هل يسمح الاشتباك السعودي ـ الإيراني بالتأليف الحكومي؟

أرتال "الفوميه" على خطّ بيروت ـ دمشق

 ـ جورج علم ـ

رحّب الروس بزيارة النائب تيمور جنبلاط، وأكرموا وفادته، وخصّه الدبلوماسي ميخائيل بوغدانوف باستقبال تميّز بالحرارة، وإنتهت الزيارة تحت عنوان "للبحث صلة".

وكان رئيس الحزب التقدمي الإشتراكي وليد جنبلاط  مرتاحا للحفاوة، وقلقاً من النتائج، "يعرف الروس حدود دورهم في سوريا تماماً، وبالتالي لا يقدمون على خطوة إلاّ بعد التنسيق والتشاور مع الحكومة السوريّة، فكيف إذا كان الأمر يتعلّق ببلدين شقيقين تجمع ما بينهما روابط التاريخ والجغرافيا".

كان زعيم المختارة يراهن على دور روسي مستقل في الداخل السوري، لكن ما سمعه تيمور من حرص روسي على التنسيق والتشاور مع الرئيس بشّار الأسد، حتى في أبسط الأمور، دفعه الى الإستنتاج بأن الوصول الى دمشق عن طريق موسكو دونه محاذير وعقبات، وبالتالي فإن أبسط الطرق، وأضمنها، هو الخطّ المباشر.

حتّى الذين "إنفحطوا" بزيارة المبعوث الروسي ألكسندر لافرونتييف الى بيروت، وإستقبلوه بحفاوة، ووعدوه بوضع كامل إمكانياتهم بتصرّفه، لتوفير ظروف النجاح لمهمته الرامية الى إعادة النازحين، خرجوا محبطين عندما سمعوا منه كلاما واضحاً "…لا بدّ من التنسيق والتفاهم مع الحكومة السوريّة كممر إلزامي للعودة".

ربما أراد وليد جنبلاط أن يضرب الحديد وهو حامٍ، وأن يستغلّ الجراح النازفة في السويداء لحمل الروس على فتح خطّ مباشر ما بين المختارة وقصر المهاجرين بضمانات من الكرملين، لكن "الصديق" بوغدانوف عاد وكررّ على مسامع تيمور "اللازمة" التي سمعها والده في بيروت من السفير لافرونتييف "لا بدّ من دمشق.. مهما طال السفر".

ولم يكن وزير الخارجيّة وليد المعلم، ونائبه فيصل المقداد بغفلة عمّا يجري، وقبل أن تقلع طائرة تيمور والوفد المرافق من موسكو في طريق العودة الى بيروت، كانت الخارجيّة السوريّة على علم بتفاصيل المحادثات "من طقطق.. حتى السلام عليكم"، وكانت على معرفة، ودراية تامة بالأبعاد والخلفيات، ولم تغفل فاصلة واحدة عن صديقها الصدوق الأمير طلال إرسلان.

واللافت أن زيارة تيمور، التي تمّت تحت سقوف معيّنة، وعناوين محددة، قد تركت بصمة على الحياة السياسيّة الداخليّة، وراح البعض من الأصدقاء، والحلفاء، ورفاق الدرب يبحث عن موقع ثابت له وسط المتغيّرات المتسارعة في سوريا، وتركيا، والعراق، والخليج… والدليل أن الزاوية اللبنانيّة الضيقة، باتت بعد قمّة هلسنكي أمام المزيد من الإنفراج والإتساع، وهذا ما يلاحظه مباشرة، وبدّقة، المدير العام للأمن العام اللواء عبّاس إبراهيم  بعد أن نجح في إحداث كوّة في الجدار المسدود مكلّفاً من رئيس الجمهوريّة العماد ميشال عون، ومدعوماً من رئيس مجلس النواب نبيه برّي، وغالبيّة الفعاليات الروحيّة، والسياسيّة، والإقتصاديّة، وبعد النجاح المضطرد الذي يحققه في إدارة ملف عودة النازحين.

