رهان على متغيرات إقليمية.. ومسار التأليف بين الانتظار والاعتذار

ـ رفعت البدوي ـ

منذ مبادرة الرئيس سعد الحريري الرئاسية، التي أفضت الى اتفاق ساهم بوصول الرئيس ميشال عون الى قصر بعبدا وتكليف الرئيس سعد الحريري تشكيل حكومة العهد الاولى، انزعجت المملكة العربية السعودية ولم تستطع ابتلاع نجاح المبادرة الحريرية، على الرغم من ان السعودية منحت الرئيس الحريري فرصه للاقدام على تنفيذ مبادرته مع الرئيس عون، بشرط تحمل مسؤلية نجاحها أو فشلها، إضافة الى تحمل تبعات الانقلاب على رئيس تيار المردة سليمان فرنجية.

صحيح ان المملكة السعودية لم تبخل على العهد الرئاسي باللياقات الدبلوماسية المعتادة، بيد أنها لم تبد أي حماسة فعلية لدفع الامور نحو عودة العلاقات بين لبنان والسعودية الى سابق عهدها، والتي كانت تتضمّن الدعم الاقتصادي والسياحي والايداعات المصرفية والمشاريع المشتركة بين البلدين، وأضحى واضحاً أن السعودية تركت الرئيس سعد الحريري يواجه مصيره وحيداً من دون سند داعم لحكومته أو لتياره السياسي، وتركت الامور الرسمية مع لبنان النازف اقتصادياً وسياسياً، تسير ببطء شديد، كمن يترقب بلوغ النزف مبلغه من الخطورة التي تؤهل السعودية للدخول مرة أخرى الى الساحة اللبنانية على حصان أبيض ومن بابها الواسع، وبصفتها المنقذ.

بيد ان الرياح جرت عكس ما تشتهي السعودية، فأرادت قلب الطاولة وإعادة خلط الاوراق من جديد، خصوصاً بعد تلقيها تقارير زائفة من "حلفاء" الحريري وأهل بيته السياسي، وعلى وجه الخصوص من سمير حعجع وشركائه، تشي بضرورة قيام السعودية بتغيير مسارها في لبنان وتحويل دعمها نحو معراب بدل بيت الوسط.

في هذه الاثناء كان لبنان الرسمي يترقب المتغيرات الحاصلة في الاقليم، لاسيما في سوريا، والبدء بالتحضير لإجراء الانتخابات النيابية المتاّخرة 5 سنوات عن موعدها الطبيعي.

في الثالث من شهر تشرين الثاني 2017، استُدعي رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري الى العاصمة السعودية الرياض لـ"لقاء خاص" مع خادم الحرمين الشرفين الملك سلمان بن عبد العزيز. سريعاً، لبّى الرئيس سعد الحريري الدعوة وتوجه الى الرياض على وجه السرعه مساء يوم الخميس، ظناً منه انه نجح في تأمين الدعم المالي لحملته الانتخابة المرتقبة وحصول الفرج. لكن ومنذ لحظة وصوله الى مطار الرياض، اختفى الرئيس الحريري في غياهب الصحراء السعودية، وبدأ  توارد الاخبار التي اكدت أن الرئيس الحريري لم يكن حرّاً، ثم ليظهر بعدها عبر شاشة احدى القنوات الفضائية ويتلو بيان استقالة حكومته الشهيرة، والتي أقل ما يقال فيها انها كانت بمثابة بيان سعودي "رقم واحد" لمحاولة قلب الطاولة في لبنان على التسوية الرئاسية بكاملها، وتحديداً على الرئيس ميشال عون وعلى الرئيس سعد الحريري في آن واحد، تمهيداً لدخول السعودية مباشرة، وبشكل يجبر لبنان الرسمي على اعادة تموضعه بما يتتاسب والاجندة السعودية من جديد.

كادت السعودية ان تنجح في قلب الطاولة لولا استدراك واستيعاب الرئيس ميشال عون دقة الموقف، وأن بيان الاستقالة ليس إرادياً، ما دفعه الى التمسك برفض الاستقالة الحريرية لقناعته بان الاستقالة كتبت واعلنت تحت تأثير ضغط سعودي على الرئيس الحريري في الرياض. اما الأمر الآخر الذي ساهم في تراجع الضغط السعودي، هو فشل الاطاحة بالرئيس سعد الحريري واستبداله بشقيقه بهاء الدين الحريري عبر مبايعة العائله الحريرية للارادة السعودية، وهذا الامر أحدث شرخاً عميقاً، ليس مع الرئيس الحريري فحسب، وإنما مع آل الحريري جميعاً، وهذا ما بدى واضحاً في تعامل السعودية مع بهيه الحريري عمة الرئيس سعد الحريري وولديها نادر وأحمد في مرحلة لاحقة.

أفرجت الرياض عن الرئيس الحريري بعد تكليف لبنان الرسمي للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لـ"إنقاذ" الحريري. فسارع الرئيس الفرنسي بالتحرّك نحو الرياض للقاء ولي العهد السعودي الامير محمد بن سلمان والافراج عن الحريري.

ليس معلوماً بدقة كيف تمكّن الرئيس الفرنسي من إقناع ولي العهد السعودي بالافراج عن الحريري، وعلى الرغم من التسريبات الكثيرة التي يستند غالبيتها إلى تكهّنات، فإن ماكرون أنجز على الأرجح "صفقة" ما سمحت بالسماح للحريري بمغادرة الرياض وحيداً في البداية، وبقيت عائلته في العاصمة السعودية قبل أن يلتقيها بعد أيام في باريس. بقيت بنود "الصفقة" طي الكتمان، لكنها أثمرت عودة الحريري إلى لبنان حيث توجّه فوراً إلى قصر بعبدا ليجتمع مع الرئيس ميشال عون والرئيس نبيه بري ويخرج بعدها لتلاوة بيان التراجع عن الاستقاله مقروناً بالتزام لبنان سياسة "النأي بالنفس".

