعوامل عدة منها:

ـ في المرحلة السابقة لتوقيع الاتفاق النووي، كان هناك حصار اقتصادي شبه كامل ضدها، وان صدف وجود اي تعاون على هذا الصعيد، انما كان يتم تحت الطاولة. حالياً اختلف الوضع. هناك دول تجاهر برفض العقوبات، أو على الاقل تتحفظ عليها، وهي راغبة في استمرار التعاون مع إيران، مثل: الصين، روسيا، الهند، تركيا وسواها. إضافة الى عدم قدرة العراق على تطبيق ما وعد به واشنطن لجهة الالتزام بالعقوبات.

ـ كان ينتظر ان يكون حجم التململ الشعبي في إيران أوسع نطاقاً مما حصل حتى اليوم. ولكن على الرغم من تباين القراءات في الشارع، فإن ثمة شعوراً لدى المواطنين، بأن واشنطن تستهدف شعباً بأكمله، وتحاول استباحة دولة ذات سيادة، وتتنصل من اتفاق دولي سعت اليه إدارتها السابقة ضمن مجموعة 5+1، وهذا ما عزز وضع السلطة القائمة. الا ان الوضع لا يزال مشرعاً على كل الاحتمالات.

الدور الاقليمي هو الهدف

ان واشنطن تدرك ان العقوبات تنوء بثقلها على طهران، وان الأخيرة غير عاجزة عن فتح غير كوة في جدار الحصار الصلب المضروب من حولها، وأن لديها قدراً من الاكتفاء الذاتي يساعدها على الثبات، وان تدني قيمة عملتها الوطنية تجاه الدولار سيزيد الاقبال على شراء المنتجات المحلية والحد من الاستيراد الخارجي بما لا يضطر الدولة والتجار الى الدفع بالعملة الصعبة، الا في ما يتعلق بشراء المواد غير المتوافرة في البلاد، اضافة الى ارتباط اقتصادها باليورو الى حد بعيد، لكنها ترى انه لا بد من نهاية المطاف من الجلوس معاً لحوار يكشف فيه كل طرف أوراقه.

إدارة ترامب تعرف أن السوق الايرانية، هي من الاسواق الكبيرة. فهذا البلد الذي يعد 85 مليون نسمة، هو مجتمع انتاجي واستهلاكي، ويمتلك قدرات زراعية، حرفية، صناعية، وتجارة مزدهرة مع الجوار، وان الوصول الى تفاهم اقتصادي معها ممكن في أي وقت، لكنها ترمي من ضغطها الى مقايضة العقوبات الاقتصادية بحزمة من المطالب السياسية، والمتمثلة بلجم دورها الاقليمي المتنامي، في العراق، سوريا، لبنان، وقبل أي شيء في فلسطين المحتلة حيث تقدم دعماً مفتوحا للتنظيمات الرافضة لـ"صفقة القرن" وللتسويات التي لا تؤدي الحقوق الكاملة لأصحابها. وانه في اليوم الذي تسحب طهران يدها من هذا الملف، تبدأ عقوبات واشنطن بالتهاوي. لكن الجواب الايراني واضح تمام الوضوح، وهو انها لن تنسحب من الاقليم بعدما رسخت حضورها فيه بأشكال شتى، وباتت لها علاقات واسعة مع انظمة دول وشعوبها، وهي مصرة على الاحتفاظ بهذه الورقة لتثبيت حضورها الفاعل على الخريطة الدولية – الاقليمية.

اذن هو هاجس اسرائيل، وأمنها، والحرص على صيغة استراتيجية تضمن وجودها، وتمكنها من عبور التحديات التي تحوطها. هنا لب المشكلة، وهي عصية على الحل في المدى المنظور. ما يعني ان الصراع سيظل مفتوحاً، والوضع "نصف حار، ونصف بارد"، في ظل انعدام فرص الحل الشامل واستبعاد نشوب حرب.

وتقول التقارير الواردة الى بيروت إن دول الخليج تعتبر ان ايران بنظامها الحالي يشكل مصدر قلق لها، وإن أي محادثات أميركية – إيرانية، ان حصلت، سيكون هذا الموضوع في مقدم بنودها. مما يعني ان العقوبات تلقى دعم هذه الدول الراغبة في أن يشمل أي تفاهم بين واشنطن وطهران ضمانات ترتاح لها.
وقصارى القول، ان التأزم الذي افرزته الازمة المتنامية بين الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية، لن يترجم أعمالا عسكرية واسعة أو موضعية على الارض، لكنها من دون شك سترخي هذه الازمة ظلالها على المشهد الدولي -الاقليمي.

الداخل الايراني والحوار مع واشنطن

في الداخل الايراني – بحسب التقارير- هناك طرف يرفض الحوار مع الادارة الاميركية متذرعاً بأنها هي التي انقلبت على الاتفاق النووي، وان الحوار معها هو أقرب الى الاذعان، في حين ان هناك طرفاً يعاكس وجهة النظر هذه، ويقول انه اذا كان هدف واشنطن من الضغط على طهران هو ارغامها على الدخول في مفاوضات، فلماذا لا يتم الذهاب اليها مباشرة، لإبطال ذرائعها واختصار الطريق؟ لكن هذا الطرف لجم اندفاعته في ضوء ردود الفعل السلبية جداً داخل الشارع الايراني حيال العقوبات الاميركية، فادخل تعديلاً على موقفه يتمثل بالآتي: ان البدء بالمفاوضات يجب ان يتزامن مع خفض تدريجي للعقوبات.

خلاصة القول ان طهران واجهت سياسة الابواب الموصدة التي قادتها واشنطن لتشديد الضغط عليها، بخطة النوافذ المفتوحة، وهي باتت محصنة بدعم دولي – إقليمي كاسر لأحادية القطب. وتعمل على تحصين الداخل، حرصاً منها على سد كل المنافذ. انها تملك أدوات المواجهة والمقاومة، لكنها تحاذر استخدامها، الا في حال اشتد عليها الطوق، ولا يبدو ان الامر يسير في هذا الاتجاه لأن الـ "Real politik" هو من يفرض ايقاعه في نهاية المطاف.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.