وما يحصل الآن أن غالبيّة الفعاليات السياسيّة التي شاطت بها الأحداث والتطورات بعيداً عن دمشق، تحاول أن تحجز لها مكاناً في قطار العودة الى ضفاف بردى بعد سيطرة الجيش السوري على معبر نصيب الاستراتيجي عند الحدود السوريّة الأردنيّة، وتحرّك التجار، والصناعيّين المطالبين بالعمل على إستعادة حركة التصدير والإستيراد عبر الطرق البريّة، الى الدول العربيّة، وتحديداً الخليجيّة، والأصوات المسؤولة المنادية بفتح ملف العلاقات على مصراعيه.

ولأن "البزنس" مغر، فإن  مكاتب الأمن العام، والجمارك اللبنانية عند نقاط الحدود تسجّل حركة غير طبيعيّة لسيارات "الفوميه" الفارهة التي تجتاز الحدود يوميّاً ذهاباً وإياباً، ربما للبحث عن دور مستقبليّ؟!. أو ربما لتقديم عروض للمساهمة في ورشة البناء والإعمار؟!.

وبما أن المسرحيّة الدراميّة التي تحمل عنوان "تشكيل الحكومة"، لا تزال تعرض على المسرح اللبناني بنجاح منقطع النظير، وباهتمام من متذوقي هذا اللون الدرامي، فإن بعض زوّار العاصمة السوريّة يحمل في جعبته دعوات ملحاحة للحضور والمشاركة، ولو من موقع المراقب، لا بل إن أصواتا "إشتراكيّة" صدحت عالية في الآونة الأخيرة متهمة دمشق بالدخول على الخط، رافضة إعطاء جنبلاط الحصّة الدرزيّة كاملة في الحكومة الجديدة، ومصرّة على توزير "المير طلال"!.

وسواء أكانت هذه الأصوات من باب التأكيد او المناورة، فإن واقع العلاقات اللبنانيّة ـ السوريّة لا يمكن أن يبقى أسير الأهواء، والمزاجيات المتأتية من داخل، أو من خارج، لأن ساعة الحقيقة قد زفّت، وهذا ما يرتّب على أي حكومة قد يشكّلها الرئيس سعد الحريري، مسؤوليّة مواجهة الأمور بروح عالية من المسؤوليّة، واضعة مصالح لبنان العليا فوق أيّ إعتبار، وقادرة على مواجهة الأسئلة المتداولة وراء الكواليس بصراحة ووضوح: هل تريد الحكومة المقبلة تفعيل المجلس الأعلى اللبناني السوري، أم إلغائه، أو تركه كما هو "لا معلّق ولا مطلّق"؟ هل تريد العمل بمعاهدة "الأخوة والتعاون والتنسيق"، أم تريد شطبها من القاموس؟ هل تريد تفعيل الإتفاقيات الأمنيّة والإقتصاديّة والثقافيّة بين البلدين، أو التنصل منها؟.

بالمقابل، هل بإمكان الحكومة العتيدة أن تتحمل أوزار التداعيات، إذا ما اتفق مجلس الوزراء مجتمعاً على  الإلغاء؟!.

الجواب البديهي ان أحداً مهما كان شأنه لا يستطيع أن يتخطّى حقائق التاريخ والجغرافيا، وهي أقوى من إتفاقيات مبرمة، ومن حبر على ورق، ومن شعارات "النأي بالنفس"، و"الحياد"، وما شابه ذلك من زبد يلفظه موج المصالح المترامي على رمال شاطىء متعرّج لكنه متماسك يجتاز نقطة العبدة الى طرطوس، واللاذقيّة… وصولا الى تركيا، وما بعدها!. حتى أولئك الذين أبرموا صكوك الولاء للمملكة العربيّة السعوديّة، وخياراتها الأمنيّة والسياسيّة والإقتصاديّة في المنطقة، قد أخذتهم الدهشة، ونوبة من الذهول وهم يسمعون بأن إحدى الشركات السعوديّة سوف تسيّر قريباً رحلة تجاريّة الى سوريا عبر معبر نصيب. وهل من المعقول أن يحدث هذا من دون موافقة السلطات السعوديّة؟ وهل توافق سلطات  الرياض، إن لم تكن قد ضمنت مسبقاً الموافقة الأميركيّة على مثل هذا التحرّك؟!.

