هل انقلب الحريري على العهد والوعد؟!

ـ نورما أبو زيد ـ

لا يختلف اثنان في فريق رئيس الجمهورية، بأنّ رئيس الحكومة المكلّف سعد الحريري يعاني من "متلازمة ستوكهولم". يقولون إنّ هذا المرض النفسي الذي يُظهر صاحبه ولاءً لمختطفه، يلازم الرئيس الحريري منذ تكليفه بتشكيل الحكومة العتيدة.

بعض "المعالجين" من الذين يدورون في فلك "البيت الأزرق"، يخالفون "البرتقاليين" الرأي في تشخيصهم لحالة الحريري. إنّه ثقب في الذاكرة بالنسبة لهم. الحريري لا يتذكّر الأحداث القريبة، وإنّما يتذكّر الأحداث البعيدة. تشخيص قد يكون منطقياً لحالة الحريري الذي عاد بعد الانتخابات النيابية إلى تحالفات عام 2005، علماً أنّ البلاد في هذه الأيام، لا تشهد "ثورة أرْز"، بل "ثورة أرُز وقمح وطحين"، نتيجة البطالة التي ضربت أرقاماً قياسية صعوداً، فيما البلد إلى هبوط.

قبل أشهر من الآن، أطلق الرئيس سعد الحريري على رئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع لقب "المتآمر الأكبر"، وكان كلّما سئل عن إمكانية عودة المياه إلى مجاريها بينهما، يلوّح بيده قرفاً، وكانت الطريق "سالكة وآمنة" بين بيت الوسط وبعبدا حيث يقطن "الرئيس المنقذ". ولكن فجأة، ومن دون مقدّمات، تعاطف الحريري مع "سجّانه"، ونسي أو تناسى "محرّره".

هل انقلب الحريري على العهد، وقلب البلد رأساً على عقب؟ لا يؤلّف، ولا يعتذر. لا يعمل، ولا يدع سواه يعمل. لماذا يطفىء محركات الحكومة، ويمنع عجلات البلد من الدوران؟ ولماذا يستبدل رقصة التانغو التي رقصها مع الرئيس عون، بالرقص مع العفاريت، ويتجاهل بأنّ رقصته هذه تضع البلد على كفّ عفريت؟.

تسأل الحلقة المحيطة بالرئيس سعد الحريري عن سرّ الانقلاب على العهد ـ علماً أنّ السر ليس مستورا – فتجيبك بأنّ في فم الرئيس الحريري ماء يمنعه من الكلام. في فم الحريري ماء، ولكن اللبنانيين عطشى. اللبنانيون عطشى لكلّ شيء، وكلّ شيء معلّق على حكومة العهد الثانية، التي تأكل من عمر العهد.

بالرغم من حالتي الجوع والعطش، بسبب التراكمات التي يتحمّل رئيس الحكومة المكلّف جزءاً غير بسيط منها، يقلّب الحريري حكومته على نار هادئة، وطنجرته لا تحتوي إلاّ على بحص. بحصات الحريري هذه تشبه البحصة التي علقت في زلعومه ذات تشرين. وإذا كان الحريري قد عجز عن بقّ بحصة "الاستقالة – الإقالة"، فلن يجرؤ اليوم على بقّ بحصة تعطيل التأليف. البحصتان محشورتان في حنجرته. يعجز عن بقّهما، ويشعر أنّ طريقهما قد تكون سالكة نزولاً. البلع أسهل من البقّ بالنسبة له. يستسهل النزول، وهذا الاستسهال يفسّر الدرك الذي نحن فيه. كلّ شيء في البلد يتّجه نزولاً. كلنا في القعر، والقعر مثقوب.

لا يكتفي الحريري بإجبارنا على سياسة الأمعاء الخاوية، نتيجة طبخته الحكومية التي يتعثّر بمقاديرها، بل يعيدنا إلى سياسة هزات البدن إياها التي اعتمدها إبان حروب "ثوار الأرز" الدونكيشوتية، من خلال استئنافه النشاط المزلزل على مقياس "المستقبل – القوات – الاشتراكي".

الحريري يجد حرجاً في الذهاب إلى سوريا، رغم زحمة السير الخانقة على طريق الشام، وموقفه "الثوري" هذا هو موضع ترحيب من الثنائي "جيم ـ جيم" جعجع وجنبلاط. الثلاثي "حاء ـ جيم ـ جيم" لا ينتج إلاّ كلمة واحدة غير مفيدة هي "حجج". حجج يسوقها الحريري وزميلاه بـ "النضال" في ملفّ العلاقة مع سوريا، لتبرير سياسية وضع العصي أمام العجلات الحكومية.

يتوحّد "المستقبل" و"القوات" و"الاشتراكي" في وجه العهد، من بوابة رفض العلاقات مع سوريا. هزات بدن متلاحقة على مقياس "ريختر الآذاري".

"الترددات الآذارية" هذه تضع لبنان على فالق زلزال، ولكن "لا من يشعر ولا من يحزنون". أما في سوريا، فـ "مركز بحنس الدمشقي" لم يتحمل الترددات اللبنانية.

لقد رفع بشار الأسد درجات التأهّب، خوفاً من ثلاثي يحترف الهزائم قد يهزّ عرشه، وبوتين أطلق صفارات الإنذار تحسباً للخطر الاتي من صوب الغرب.

يخوض الفريق "حجج" مباريات على الملعب السوري، من دون تسجيل أهداف حتى اليوم في المرمى الحكومي.

لقد تناسى الفريق "حجج" أنّ صيفنا الملتهب يعوم على مياه الصرف الصحي وعصارة النفايات..

وأنّ سماءنا تعجّ بشتى أنواع الملوثات..

وأنّ دواءنا منتهي الصلاحية..

وأنّ قضاءنا يصدر أحكاماً باطلة قانونياً بحماية القوى السياسية..

وأنّ محاكمنا الشرعية تصدر أحكاماً باطلة إنسانياً بحماية القوى الأمنية..

وأنّ منتوجاتنا السياسية تكفي لإعلان لبنان دولة فاشلة.

الملف الحكومي مقفل على كلّ هذه القذارات والموبقات. فحبذا لو يفتحون هذا الملف ويقفلون أفواههم.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.