"الست ايريس فرنجية".. المرأة الحديدية

حسن درويش

من قال إن مصطلح "سيدة لبنان الأولى" ينحصر للدلالة على لبنانيات فقط؟ فتاريخ لبنان شاهد على وجود سيدات أوائل في لبنان، ليس بلقبهن فحسب بل بفكرهن وعطائهن وعملهن، وإن لم يكنّ لبنانيات.

وعلى الرغم من وجود سيدات غير لبنانيات  كان لهن دور اساسي في تطور المجتمع اللبناني من خلال مشاريعهن وجمعياتهن وحتى عملهن، لكن يبقى لقب "السيدة الأولى" منحصراً باللواتي تزوجن من رئيس البلاد.

"الرقيب" تتابع رحلة البحث في تاريخ سيدات لبنان الأوائل للإضاءة على انجازاتهن. ومع أن اثنتين فقط منهن كن غير لبنانيات، إلّا أنهما ابرزتا كفاءة في عملهن وحباً للبنان.

السيدة ايريس هنديلي المصرية الأصل زوجة خامس رئيس للجمهورية اللبنانية، الرئيس سليمان فرنجية.

تمكن الرئيس سليمان فرنجية في العام 1970 من الوصول الى سدة الرئاسة بفارق صوت واحد (50 مقابل 49) امام الياس سركيس خلفاً للرئيس شارل حلو، في إنتخابات لبنانية مئة بالمئة من دون أي تدخّل خارجي.

تزوج فرنجية من السيدة إيريس بعدما كان شغوفاً بالإستماع لموسيقاها التي كانت تعزفها على البيانو في بلدة دوما البترونية حيث كانت تصطاف هي وعائلتها.

أنجبت ايريس للرئيس فرنجية كلاً من: لمياء فرنجية ـ الدحداح، صونيا فرنجية ـ الراسي، مايا فرنجية ـ مونارشا، طوني، وروبير.

في العام 1978 حصلت مجزرة إهدن التي ارتكبها "حزب الكتائب" في أعقاب خروج الرئيس فرنجية من "الجبهة اللبنانية" بعد حرب السنتين، والتي ذهب ضحيتها طوني فرنجية وزوجته فيرا وابنتهما جيهان و28 شخصاً من أبناء منطقة زغرتا.

تسببّت مجزرة إهدن بحزن استوطن قصري فرنجية في إهدن وزغرتا وتحكّم بكل سلوكيات العائلة وأدبياتها وخياراتها السياسية. حزن الرئيس فرنجية العميق ترك تأثيره بارزاً على سلوكه الشخصي الذي كان يميل إلى الهدوء الشديد وإلى إظهار عاطفة وحنان تجاه كل الناس الذين يزورونه في القصر، لكنه كان أكثر تأثّراً برؤية الأطفال.

أما السيدة إيريس، التي لم تكن تكف عن الترداد: "أرجو أن أكون آخر أم لبنانية تبكي أبناءها" وقالت للرئيس كميل شمعون: "يا فخامة الرئيس، بعد طوني سيأتي دور داني"، فقد بدت حادّة في سلوكها ونقدها اللاذع، حتى كان جميع من في القصر يخشاها وكأنها "المرأة الحديدية".

كان تعبير "الست إيريس" يعني إشارة إلى وصولها، ووصولها يعني ارتباك الجميع خوفاً مما ستكتشف من أخطاء في بعض الترتيبات وتبدأ بإعطاء التعليمات بلكنتها العربية المكسّرة، حيث كانت تميل إلى التحدّث باللغة الفرنسية، فقد كانت شخصيتها قوية تلاحق كل شاردة وواردة في القصر وخارجه، من المطبخ إلى الصالون إلى التفاصيل المتعلّقة براحة الرئيس فرنجية، حتى أن الورود التي تزيّن باحة قصر زغرتا كانت تخرج للإطمئنان إليها وتفقدها ورعايتها. أما في داخل القصر فقد كانت تعرف كل صغيرة وكبيرة، وتلاحق أدقّ التفاصيل مع العاملين في القصر. لكن كل ذلك لم يكن يمنعها من القيام برعاية نشاطات اجتماعية في زغرتا واهدن.