واللافت، أن الحديث عن تشكيل الحكومة كان منذ البداية يأخذ المتغيّرات الإقليميّة بعين الإعتبار، لأن "الطبّاخين" يعرفون مسبقاً مدى تأثيرها على عمليّة التأليف، وحتى على بعض الأحجام والأوزان. ويضرب البعض مواعيد طويلة الآجال كالقول "لاحكومة قبل تشرين"، والبعض الآخر "لاحكومة قبل نهاية العام"!. أما لماذا في تشرين؟ ولماذا قبل نهاية العام؟ فلأن متغييرات إقليميّة ـ دوليّة سوف تحصل، وتطيح بكل العقد الداخليّة المفتعلة، وتفرض حكومة الأمر الواقع… هكذا يقال.. وهذا بعض ما هو متداول…

وبمعزل عن مدى جديّة وموضوعيّة هذه القراءات، لا بدّ من تبسيط بعض الأمور بعيداً عن المزايدات والمكابرات، أليس "حزب الله" على ارتباط وثيق مع إيران، إستراتيجيّاً وعقائديّاً، وهو الذي يعلن ذلك وبالفم الملآن أمام القاصي والداني، ومن دون تردد؟ بالمقابل أليس الرئيس سعد الحريري، وتياره العريض، على علاقة وثيقة، سياسيّاً وعاطفيّاً وإستراتيجيّاً مع المملكة العربيّة السعوديّة؟ فكيف يكون تأليف، أو تسهيل في التأليف، إذا كانت المملكة مشتبكة، سياسيّاً وإعلاميّاً وإقتصاديّاً، مع إيران في كل الساحات، بما في فيها الساحة اللبنانيّة تحديداً؟!.

ولا نريد أن نتحدث عن الإرتباطات الأخرى لغالبية الأحزاب، والكتل المعنيّة في التشكيل الحكومي… لكن في ظلّ دوّامة الفراغ المزعج والثقيل، يطلّون على الناس، ويتفلسفون بالقول إن الخارج لا يتدخل، وإن العقد داخليّة…! لكن مَن مِن هؤلاء يملك حرية قراره وخياره؟ مَن مِن هؤلاء يستطيع ان يقدم على أي تدبير، إن لم يكن موحى به من قبل المرجعيّة الخارجيّة التي يستقوي بها؟!.

ولو شاء البعض طمس هذه الحقيقة، حرصاً منه على هالة القيادة والزعامة في بيئته الطائفيّة والمذهبيّة، فإن الحقيقة الماثلة عند رئيس الجمهوريّة العماد ميشال عون أنه يرفض أن يعطي أي زعيم طائفة  "ميثاقيّة التعطيل" بحيث يستأثر وحده بالحقائب المخصصة لطائفته دون الآخرين، ويعمد الى سحب وزرائه من أي جلسة تعقد لمجلس الوزراء، إذا ما وجد بأن الملف المدرج على بساط البحث لا يعجبه، أو لا يناسب مصالحه الخاصة، عندئذ يعطّل عمل المجلس بذريعة عدم ميثاقيّة القرارات التي تتخذ بغياب مكون من مكونات المجتمع اللبناني المشقوع طائفيّاً ومذهبيّاً!…

ولأن الرئيس عون يدرك الصادر من ملف التأليف، والوارد إليه من "الغيورين"، و"المحبيّن" في الداخل والخارج، فإنه لن يتردد، وفي اللحظة التي يراها مناسبة، في إستخدام سلاح "الصدمة" التي تعيد الجميع الى رشدهم، فيتزاحمون على تأليف الحكومة  مستّرين عوراتهم بفائض من الشعارات والمزايدات الوطنيّة.. وتاريخهم  يشهد على حذاقتهم في نقل البندقيّة من كتف الى أخرى، وبسرعة البرق، ضنّاً بمصالحهم الخاصة!…

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.