وخلال الأسابيع والأشهر التالية، لم يظهر أن علاقة الحريري بالرياض تمتلك الحدّ الأدنى من الارتباط السياسي أو الوجداني أو الشخصي. فقط علاقات "شبه رسمية، مع زيارات محدودة للحريري إلى العاصمة السعودية لم يظهر فيها أنه استعاد مكانته في الديوان الملكي.

بعد أشهر، جرت الانتخابات النيابية في لبنان من دون دعم مادي سعودي لحملة الرئيس الحريري، وأسفرت نتائجها عن تقدم واضح للمحور الذي لا يتماهى مع سياسة المملكة في لبنان، وتم حصد ما يقارب 70 مقعداً من اصل 128، اضافة الى بروز قوى سنية جديدة محسوبة تاريخياً في الفلك السوري، ومنافسة للرئيس الحريري في الشارع السني.

قبل الحريري بتلك النتائج، وهو لم يتفاجأ فيها كثيراً، لكن هذه النتائج لم تعجب السعودية التي شعرت بأنها خسرت قبضتها على لبنان، خصوصاً بعد اعلان قاسم سليماني ان "محور المقاومة احرز نجاحاً باهراً في نتائج انتخابات العراق ولبنان"، الامر الذي اعتبرته السعودية تهديداً مباشراً لتأثيرها وحضورها في السياسة الاقليمية بالعموم واللبنانية على وجه الخصوص.

اجريت الاستشارات النيابية الملزمة في لبنان وتم تكليف الرئيس سعد الحريري بتشكيل الحكومة الاولى بعد الانتخابات النيابية، لكن ورغم الوعود بأن تشكيل الحكومة في لبنان لن يأخذ وقتاً طويلاً تمهيداً للانطلاق بورشة عمل واسعة، إلا أنه وبعد مرور ثلاثة أشهر على التكليف، يبدو ان تشكيل الحكومة في لبنان بات متعثراً وأكثر تعقيداً من ذي قبل.

يصر البعض في لبنان، والرئيس الحريري من بينهم، على أن العائق الرئيسي لتشكيل الحكومة هو أمر داخلي يقع على عاتق الفرقاء والاحزاب الذين يلجأون إلى تضخيم مطالبهم الوزارية. كما ان الرئيس الحريري ينفي حصول أي تدخل خارجي في تشكيل الحكومة.

لكن العارفين بخبايا وأسرار الامور، يصرون على ان المطالب الوزارية المضخمة لبعض الجهات الحزبية، ومنها القوات اللبنانية اضافة الى اصرار الحزب التقدمي الاشتراكي على تمثيل كامل الحصة الدرزية، كلها مطالب ممكن معالجتها لولا وجود أوامر خارجية بضرورة  التشدد بالمطالب، وذلك بهدف إحراج الرئيس الحريري مع الرئيس ميشال عون وصولاً الى اخراجه، اضافة الى عدم انجاح عهد الرئيس ميشال عون، الامر الذي سيؤدي الى نسف تفاهم عون ـ الحريري، واعادة صوغ الامور وتوجيه الرياح بما تشتهي سفن معراب والمختارة بتوحيه سعودي.

رغم ان  الامر لم يعد خافياً، الا ان أحداً لم يجرؤ على قول الحقيقة بأن العائق الرئيسي في تشكيل الحكومة في لبنان هو الخضوع الى معادلات خارجية اقليمية، تضع الوضع الحكومي والاقتصادي اللبناني في الثلاجة، بانتظار مراهنة البعض في الداخل اللبناني بالتكافل والتضامن مع بعض الدول الاقليمية السابحة في الفلك الاميركي، ومنها السعودية، أملاً بحدوث متغيرات اقليمية تعيد توزيع الادوار وخلط الاوراق في لبنان من جديد.

يسجل للرئيس ميشال عون فهمه العميق وإدراكه لدقة وحساسية الموقف، وتعاطفه الابوي مع الرئيس المكلف سعد الحريري، وإصراره على التمهل في اتخاذ اي إجراء من شأنه أن يؤدي إلى إلحاق الأذى بالرئيس المكلف، لانه يدرك تماماً حجم الضغوط الخارجية التي تمارس على الرئيس الحريري، على الرغم من تحذير المقربين من قصر بعبدا بأن العهد برمته سيدفع ثمن تأخير تشكيل الحكومة. الا ان جواب عون للقريبين منه هو: "لا تنسوا ان الرئيس سعد الحريري سبق له وعقد اتفاقاً معي أوصلني الى بعبدا، وانا وعدته بعهد رئاسي سوية. وانا لا اريد ان افتعل مشكلة مع مكوّن سني كبير واساسي في التركيبة اللبنانية يمثله الرئيس الحريري. لذلك فالانتظار واجب، وان مصلحة وأمن الوطن أولية تقتضي ذلك".

أمام هذا التعاطف من رئيس الجمهورية وتمسكه بالرئيس سعد الحريري لتشكيل الحكومة، يبقى اما اعتذار الرئيس المكلف عن تشكيل الحكومة انقاذاً للعهد الرئاسي، واما انتظار نتائج المتغيرات الاقليمية التي لن تتبلور بالوضوح قبل نهاية العام الحالي، والتي لا يوحي مسارها بأنها ستكون في مصلحة السعودية.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.