تروي السيدة صونيا فرنجية الراسي في كتابها "وطني دائماً على حق" أنه "ذات يوم، وفيما كانت والدتي تنهي جولة من لعب الورق مع صديقاتها، رأت ابتسامة عريضة تعلو وجه أبي الجالس في أحد الصالونات، يشرب كأساً مع صديقه الشيخ طانيوس الشمر الذي رافقته يومها الراقصة الكبيرة تحية كاريوكا. غلى الدم في رأس أمي التي سارعت نحوه، وبنبرة جافة قالت له: سليمان، الظاهر إنك نعسان… بصفته رجلاً حذراً وحكيماً، اعتذر سليمان من مضيفيه وغادر الزوجان معاً إلى منزلهما. بعدها بعامين، كان سليمان يتنزه على صهوة حصانه في منطقة المرداشية، فسمع صوتاً، خيل أليه انه يعرفه، يقول له: سليمان، الظاهر إنك نعسان… لم تكن تحية كاريوكا فقط سيدة في الرقص العربي، لكنها كانت سيدة مصرية ذات حس فكاهي أصيل ورفيع، تتقن تصويب الكلام اللاذع بمنتهى اللباقة والرقة".

وفي مقطع أخر تسرد السيدة صونيا حادثة أخرى تتعلّق بكرم الرئيس فرنجية وكيفية تعامل السيدة إيريس مع طبعه، وتقول "أحياناً، كان يتعذر على أبي مغادرة طرابلس للذهاب إلى بيروت، فذات مرة كان على عتبة المنزل حين أتاه شخص بحاجة إلى المال، فأعطاه كل ما في جيبه. كانت أمي تنتظره في السيارة ومعها لائحة بأغراض كثيرة يجب شراؤها من بيروت. أمام ارتباكه وهو يدخل السيارة، فهمت أمي كل شيء في الحال. امتعضت قليلاً لكنها سرعان ما استعادت ابتسامتها ومرحها، وأمضيا نهارهما مع أصدقائهما في طرابلس".

وتشير السيدة صونيا إلى أن الرئيس فرنجية كان "يزاول روتينه اليومي في النادي في الطابق الأرضي من المنزل، شأنه شأن أمي. بالنسبة له، كان ذلك الروتين هو دق الطاولة اليومي مع نسيم خلاط، وتناول اليانسون عند الساعة الخامسة عصراً. أما بالنسبة لأمي، فقد كان دق الـ 14 مع صديقاتها التاريخيات أوديت صوايا وإيفا فضول ولودي نوفل. كن كلهن في العمر نفسه تقريبا. وبحسب أبي، كلهن يبذلن قصارى جهودهن لمنع وصول منافسات أصغر منهن سناً إلى أزواجهن. كان أزواجهن أفضل أصدقاء أبي، يشاركونه لعب البريدج بانتظام."

لم تكن السيدة إيريس توحي أنها تظهر اهتماماً بالسياسة، فقد تفرّغت لتربية أولادها بما يسمح للرئيس فرنجية التفرّغ لعمله السياسي، لكنها فعلياً كانت تتابع كثيراً من التفاصيل السياسية وكانت مشورتها دائمة للرئيس، حتى لو لم يطلبها، وكانت صراحتها قاسية في معظم الأحيان. حتى أنها بعد انتخاب الرئيس رينيه معوّض لرئاسة الجمهورية، كان نائب الرئيس السوري آنذاك عبد الحليم خدام متوجّها إلى اهدن لتقديم التهنئة إلى الرئيس معوض باسم الرئيس السوري حافظ الأسد، فعرّج على قصر زغرتا حيث استقبلته السيدة إيريس وخاطبت خدّام بعبارات حادة جداً أمام العديد ممن كانوا في صالون القصر، حتى أن خدّام اكتفى بالاستماع إلى كلامها من دون أي تعليق، ولم ينقذه منها سوى استقبال الرئيس فرنجية له. كان موقفها آنذاك نابعاً من حبها الكبير للرئيس فرنجية، فقالت ما في قلبها بكل صراحة و"فشّت خلقها".

لم تقوَ قساوة الظروف التي مرّت بها السيدة إيريس فرنجية على كسرها، فقد استمرت صامدة في وجه التحديات والنكبات التي أصابتها، إلى أن توفي الرئيس فرنجية حيث هدأت حركتها واكتفت باحتضان أحفادها حتى وفاتها في العام 1995، لكنها أبقت قصر الرئيس مفتوحاً للناس.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.